شاهد عيان أسترالي يروي: تفاصيل ما جرى داخل المدن الإيرانية تحت القصف
بقلم: خالد غنام
22 أبريل 2026
في لقاء جمعنا بالبروفيسور الأسترالي تيم أندرسون، وبدعوة كريمة من الناشط اللبناني حسن مرتضى، استمعنا إلى شهادة ميدانية مباشرة حول ما جرى داخل المدن الإيرانية خلال العدوان الأمريكي الإسرائيلي. هذه الشهادة لا تكتفي بنقض الرواية الإعلامية السائدة، بل تغوص في تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف، وتكشف طبيعة التفاعل المجتمعي والسياسي مع الحرب.
إعلام منحاز ورواية مضللة
استهل أندرسون حديثه بانتقاد التغطية الإعلامية الغربية، التي صوّرت الهجمات على أنها موجهة نحو أهداف عسكرية فقط. إلا أن مشاهداته، كما يؤكد، أظهرت استهدافًا واضحًا لمناطق مدنية، بما في ذلك مدارس الأطفال. ويرى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي توعّد فيها بتدمير الحضارة الإيرانية، لم تُضعف الداخل الإيراني، بل أدت إلى نتيجة عكسية تمامًا، إذ وحّدت المجتمع وأثارت حسًا قوميًّا عاليًا لدى الإيرانيين.
الشارع الإيراني: تعبئة ذاتية وغضب جماعي
يصف أندرسون حالة التعبئة الشعبية التي شهدها، حيث اندفع المواطنون للدفاع عن مدنهم ومعالمهم الحضارية. ولم تكن هذه التعبئة منظمة رسميًا بقدر ما كانت تعبيرًا تلقائيًا عن شعور عميق بالانتماء. وقد تجلّى ذلك في التظاهرات والهتافات التي عمّت الشوارع، خصوصًا بعد استهداف المدارس، حيث ارتفعت أصوات الغضب بشعارات تندد بالولايات المتحدة وإسرائيل، وتؤكد الاستعداد للتضحية دفاعًا عن الوطن.
دقة الاستهداف موضع تساؤل
يثير أندرسون تساؤلًا حول دقة التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، متعجبًا من عدم التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، رغم الإمكانات المتقدمة للأقمار الاصطناعية. ويعتبر أن استهداف المدارس تحديدًا لا يمكن تفسيره كخطأ تقني، بل كجزء من نمط أوسع في القصف.
ثقافة القيادة والتضحية
من النقاط اللافتة التي نقلها عن الإيرانيين تفسيرهم لسقوط عدد كبير من القادة خلال الحرب. فبحسب ما سمعه من المواطنين، تفرض الثقافة الفارسية على القائد أن يكون أول من يحضر إلى موقعه وآخر من يغادره، وهو ما يجعله في مقدمة المخاطر. هذه القاعدة تمنح القادة مكانة رمزية عالية، إذ يُنظر إليهم كآباء يحمون أبناءهم، لا كقيادات بعيدة عن الميدان.
الحرس الثوري وثقة الشارع
على المستوى الميداني، يلفت أندرسون إلى أن الحرس الثوري الإيراني لم يواجه رفضًا شعبيًا، بل على العكس، حظي بدعم واضح من المواطنين. فقد شاهده وهو يقاتل بثبات، ويُظهر سيطرة ميدانية وخبرة تنظيمية، إلى جانب دوره في إدارة شؤون المدنيين وطمأنتهم بأن الأوضاع تحت السيطرة.
تماسك اقتصادي وخدمات مستمرة
رغم شدة القصف، لم يلحظ أندرسون نقصًا حادًا في المواد الغذائية داخل المدن، وهو ما يعزوه إلى اعتماد إيران الكبير على الإنتاج المحلي. كما أشار إلى أن الحكومة أعلنت مجانية المواصلات العامة طوال فترة الحرب، في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين. ومن اللافت أن محطات الترام استُخدمت كملاجئ أثناء القصف، لكنها استمرت في أداء دورها الخدمي في الوقت ذاته.
وعي شعبي بمصادر الهجمات
في تفاصيل لافتة، يذكر أندرسون أن العديد من المدنيين كانوا يتحدثون بثقة عن مصادر الصواريخ التي تستهدف مدنهم، مشيرين إلى أنها تأتي غالبًا من اتجاهات إقليمية محددة، مثل بعض دول الجوار. ورغم أن هذه الآراء تبقى ضمن إطار الإدراك الشعبي، فإنها تستند – بحسب ما قيل له – إلى شروحات عسكرية متكررة جعلت الناس أكثر وعيًا بطبيعة الهجمات.
أثر استهداف القيادات الدينية
يشير أندرسون إلى أن استهداف شخصيات دينية بارزة، وعلى رأسها المرشد الأعلى، ترك أثرًا عميقًا داخل المجتمع الإيراني، حيث أدى إلى تصاعد مشاعر الغضب والعداء تجاه الولايات المتحدة. وفي المقابل، أظهرت مؤسسات الدولة قدرة عالية على الاستجابة، من خلال ملء الفراغ القيادي بسرعة والحفاظ على استمرارية العمل المؤسسي.
استقلالية القرار الإيراني
وفي سياق التحليل السياسي، يؤكد أندرسون أن إيران، رغم علاقاتها مع روسيا والصين، لا تخضع لوصاية خارجية في قراراتها. فالنظام السياسي – كما يراه – قائم على مبدأ الاستقلالية السيادية، وهو ما ينعكس في تعامل الإيرانيين مع الحرب باعتبارها معركتهم الخاصة، لا صراعًا بالوكالة.
سلوك مجتمعي منضبط تحت النار
من أبرز ما لفت انتباهه هو غياب الفوضى بين المدنيين أثناء القصف. فقد شاهد مجتمعًا يتحرك بوعي واتزان، يلتزم بتعليمات فرق الإنقاذ، ويتجنب السلوكيات العشوائية. هذا الانضباط، كما يرى، يعكس مستوى عاليًا من الوعي الجماعي والإيمان بالمصير المشترك.
ما بعد القصف: بداية التعافي
أحد أبرز النقاط التي أضافها أندرسون في شهادته هو أن الأمة الإيرانية، رغم التدمير الذي لحق ببعض مدنها، تعتبر نفسها قد انتصرت في هذه المعركة. ففي مواجهة العدوان الأمريكي والإسرائيلي، أظهرت إيران صمودًا استثنائيًا وتماسكًا لم يكن متوقعًا، وهو ما يعزز شعورًا بأن الأمة مستحقة لرفع الحصار الاقتصادي المفروض عليها.
وبالحديث عن المستقبل، يرى أندرسون أن الشعب الإيراني يثق تمامًا في قدرته على النهوض مجددًا. ويعتبر أن السماح لإيران بتوليد الطاقة الكهربائية عبر المفاعلات النووية هو خطوة ضرورية لضمان مستقبلها المستدام. فهذا المشروع النووي، الذي تتعرض إيران لضغوط هائلة بسبب رغبته في تطويره، يُنظر إليه كحق مشروع ومفتاح رئيسي للأمن الطاقي والاقتصادي.
لقد بدأ الإيرانيون في استعادة قوتهم في المجالات الاقتصادية والعسكرية، مما يجعلهم أكثر إصرارًا على مواصلة مسيرتهم في تحقيق سيادتهم الوطنية دون التنازل أو الرضوخ لأي ضغوط خارجية. فالعزيمة التي أظهرها الشعب الإيراني في الدفاع عن أراضيه هي شهادة على قدرته على تجاوز أي تحديات في المستقبل.









