حين تُنتهك حرمة الموتى: من قبور الجنود الأستراليين في قطاع غزة إلى أزمة القيم في زمن الحرب

شارك المقال:

حين تُنتهك حرمة الموتى: من قبور الجنود الأستراليين في قطاع غزة إلى أزمة القيم في زمن الحرب

21 ابريل 2026

بقلم خالد غنام

في الحروب، تُنتهك الكثير من القواعد، لكن تبقى هناك خطوط حمراء يفترض ألا تُمسّ—وفي مقدمتها حرمة الموتى. ما جرى في غزة، من تدمير ما يقارب 150 قبراً لجنود أستراليين سقطوا خلال الحرب العالمية الأولى، لم يعد مجرد حادثة عسكرية، بل تحوّل إلى قضية أخلاقية عميقة تمس كرامة الإنسان وذاكرته التاريخية.

من بين هؤلاء الجنود، يبرز اسم ألفريد كورك، الذي خدم في الفوج التاسع من سلاح الفرسان الخفيفة الاسترالية في فلسطين، وتوفي عام 1917 عن عمر لم يتجاوز 22 عاماً. على شاهد قبره نُقشت كلمات تختصر معنى التضحية:

«بشجاعة لبّى نداء وطنه. قدّم أفضل ما لديه، حياته، وكل ما يملك.»

بعد أكثر من قرن، لم تعد هذه الكلمات شاهدة على التضحية فقط، بل على هشاشة الذاكرة الإنسانية أمام واقع الحرب.

فبحسب حفيدته الكبرى، غوين روبينز، يُرجّح أن قبره كان ضمن عشرات القبور التي دُمّرت بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية باستخدام الصواريخ والجرافات. تقول:

«أجد ذلك محزناً للغاية… هؤلاء الشباب الذين سافروا إلى الجانب الآخر من العالم يُمحون فجأة وكأنهم لم يكونوا.»

الدمار لم يكن رواية عائلية فقط، بل واقعاً موثقاً. فقد أظهرت صور ومقاطع فيديو التقطتها ممرضة أسترالية حجم الخراب الذي لحق بمقبرة دير البلح، حيث تحولت المقبرة—التي صمدت لعقود طويلة—إلى أرض ممزقة.

وعلى مدار أكثر من مئة عام، اعتنت عائلة جرادة بهذه المقبرة جيلاً بعد جيل، في علاقة إنسانية نادرة بين الأحياء والموتى. لكن هذه العلاقة انكسرت فجأة. يقول عصام جرادة، الذي لا يزال يقيم في غزة:

«كان أسوأ يوم في حياتي عندما شاهدت القبور تتحطم… شعرت وكأن روحي قد انتُزعت مني.»

أما ابنه إبراهيم جرادة، فقد اضطر للانتقال إلى مقبرة أخرى تابعة لدول الكومنولث في مصر، بينما مُنع والده من زيارة الموقع بسبب القيود العسكرية المفروضة، بما في ذلك ما يُعرف بـ«الخط الأصفر».

في المقابل، برّر الجيش الإسرائيلي ما جرى بالحديث عن «بنية تحتية تحت الأرض»، مشيراً إلى استخدام محيط الموقع لأغراض عسكرية. غير أن هذا التبرير يفتح باباً واسعاً للتساؤل: أين تقف حدود الضرورة العسكرية حين تتقاطع مع حرمة الموتى وذاكرة التاريخ؟

القضية لم تبقَ محصورة في غزة، بل امتدت إلى أستراليا، حيث أقرّ وزير شؤون المحاربين القدامى، مات كيوغ، بأن ما حدث تسبب في «قدر كبير من الألم» لعائلات الجنود وللمجتمع الأسترالي. ومع تصاعد الضغوط على حكومات أستراليا وبريطانيا وكندا، يبقى السؤال حول إعادة ترميم المقابر معلقاً، في ظل تصريحات رسمية تؤكد أن ذلك «غير ممكن في الوقت الراهن».

لكن ما جرى يتجاوز السياسة والتصريحات. فالمقابر الحربية، في الوعي الإنساني والقانوني، ليست مجرد مواقع دفن، بل فضاءات للذاكرة الجماعية، يُفترض أن تبقى خارج دائرة الاستهداف. حين تُدمّر هذه المواقع، لا يُمحى الحجر فقط، بل يُمسّ معنى الاحترام ذاته.

إن تدمير قبور لجنود قضوا قبل أكثر من مئة عام يضع العالم أمام اختبار حقيقي: هل ما زالت هناك حدود لا يمكن تجاوزها في الحروب؟ وإذا لم تُحترم حرمة الموتى، فما الذي يمكن أن يبقى مصاناً؟

الدفاع عن كرامة الإنسان لا يبدأ ولا ينتهي عند حدود الحياة، بل يمتد إلى ما بعدها. وما حدث في غزة ليس مجرد واقعة عابرة، بل مؤشر مقلق على تآكل القيم في زمن النزاعات المفتوحة—حيث تصبح حتى الذاكرة، بكل ما تحمله من إنسانية، عرضة للانتهاك.

* مصدر المعلومات القناة السابعة في التلفزيون الاسترالي

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة