

موقع الكاتب خالد غنام
اعرف أكثر عن الكاتب خالد غنام// عن الكاتب المهندس خالد غنام
- ◂كاتب وباحث وناشط فلسطيني من مواليد الكويت عام ١٩٧١ أصلاً من قرية نعلين قضاء رام الله.
- ◂حاصل على ماجستير في الإدارة الهندسية من جامعة سدني للعلوم والتكنولوجيا.
- ◂كتب العديد من الدراسات والمقالات في الفكر الثوري والتراث والتاريخ الفلسطيني.
- ◂صاحب مشروع (تمرة رمضان) لإحياء التراث الفلسطيني.
- ◂قام بكتابة العديد من الحكاوي والخراريف باللهجة الفلسطينية.
- ◂ألّف عدة مسرحيات للمسرح الثوري الملتزم.
// أحدث المقالات
كل المقالات ←// أبحاث متنوعة
الأبحاث ←
شبكة التجارة الكنعانية بين شواطئ البحر الأبيض المتوسط
قراءة نقدية في بحث «شبكة التجارة الكنعانية بين شواطئ البحر المتوسط بقلم خالد غنام تقدم بحث الباحثة الأمريكية من أصل مصري، دعاء الشريف، "شبكة التجارة الكنعانية بين شواطئ البحر المتوسط"، صورة علمية مختصرة عن واحدة من القضايا المهمة في تاريخ المنطقة، وهي طبيعة النشاط التجاري للكنعانيين وعلاقاتهم بالمراكز الحضارية والممالك المجاورة. وتكمن أهمية البحث في أنه لا يتعامل مع التجارة الكنعانية باعتبارها مجرد حركة محلية محدودة، وإنما يحاول وضعها ضمن شبكة أوسع من العلاقات التجارية التي امتدت عبر شرق البحر المتوسط، وربطت كنعان بمصر وبلاد الرافدين وقبرص والمجال الإغريقي. ومن خلال هذه المقاربة، تظهر كنعان بوصفها منطقة فاعلة في حركة التجارة القديمة، وليست مجرد منطقة جغرافية تقع بين مراكز الحضارات الكبرى. ومن أبرز نقاط قوة البحث اعتماد الباحثة على مجموعة متنوعة من المصادر والأدلة العلمية. فهي لا تعتمد على المصادر التاريخية المكتوبة وحدها، وإنما تستند إلى الأدلة الأثرية وما عُثر عليه من لُقى ومكتشفات، إضافة إلى الرسومات والنقوش الموجودة في المعابد والمقابر، والبرديات والنصوص القديمة، إلى جانب الدراسات الحديثة في علم الآثار والتاريخ. وتمنح هذه المنهجية البحث أهمية خاصة؛ لأنها تسمح بإعادة بناء جانب من النشاط التجاري الكنعاني من خلال الأدلة المادية والنصية معًا. فالتجارة القديمة لا يمكن فهمها بصورة كاملة من خلال الروايات التاريخية وحدها، بل تحتاج إلى تتبع حركة السلع وآثارها ومواقع اكتشافها، والنصوص التي سجلت التعاملات أو أشارت إلى المناطق والسلع المتبادلة. وتولي الباحثة اهتمامًا خاصًا للعلاقات التجارية بين كنعان ومصر، وتقدمها باعتبارها نموذجًا واضحًا يمكن من خلاله فهم طبيعة التجارة الكنعانية. ومن الأمثلة التي تناولتها تجارة الأخشاب والفخار، وهما من المواد التي تظهر في الأدلة المتعلقة بالتبادل بين كنعان ومصر. كما تشير إلى وجود مواد وسلع أخرى، مثل المنسوجات والمواد الغذائية، وإن كانت لا تتوسع في دراستها بالقدر نفسه. ويبدو اختيار الأخشاب والفخار منطقيًا من الناحية الأثرية؛ لأنهما من المواد التي يمكن تتبعها من خلال المكتشفات والنقوش والمصادر القديمة، في حين أن بعض السلع الأخرى، وخاصة المواد القابلة للتلف، يصعب أن تترك أثرًا ماديًا يمكن الاحتفاظ به عبر آلاف السنين. وتكشف الأمثلة التي يقدمها البحث عن عمق العلاقات التجارية المصرية الكنعانية، كما تؤكد أن الكنعانيين كانوا معروفين في محيطهم الإقليمي، وأن علاقاتهم التجارية لم تكن محصورة في طرف واحد. فالصورة التي يرسمها البحث تضع الكنعانيين ضمن شبكة من التبادلات والعلاقات التجارية مع الممالك والمراكز الحضارية المجاورة، بما في ذلك مصر وبلاد الرافدين وقبرص والمجال الإغريقي. وهذا الجانب مهم؛ لأنه يساهم في تجاوز الصورة التي تختزل تاريخ كنعان في علاقتها السياسية أو العسكرية مع القوى الكبرى، ويعيد التركيز على دورها الاقتصادي وموقعها الجغرافي الذي أتاح لها أن تكون جزءًا من طرق التجارة البرية والبحرية في المنطقة. ومع ذلك، فإن أهمية البحث لا تعني أنه يقدم دراسة شاملة ونهائية للتجارة الكنعانية. فالعمل، بصيغته الحالية، يقدم صورة مختصرة يمكن اعتبارها مدخلًا إلى موضوع متشعب قابل للتوسع في دراسات أكثر تخصصًا. ويبدو أن التركيز على الأمثلة المرتبطة بالعلاقة مع مصر جاء نتيجة لتوفر كمية مهمة من الأدلة المصرية القديمة، سواء من خلال النصوص أو الرسومات أو البرديات أو المكتشفات الأثرية. لكن هذا التركيز يجعل بعض جوانب الشبكة التجارية الكنعانية بحاجة إلى مزيد من البحث والتفصيل، وخصوصًا العلاقات التجارية مع المراكز الأخرى في شرق المتوسط وبلاد الرافدين وقبرص والمجال الإغريقي. ومن هنا يمكن طرح سؤال منهجي مهم حول طبيعة الأدلة التي اعتمدت عليها الباحثة: هل تسمح الأمثلة التي قدمتها بالحديث عن وجود "شبكة تجارية كنعانية" متكاملة، أم أنها تثبت بصورة أساسية وجود مجموعة واسعة من العلاقات والتبادلات التجارية التي شاركت فيها المدن والمراكز الكنعانية؟ وهذا السؤال لا ينتقص من قيمة البحث، وإنما يحدد المجال الذي يمكن أن تتطور فيه الدراسات اللاحقة. فإثبات وجود تجارة بين كنعان ومصر، أو بين كنعان ومناطق أخرى، يمثل خطوة أساسية، لكن دراسة الشبكة التجارية بصورة أكثر شمولًا تحتاج إلى تحديد مساراتها، ومراكزها، وطبيعة الوسطاء فيها، وحجم التجارة، وأنواع السلع، وتغير هذه العلاقات عبر الفترات التاريخية المختلفة. كما أن التركيز على السلع التي بقيت لها آثار مادية، مثل الأخشاب والفخار، يطرح مسألة مهمة عند محاولة تقدير حجم التجارة الكنعانية. فوجود الفخار أو غيره من اللقى الأثرية يمكن أن يوفر دليلًا ملموسًا على انتقال السلع والعلاقات بين المناطق، لكن بعض السلع الأخرى، مثل المنسوجات والمواد الغذائية، قد تكون اختفت بفعل عوامل الزمن والتحلل. ولذلك فإن الصورة التي نستطيع إعادة بنائها من الأدلة الأثرية قد لا تمثل بالضرورة كامل حجم التجارة القديمة، وإنما تمثل، بالدرجة الأولى، ما استطاع أن يبقى من آثارها حتى يومنا هذا. وهذه مسألة تستحق الانتباه عند قراءة الأدلة الأثرية المتعلقة بالتجارة القديمة. ومع ذلك، فإن القيمة الأساسية للبحث تكمن في أنه يجمع هذه الأدلة المتنوعة ليقدم صورة عن الكنعانيين باعتبارهم جزءًا من منظومة اقتصادية إقليمية واسعة. فالموقع الجغرافي لكنعان، بين مصر وبلاد الشام وطرق بلاد الرافدين، وعلى ساحل البحر المتوسط، منح مدنها إمكانية التواصل مع شبكات تجارية متعددة. ولذلك فإن دراسة التجارة الكنعانية لا تتعلق بالسلع وحدها، وإنما تساعد أيضًا على فهم طبيعة العلاقات بين المجتمعات القديمة، وكيف ساهم انتقال السلع في انتقال الأفكار والتقنيات والخبرات والثقافات بين هذه المناطق. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى بحث دعاء الشريف بوصفه دراسة تمهيدية ذات قيمة، تضع أمام القارئ مجموعة من الأدلة والأمثلة التي تؤكد أهمية التجارة في التاريخ الكنعاني، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام دراسات أكثر تفصيلًا. فالبحث لا يغلق الموضوع بقدر ما يفتح أبوابًا جديدة لدراسة شبكة التجارة الكنعانية بصورة أوسع، سواء من خلال التجارة البرية أو البحرية، أو من خلال دراسة السلع المختلفة، أو تتبع العلاقات التجارية مع كل مركز من المراكز الحضارية المحيطة بكنعان. وتكمن أهمية هذه الدراسة في النهاية في أنها تذكرنا بأن تاريخ كنعان لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال الحروب والصراعات السياسية التي عرفتها المنطقة، وإنما أيضًا من خلال دورها الاقتصادي وحركتها التجارية واتصالها بالمجتمعات الأخرى. ومن خلال الأدلة الأثرية والنصية التي تجمعها الباحثة، يظهر الكنعانيون كجزء فاعل من عالم تجاري قديم امتدت طرقه عبر البحر المتوسط والطرق البرية، وربطت بين مصر وبلاد الشام وبلاد الرافدين وقبرص والمجال الإغريقي. ولهذا فإن البحث، رغم اختصاره واعتماده على نماذج محددة، يمثل أساسًا جيدًا يمكن البناء عليه في دراسة أوسع وأكثر تفصيلًا لتاريخ التجارة الكنعانية وشبكاتها وتأثيرها في تاريخ المنطقة.

اللصوص الأربعون: تشرشل، ومؤتمر القاهرة، والجدل السياسي حول استراتيجيات السيطرة الاستعمارية في العراق الخاضع للانتداب البريطاني، 1918–
يكتسب البحث الذي يتناول سياسة بريطانيا في العراق في بداية عشرينيات القرن العشرين أهمية خاصة؛ لأنه يدرس مرحلة كانت فيها بريطانيا تعيد النظر في طريقة إدارة نفوذها في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى. ولا تقتصر أهمية هذه المرحلة على تأسيس الدولة العراقية الحديثة وتنصيب فيصل ملكًا عليها، بل تتصل أيضًا بتحول مهم في الفكر العسكري البريطاني، تمثل في محاولة استخدام القوة الجوية بدلًا من الاعتماد الواسع على القوات البرية. كانت الحرب العالمية الأولى نقطة تحول كبيرة في تاريخ الحرب الحديثة. فقد تطورت الطائرات خلال الحرب من وسيلة للاستطلاع والمراقبة إلى سلاح قادر على تنفيذ عمليات القصف والدعم والاستطلاع المسلح. وأظهرت التجربة البريطانية أهمية وجود قوة جوية منظمة ومستقلة، وهو ما أدى، في عام 1918، إلى إنشاء سلاح الجو الملكي البريطاني RAF كقوة مستقلة. وبعد انتهاء الحرب، أصبح مستقبل هذه القوة موضع نقاش داخل بريطانيا، خصوصًا في ظل الضغوط المالية والرغبة في تقليص الإنفاق العسكري. وقد وجدت قيادة سلاح الجو، بقيادة هيو ترنشارد، في العراق فرصة لإثبات قدرة القوة الجوية على أداء مهام كانت تتطلب في السابق أعدادًا كبيرة من القوات البرية. ومن هنا تأتي أهمية مؤتمر القاهرة عام 1921، الذي دعا إليه ونستون تشرشل، والذي أقر بصورة أساسية فكرة استخدام القوة الجوية في العراق كوسيلة للسيطرة والأمن. لم يكن الأمر، في تقديري، مجرد بحث عن وسيلة أرخص لإدارة العراق، بل كان جزءًا من تجربة عسكرية وسياسية جديدة. فالبريطانيون كانوا يحاولون اختبار فرضية مفادها أن قوة جوية متفوقة تستطيع أن تؤدي مهامًا كانت تتطلب سابقًا انتشارًا واسعًا للقوات البرية. وتؤكد تصريحات تشرشل أمام البرلمان في مارس 1922 أن القوة الجوية كانت في قلب هذا التصور؛ فقد أشار إلى وجود ثمانية أسراب في بغداد، تمثل نحو ثلث قوة RAF آنذاك، وأنها أصبحت الأداة الأساسية لدعم الحكومة العربية والدفاع عن الحدود. وهنا أرى أن إحدى نقاط قوة البحث هي أنه يوضح العلاقة بين التفوق العسكري للقوة الجوية وإمكانية تقليص القوات البرية، ثم بين تقليص القوات البرية وتخفيض النفقات. وهذه نقطة مهمة؛ لأن ترتيب العلاقة هنا يجب ألا يُقلب: لم تكن بريطانيا تختار الطيران أولًا لأنه أرخص، ثم تبحث عن فاعليته العسكرية، بل كانت التجربة العسكرية للقوة الجوية هي التي جعلت استخدامها مقبولًا، ثم أصبح عامل التكلفة سببًا إضافيًا مهمًا لتبنيها. لكن هذه الفكرة تفتح في الوقت نفسه سؤالًا أوسع: هل كان خفض تكلفة العراق خفضًا حقيقيًا في التكلفة الإمبراطورية، أم أن جزءًا من التكلفة كان ينتقل من مؤسسة إلى أخرى، ومن مركز إمبراطوري إلى آخر؟ وهذه المسألة تصبح أكثر أهمية عند دراسة اعتماد تشرشل على الموارد البريطانية في الهند، سواء من الناحية العسكرية أو المالية. ومن النقاط الإيجابية في المشروع البريطاني، كما يعرضه البحث، العمل على إنشاء جيش عراقي نظامي ومحترف. ويمكن النظر إلى ذلك باعتباره خطوة باتجاه نقل مسؤولية الأمن إلى الدولة العراقية، بدل استمرار الاحتلال العسكري البريطاني المباشر. لكن هذه الخطوة تثير، في الوقت نفسه، سؤالًا حول طبيعة السيادة التي كانت بريطانيا مستعدة لمنحها للعراق. فإذا كان للعراق ملك وجيش وحكومة، بينما تحتفظ بريطانيا بالسيطرة على الحدود وبحق التدخل عند حدوث اضطرابات، فإن الدولة الجديدة كانت تمتلك مؤسساتها الوطنية، ولكنها لم تكن تتمتع بكامل أدوات السيادة العسكرية. وهنا أرى أن مسألة انتقال فيصل من دمشق إلى العراق تحتاج إلى مساحة أكبر في البحث. فاختيار فيصل لم يكن مجرد تفصيل سياسي منفصل عن المشروع العسكري. فقد كان المطلوب إنشاء نظام عراقي يمتلك قدرًا من الشرعية العربية والمحلية، وفي الوقت نفسه يبقى منسجمًا مع المصالح البريطانية. لذلك فإن دراسة فيصل بوصفه جزءًا من مشروع بناء الدولة العراقية تساعد على فهم العلاقة بين الملك والجيش العراقي والقوة الجوية البريطانية. ويبدو لي أن اختزال ملاءمة فيصل للحكم في موقفه من الشيوعية يحتاج أيضًا إلى قدر أكبر من التفسير. فمن المؤكد أن العامل المناهض للبلاشفة والشيوعية كان حاضرًا في الحسابات البريطانية في مرحلة ما بعد الثورة الروسية، لكن فيصل كان أيضًا أحد أبرز رموز الحركة العربية التي طالبت بالاستقلال، وكانت له تجربة سياسية وعسكرية في دمشق، كما ارتبط مشروعه السياسي بفكرة الوحدة أو التعاون العربي. لذلك فإن فهم اختياره للعراق يحتاج إلى الجمع بين هذه العوامل، بدل اختزال شخصيته السياسية في موقف واحد. وتزداد الصورة تعقيدًا عند تناول الموقف الشيعي. فإذا كان البحث يذكر أن بعض الشيعة كانوا يريدون عودة الحكم التركي بدل الحكم البريطاني وملك فيصل، فإن هذه الفكرة تحتاج إلى تفسير أعمق. فالرفض الشيعي للحكم البريطاني لا يعني بالضرورة الرغبة في استعادة الحكم العثماني. كان هناك رفض للاستعمار البريطاني، ومواقف مختلفة من فيصل، وتيارات دينية وقبلية وسياسية متعددة. لذلك ينبغي التمييز بين الحنين إلى الحكم العثماني وبين استخدام التجربة العثمانية بوصفها بديلًا عن الاحتلال البريطاني. كما أن العراق لم يكن يتحرك في فراغ إقليمي. ففي الشمال كانت الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال تمثل تحديًا مباشرًا للمصالح البريطانية، خصوصًا في قضية الموصل. وبعد الحرب حاولت تركيا توسيع نفوذها في شمال العراق، ووصل الأمر في عام 1922 إلى تحركات عسكرية تركية داخل الأراضي العراقية، الأمر الذي أدى إلى استخدام القوة الجوية البريطانية ضد القوات والأنصار المرتبطين بها. وفي الجنوب كان هناك عامل آخر لا يقل أهمية، هو توسع نفوذ عبد العزيز آل سعود وقوات الإخوان. لذلك فإن الأمن العراقي في تلك المرحلة لا يمكن فهمه فقط من خلال التمردات الداخلية. كانت بريطانيا تتعامل مع بيئة إقليمية مضطربة: تركيا في الشمال، وإيران في الشرق، والتوسع النجدي في الجنوب، إلى جانب الاضطرابات الداخلية. وهذا يساعد على فهم سبب تمسك بريطانيا بدور عسكري في حماية الحدود، حتى وهي تعمل على تقليص قواتها البرية. ومن هنا تظهر أهمية القوة الجوية بصورة أوضح. فالمشروع لم يكن مجرد استبدال جندي بطائرة، وإنما إعادة صياغة كاملة لطريقة السيطرة البريطانية على مساحة واسعة. وقد أصبحت القوة الجوية، اعتبارًا من أكتوبر 1922، مسؤولة عن القيادة العسكرية في العراق، في تجربة وصفها البريطانيون أنفسهم بأنها وسيلة للسيطرة على منطقة واسعة بقوة عسكرية أصغر. لكن نجاح التجربة من وجهة النظر البريطانية يطرح سؤالًا آخر: النجاح بالنسبة إلى من؟ فقد كانت الحكومة البريطانية تصف القوة الجوية بأنها وسيلة للحفاظ على النظام بأقل عدد من القوات والتكاليف، وكانت تبرر استخدامها بأنها تقلل الحاجة إلى الحملات البرية. وفي المقابل، فإن استخدام القصف الجوي ضد مناطق متمردة يطرح أسئلة مختلفة حول طبيعة هذه السيطرة، حتى عندما كانت الحكومة البريطانية تؤكد رسميًا أن العمليات الجوية لا تستخدم لمعاقبة السكان على عدم دفع الضرائب، وإنما ضد "التمرد المسلح" أو مهاجمة قوات الشرطة المحلية. وهنا يمكن النظر إلى العراق بوصفه مختبرًا عسكريًا للقوة الجوية البريطانية. فالهدف لم يكن فقط حل مشكلة العراق، وإنما إثبات أن RAF تستطيع القيام بمهمة كانت الجيوش البرية تؤديها بتكلفة أكبر. وهذا البعد المؤسسي مهم؛ لأن مستقبل القوة الجوية نفسها كان موضع صراع داخل بريطانيا، وكانت هناك أصوات في الجيش والبحرية ترى إمكانية إعادة دمج القوة الجوية فيهما. لذلك فإن نجاح تجربة العراق كان يحمل أهمية تتجاوز العراق إلى مستقبل سلاح الجو الملكي نفسه. وفي هذا السياق تصبح التطورات السياسية البريطانية بعد انتخابات 1922 ذات أهمية، إذ جاءت حكومة محافظة جديدة، واستمر الاهتمام بتطوير دور القوة الجوية. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق البحث هو ما إذا كانت تجربة العراق قد ساعدت في ترسيخ نموذج جديد للقوة الجوية داخل الإمبراطورية البريطانية، وليس فقط في تخفيض نفقات الاحتلال. ومن النقاط التي أرى أنها تحتاج إلى مزيد من الدراسة في البحث أيضًا علاقة بريطانيا بإيران ومصالحها النفطية. فوجود ممثل عن شركة النفط الأنجلو-فارسية في مؤتمر القاهرة، بالتزامن مع المخاوف البريطانية من النفوذ الإيراني داخل العراق، يكشف أن المسألة لم تكن عسكرية فقط. كانت هناك مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية متشابكة. ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال السياسة البريطانية في العراق في النفط وحده؛ فالمصالح النفطية كانت أحد العوامل، لكنها تداخلت مع أمن الطرق والحدود وموقع العراق والعلاقة مع تركيا والمصالح الإمبراطورية الأوسع. ومن زاوية أخرى، فإن الخوف البريطاني من التوسع السعودي وقوات الإخوان يضيف عنصرًا مهمًا إلى تفسير السياسة العسكرية في العراق. فبريطانيا كانت تريد تقليص قواتها، لكنها في الوقت نفسه كانت تواجه تحولات إقليمية سريعة، وكان عليها أن تضمن قدرة الدولة العراقية الجديدة على الدفاع عن حدودها. لذلك فإن بناء الجيش العراقي مع إبقاء قوة جوية بريطانية قوية يمكن فهمه باعتباره محاولة للجمع بين تقليل الالتزام العسكري المباشر والحفاظ على القدرة على التدخل السريع عند الضرورة. وأخيرًا، فإن إحدى أهم المسائل التي يثيرها البحث هي التناقض الظاهري بين تقليص الوجود البريطاني وبين استمرار النفوذ البريطاني. ففي الظاهر كان هناك انسحاب وتقليل للقوات والتكاليف، لكن على المستوى الاستراتيجي كانت بريطانيا تعيد تنظيم أدوات نفوذها: ملك عراقي، حكومة عراقية، جيش عراقي، مستشارون وضباط بريطانيون، قوة جوية بريطانية، وسيطرة أو نفوذ بريطاني في قضايا الحدود والأمن. ومن هنا ربما تكون أهمية البحث الحقيقية في أنه يساعدنا على رؤية الانتقال من الاحتلال العسكري المباشر إلى شكل أكثر مرونة من السيطرة والنفوذ. غير أن هذا الانتقال لا يمكن تفسيره بعامل واحد. فقد تداخل التطور العسكري الذي أنتجته الحرب العالمية الأولى، والصراع على مستقبل RAF، والضغط المالي على بريطانيا، وبناء الدولة العراقية، واختيار فيصل، والنزاع مع تركيا حول الموصل، والمخاوف من إيران، والتوسع السعودي، مع رغبة بريطانيا في الحفاظ على موقعها في الشرق الأوسط. ولهذا فإن قراءة البحث لا ينبغي أن تنتهي بالسؤال عما إذا كانت سياسة تشرشل ناجحة أو فاشلة فقط، وإنما بالسؤال عن طبيعة النموذج الذي أسسته: هل كانت القوة الجوية أداة لتقليل كلفة الإمبراطورية، أم أداة لإعادة تشكيلها؟ وربما كان الاثنان صحيحين في الوقت نفسه. فقد أتاحت القوة الجوية لبريطانيا تقليص عدد قواتها البرية، لكنها في المقابل وفرت لها وسيلة جديدة للحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري في العراق والمنطقة بأقل انتشار بري مباشر. ومن هذه الزاوية، يصبح العراق في بداية عشرينيات القرن العشرين أكثر من مجرد ملف إداري في تاريخ الانتداب البريطاني؛ إنه أحد المواقع التي اختبرت فيها بريطانيا شكلًا جديدًا من أشكال القوة الإمبراطورية، قائمًا على الجمع بين المؤسسات المحلية والقوة الجوية والتدخل العسكري المحدود، في منطقة كانت تشهد في الوقت نفسه صعود قوى إقليمية جديدة وتغيرًا عميقًا في توازنات ما بعد الحرب العالمية الأولى.

كتاب الأخوة الأعداء
تعليق بقلم خالد غنام كتاب الأخوة الأعداء (صدر عام 2019) من أهم الكتب التي عالجت موضوع العلاقات الإسرائيلية الخليجية بالاعتماد على مصادر صحافية نشرت أخبار هذه العلاقات في الإعلام الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي. قام المؤلفان بتجميع كل ما نُشر عن هذه العلاقات وفرزها بأسلوب علمي شيق. كما أن المؤلفان حضرا العديد من المؤتمرات الأمنية والاقتصادية ذات الصلة، وتحدثا مع صانعي القرار وحصلا على معلومات حصرية نشراها في طيات هذا الكتاب. حاول المؤلفان الموازنة بين مصادر المعلومات حتى لا يكون الكتاب يحمل وجهة نظر إسرائيلية صرفة، فاقتبسا العديد من التصريحات لمسؤولين عرب، كما أنهما اعتمدا على عدد كبير من المقالات العربية أو التي تمثل وجهة نظر الطرف العربي، إلا أن الكتاب يُعد كتابًا إسرائيليًا بامتياز. فقد حرص الكتاب على ترويج النسخة الإسرائيلية من الاتفاقيات الإبراهيمية التي تعني السلام مقابل السلام، والتعاون الأمني والاقتصادي. كما أن مفتاح القرار الأمريكي موجود في تل أبيب، لذا فإن إرضاء الحكومة الإسرائيلية يفتح الطريق لحصول حكومات دول الخليج العربي على تسهيلات كبرى من الإدارة الأمريكية. بالنسبة لي فإن هذه الدعاية الصهيونية لا تتوافق مع الواقع السياسي لحكومات دول الخليج العربي، وخصوصًا المملكة العربية السعودية – الدولة المركزية في الخليج العربي، والتي رفضت مرارًا وتكرارًا فكرة السلام المتبادل، وتصر على مفهوم المبادرة العربية أي الأرض مقابل السلام. وترفض أي سلام لا يحقق دولة فلسطينية. أما بخصوص احتياجات حكومات دول الخليج العربي العسكرية والأمنية فهي متنوعة المصادر، تشمل أسلحة ونظم أمريكية وأوروبية وروسية وصينية وغيرها من المصادر، كما أن حكومات دول الخليج العربي طلبت من عدة دول إقامة مواقع عسكرية داخل أراضيها من أجل حمايتها وتوفير سبل نقل الخبرات، أي أن حكومات دول الخليج العربي تعتمد على مصادر متنوعة للحصول على أسلحة ونظم حماية. كما أن النظم السياسية الغربية الحديثة تعطي صلاحيات للشركات الكبرى بعقد صفقات تجارية مع حكومات دول الخليج العربي دون الحاجة لقرارات حكومية، إضافة إلى وجود شركات عابرة للحدود تعمل في عدة دول بالعالم ولا يمكن اعتبارها أمريكية صرفة. تم طرح أفكار أمريكية تشجيعية مثل الموافقة على صفقات كبرى مثل بيع طائرات إف - 35 أو بناء مفاعلات نووية سلمية وغيرها، وقام الإعلام الصهيوني بالترويج لها على أنها فرص لا يمكن تضييعها، وعلى حكومات دول الخليج العربي الهرولة نحو تل أبيب لإتمام تلك الصفقات. كما قام الإعلام الصهيوني للترويج إلى فكرة خوف شيوخ وملوك دول الخليج العربي من شعوبهم، وأنهم يرغبون بإقامة علاقة مع الحكومة الإسرائيلية لكنهم يخشون من شعوبهم. كما أن هذه النخب الحاكمة تحكم شعوبهم بالترغيب المالي والترهيب الأمني الاستبدادي، ولعل قصص مثل اغتيال الصحافي جمال خاشقجي واحتجاز عدد من أمراء السعودية في فندق ريتز كارلتون، أو أن خلية الإخوان المسلمين تفشل في قلب الحكم بدولة الإمارات وغيرها من القصص التي تناولها الإعلام الصهيوني بطريقة سخيفة حيث أظهر أن حكام دول الخليج العربي عبارة عن قادة مستبدين مرفوضين من شعوبهم ولا يوجد أحد مستعد لحمايتهم إلا الحكومة الإسرائيلية. هذه الأكاذيب الإعلامية لا تستند لأي معلومات حقيقية عن طرق الحكم في دول الخليج العربي وآلية حل المشكلات الداخلية، كما أنها تتجاهل حقيقة راسخة أن حكام دول الخليج العربي لديهم قبول محلي وإقليمي ودولي يجعلهم بعيدين عن أي شعور بالخوف على عروشهم ولا توجد أي دولة كبرى تصنف أي حاكم خليجي على أنه دكتاتور مستبد. أما لماذا يتمسك حكام دول الخليج العربي وخصوصًا العائلة الحاكمة بالسعودية بمبدأ الأرض مقابل السلام؟ هذا لأنهم يبحثون عن استقرار حقيقي في الشرق الأوسط تكون فيه الحدود السياسية ثابتة، وهذا ينطبق على كل الدول بما في ذلك تركيا وإيران وإسرائيل والدول العربية، فهم يبحثون عن إسرائيل الدولة الصغيرة ضمن نطاق الشرق الأوسط، ويرفضون أن تتحول إسرائيل إلى قوة استعمارية تتحكم بحكومات دول الشرق الأوسط، وهم بالمثل يرفضون أن تتحكم بهم إيران أو تركيا، وهذا الموقف المعلن يجعلهم يرفضون أن تظهر قوى إقليمية تسيطر على حكومات دول الشرق الأوسط. كما أن التلويج بخروج القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، من أجل تخفيف النفقات الأمريكية لا يتناسب مع الدعم المالي الضخم الذي تقدمه حكومات دول الخليج العربي للإدارة الأمريكية مقابل توفير الحماية والاستقرار بمنطقة الخليج العربي. بل إن خروج القوات الأمريكية لا يعني عدم توفر بديل آخر يساعد في حماية دول الخليج حيث أن هناك قواعد عسكرية لحوالي عشرين دولة مثل بريطانيا وفرنسا وكوريا وأستراليا وتركيا ومصر وغيرها من الدول، إضافة لوجود شركات دولية للأمن والحماية تقدم خدماتها لدول الخليج العربي. بالنسبة لنا الكتاب لا يتعدى كونه من أهم الكتب التي قامت الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو بالترويج له على أنه قدّم الخلطة السرية للسلام في الشرق الأوسط، إلا أنه بالحقيقة يطرح أفكار سيادة إسرائيل على الشرق الأوسط ضمن مفهوم التفوق التقني الإسرائيلي وحاجة النخب العربية الحاكمة المستبدة لحماية إسرائيل مقابل ولائهم لقرارات الحكومة الإسرائيلية.
// النشاطات
النشاطات ←// مشروع تمرة رمضان
تمرة رمضان ←(بدون عنوان) 8559

مجلة تمرة رمضان العدد رقم 30

مجلة تمرة رمضان العدد رقم 29











