حرية التعبير في أستراليا تحت الاختبار: المظاهرات المؤيدة لفلسطين بين القانون والواقع
22 ابريل 2026
بقلم: خالد غنام
تشهد أستراليا في المرحلة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الجدل السياسي والقانوني حول حدود حرية التعبير وحق التظاهر، على خلفية تنامي الحراك الشعبي المتضامن مع الفلسطينيين. وقد أثارت ملاحقة متظاهرين بسبب شعارات مؤيدة لفلسطين مخاوف واسعة في الأوساط الحقوقية، التي رأت في هذه الإجراءات مؤشرًا مقلقًا على تضييق المساحات الديمقراطية، واستدعاءً لحقب تاريخية اتسمت بتقييد الحريات، كما حدث في ولاية كوينزلاند خلال سبعينيات القرن الماضي. ويعكس هذا المشهد توترًا متزايدًا بين السلطة والحراك المدني، حيث يُطرح تساؤل جوهري حول مدى التزام الدولة بحماية حرية الرأي في القضايا الدولية الحساسة.
في المقابل، لم تتراجع الأصوات الشعبية المؤيدة لفلسطين، بل شهدت المدن الأسترالية مظاهرات حاشدة، خاصة في مناسبات رمزية مثل يوم الأسير الفلسطيني، طالب خلالها المشاركون بإعادة النظر في العلاقات السياسية والعسكرية مع إسرائيل، مؤكدين أن هذه العلاقات تتناقض مع المبادئ التي تعلنها أستراليا بشأن حقوق الإنسان. وقد عبّر المحتجون عن قلقهم من محاولات تقييد حقهم في التعبير السلمي، معتبرين أن التضامن مع قضايا العدالة لا ينبغي أن يُجرَّم أو يُقيَّد تحت أي ذريعة قانونية.
وعلى الصعيد القانوني، برزت تطورات مهمة تمثلت في إبطال بعض القوانين التي وُصفت بأنها مقيِّدة لحرية التظاهر، وهو ما اعتُبر انتصارًا مهمًا للمجتمع المدني. وقد رحّبت منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية في أستراليا، بهذه الأحكام، مؤكدة أن القضاء لعب دورًا محوريًا في حماية الحقوق الأساسية. وشددت هذه الجهات على أن تشريعات مكافحة الكراهية يجب ألا تتحول إلى أدوات لتجريم العمل السياسي السلمي أو إسكات الأصوات المنتقدة للسياسات الدولية.
في الوقت ذاته، يستعد نشطاء ومنظمات قانونية للطعن في قوانين جديدة تتعلق بمكافحة خطاب الكراهية، التي وُصفت بأنها فضفاضة وقد تُستخدم لتجريم آراء سياسية مشروعة. ويرى المعارضون أن هذه القوانين، بصيغتها الحالية، قد تفتح الباب أمام تفسيرات تعسفية تهدد جوهر الحريات العامة، مؤكدين أن التوازن بين مكافحة الكراهية وحماية حرية التعبير يمثل ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي حقيقي.
ولم يقتصر الحراك على الشارع أو القضاء، بل امتد إلى مساءلة السياسات الخارجية، حيث رفعت مجموعات حقوقية دعاوى قانونية للطعن في صادرات الأسلحة الأسترالية إلى إسرائيل، معتبرة أن استمرار هذه الصادرات قد يتعارض مع التزامات أستراليا بموجب القانون الدولي الإنساني. وتستند هذه التحركات إلى مبدأ أن الدول لا ينبغي أن تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في نزاعات قد تؤدي إلى انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
كما أن هناك نشطاء يساريين متشددين لا يريدون التزام القوانين الحالية، وفيهم نسبة عالية من اليهود الشيوعيين، ويقومون بفعاليات أمام المباني الحكومية ومكاتب المسؤولين في حزب العمال الأسترالي، مطالبين بتحقيق العدالة لفلسطين، ومطالبين الحكومة الأسترالية بقطع علاقتها مع الحكومة الإسرائيلية المتهمة بالإبادة الجماعية في فلسطين.
وفي سياق متصل، برزت قضية احتجاز فلسطينيين قادمين من قطاع غزة داخل مركز احتجاز فيلاوود للهجرة في مدينة سيدني كأحد أبرز الملفات الإنسانية المثيرة للجدل. فقد أثارت تقارير عن احتجاز أشخاص، من بينهم محمد المصري وناصر أبو شتات، تساؤلات جدية حول مدى توافق هذه الإجراءات مع مبادئ حماية اللاجئين، خاصة وأنهم فرّوا من ظروف إنسانية قاسية فرضتها الحرب. ويرى حقوقيون أن احتجازهم في مراكز ذات طابع أمني مشدد، بدلًا من اعتماد بدائل إنسانية مثل الإقامة المجتمعية، يعكس مقاربة متشددة تتجاهل البعد الإنساني للقضية. كما يشير ناشطون إلى أن هذه الحالات قد تعكس نمطًا أوسع في سياسات الهجرة، حيث يتم التعامل مع الفارين من مناطق النزاع ضمن إطار أمني بدلًا من إطار إنساني، ما يفتح الباب أمام طعون قانونية تستند إلى قواعد القانون الدولي للاجئين، حتى إن حقوقًا عادية مثل تقديم طلبات لمّ الشمل أو الزواج غير مفعلة بخصوص القادمين من غزة، مما يثير القلق حول قرارات وزير الهجرة بخصوص ملفات الفارين من الحرب على غزة.
وفي موازاة ذلك، شهدت أستراليا مظاهرات متزايدة ترفض الحروب في المنطقة، بما في ذلك التصعيد العسكري في لبنان وإيران، حيث خرجت حشود في مدن عدة مطالبة بوقف العمليات العسكرية ورفض أي انخراط أسترالي في هذه النزاعات. وقد دعت هذه التحركات إلى تبني نهج سياسي قائم على التهدئة والحلول الدبلوماسية، محذرة من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع وتهديد الاستقرار الإقليمي والدولي. كما عبّر المشاركون عن مخاوفهم من تداعيات إنسانية كارثية قد تنتج عن أي حرب شاملة في المنطقة.
إن مجمل هذه التطورات يضع أستراليا أمام اختبار حقيقي في كيفية إدارة التوازن بين الأمن والحريات. فحرية التعبير وحق التظاهر ليسا امتيازًا يُمنح أو يُسحب وفق الظروف السياسية، بل حقان أساسيان يجب صونهما وحمايتهما، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا العدالة وحقوق الإنسان. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة لمراجعة السياسات والتشريعات بما يضمن اتساقها مع المبادئ الديمقراطية، وبما يحفظ كرامة الإنسان ويعزز ثقة المجتمع بمؤسساته.









