مقال بعنوان: الأجهزة الأمنية الفلسطينية بين المقاومة والفوضى والعمالة
المقاومة هي حُلم الحياة الكريمة ورفض الاحتلال ومهما كانت أساليبها فهي تبحث عن مساحة الحرية المطلوبة لتحقيق نصر الثورة بالاستقلال وتحرر من الاحتلال لكن لا يوجد شعب مثالي حتى يصنع ثورة مثالية، بل أن أخطر ما يهزم الثورة هو تماسك الوحدة الميدانية للشعب والتفافها حول ثوار وما يمثلوه من فعل ثوري، إلا أن هذا التماسك لم يصل لدرجة الكمال الأسباب تتعلق بردة فعل الاحتلال وسعيه الدائم لتجنيد عملاء من داخل صفوف شعبنا ومن جانب آخر شراء ولاء البعض من ما يُسمى حلفاؤنا الذين يسعوا جاهدين لتغيير مسار الثورة ليتناسب مع مصالحهم الخاصة دون إعطاء أي أهمية لضرورة الحفاظ على ثورتنا متماسكة وموحدة وكل جهدها ضد الاحتلال. كما أن خطر الجماعات المتطرفة ليس بعيدا عن الوطن المحتل بل أننا نذكر تفكيك شبكات عديدة للسلفية الجهادية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، فهي قضية إجماع وطني لأن خطرها على الكينونة الوطنية بشكل عام.
منذ أكثر من خمسة أشهر، وتحديداً من بعد خطاب الرئيس الفلسطيني الأخ أبو مازن بهيئة الأمم المتحدة وذكره المخاطر التي تواجه الشعب الفلسطيني وأيضاً مخططات الحكومة الإسرائيلية لمشروع التقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، تصاعدت وتيرة الغضب الشعبي في عموم فلسطين في هبات متلاحقة شملت الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر ومدينة القدس وأيضا مدن الضفة الغربية وقطاع غزة. غضب شعبي يدلل عن مدى إحباط الشعب اتجاه العملية السلمية والتأزم الاقتصادي وبدرجة أقل استمرار الانقسام السياسي في الوطن واستعار حروب الأخوة بالمنطقة العربية.
كانت هبّات النضال السلمي تتواصل في قرى الجدار ومناطق الاشتباك منذ عهد الانتفاضة الثانية ولا ينكر استمرارها إلا المصاب بعمى التعصب السياسي، وهي مسيرات منظمة ولها لجان إشراف ومتابعة من جميع الفصائل وعلى رأسها حركة فتح التي قدّمت الشهيد زياد أبو عين أثناء تأدية واجبه بالإشراف على هذه الفعاليات. ولا يمكن أن تُمانع الأجهزة الأمنية قيام هذه الفعاليات لأنها في مناطق مُصنّفة باء وجيم أي تحت إشراف جيش الاحتلال فهي خارج صلاحيات الأجهزة الأمنية المنحصر دورها بمنطقة ألف. ومن جانب آخر هناك فعاليات سلمية في عدة مناطق على حدود قطاع غزة ولها إشراف منظم وهي تخضع لرقابة صارمة حتى لا تتحول إلي اشتباك مسلح. وفي قلب الحدث مدينة القدس المنتفضة منذ أكثر من عامين فهي تمارس النضال السلمي بأشكاله السلبية والإيجابية وتحقق أسطورة في استمرار فعالياتها رغم شراسة تعامل قوى الاحتلال وضخامة عدد المعتقلين.
لكن القاعدة كسرها الشهيد ماهر الحلبي بسكينه من خلال عمل فردي غير منظم، ثم تتالت العمليات الفردية في استخدام السلاح الأبيض والسيارات أحياناً، بعض الشهداء من داخل الخط الأخضر والقدس والغالبية من مناطق الضفة الغربية مع إعلان أغلب الشهداء أنهم لا ينتمون إي فصيل سياسي بل لم يعلن أي تنظيم سياسي أنه أرسل انتحاريين السكاكين ليقوموا بعملياتهم. بل أن الشهداء لم يلقوا أي بيان يقدموا فيه مطالبهم، وحتى من اعتقل منهم لم يذكر إلاّ قضايا عامة ولم يثبت أن لهم انتماء سياسي.
هنا لابد أن نُفَرِّق بين المسيرات الحاشدة التي تقوم بها لجان المقاومة السلمية وبين العمل الفردي بالسكين، وكم استغل الاحتلال الأعمال الفردية لتوسيع هجمته الشرسة على فعاليات المقاومة السلمية وأيضاً الحكم بالقتل على كل من يشتبه به أو بها من أبناء شعبنا في عموم الوطن. بل أن العديد من المراقبين توقع أن التصاعد في عدد عمليات الطعن سوف يجر الفصائل لإعلان فعاليات انتفاضة في عموم الوطن، لكن الفصائل أعلنت تمسكها بالمقاومة السلمية وأيضا حركة حماس أعلنت أنها ترفض التصعيد في قطاع غزة الا أنها تدعم انتفاضة بالضفة الغربية!
أما الجانب الشعبي فهو متعاطف جداً مع العمل الفردي لأنه يمثل تنفيس حقيقي عن رغبة الشارع الفلسطيني بضرورة تغيير قواعد الصراع مع الاحتلال بل أنه توقع أكثر من مرة أن يتم إعلان حل السلطة والعودة إلي العمل العسكري دون أي حسابات سياسية أو اقتصادية، بل أنها رغبة في تغيير، لأن الواقع صعب ولا يحمل أفق حل قريب. إلا أن الفصائل لم تتجاوب مع نبض الشارع الفلسطيني لأسباب لها علاقة حقيقية بالحلفاء العرب!
ليست خفياً على أحد أن التصاعد كان ممكن أن يصل إلي درجة انتفاضة لو أنه وجد المناخ العربي الملائم بل أن الإحباطات الأولى أتت مع تمييع القضية الأساسية وهي المسجد الأقصى حيث قلل الساسة العرب من أي خطر حقيقي يواجه المسجد بل أن بعض الإعلاميين العرب طرح أن الفلسطينيين يريدوا أن يُشغلوننا- الأمة العربية- عن معركتنا الحقيقية ضد التطرف الإسلامي، وأن بعضهم قال أن إسرائيل هي أقل خطراً من التطرف الإسلامي، بل أن الساسة العرب أوقفوا مشاريع كثيرة كانت تنوي القيادة الفلسطينية أن تطرحها على المجتمع الدولي. ولنا أن نراقب أن دول الاعتدال العربي وإعلامها وحجم تغطيتها لفعاليات المقاومة في فلسطين وخاصة مدينة القدس، بل أن معظم الإعلام صار يطلق اسم قتيل فلسطيني لا شهيد لتقليل من أهمية ما يقوم به الفلسطينيين.
من جانب آخر تتفاعل القيادة الفلسطينية مع المحيط العربي وهمومه ومشاكله، ولعل أهم قضية يجتمع لها الساسة العرب موضوع التطرف الإسلامي وتوسعه ليشمل عموم البلاد العربية، وعلى الرغم أن أغلب مجاهدي التنظيمات الإرهابية من دول الخليج العربي إلا أن الإعلام يبقي تركيزه على فلسطين فهي هدف أسهل له وأيضا أن مفكري السلفية الجهادية تاريخيا أصلهم فلسطيني. وأن فترة الزرقاوي شهدت على تصاعد أعداد الفلسطينيين بالعمل الجهادي بالعراق قادمين من مخيم عين الحلوة وقطاع غزة وداخل الخط الأخضر وبدرجة أقل مخيمات الأردن ثم الضفة الغربية على حسب التقارير الأمريكية. وأن العديد من المجاهدين المعتقلين أقروا بوجود شبكات نائمة وتم القبض على بعضها في قطاع غزة ولبنان والأردن لكن الوضع بالضفة الغربية أصعب حيث إن الأجهزة الأمنية لا تملك السيطرة الأمنية على جميع أراضي الضفة الغربية.
وفي الوقت الحالي يتصاعد هاجس التطرف الإسلامي في عموم المنطقة العربية، حيث أعلنت أكثر من منظمة متطرفة أن جميع الأنظمة العربية مستهدفة وأن من يقبل أن يعيش في ظلها فهو مرتد يناصر حكومة كافرة وطبعاً حركة حماس ليست مستثناة من هجوم المنظمات المتطرفة، بل أن الهجرة لدولة الخلافة أصبح هدف أساسي وأن مطلوب هو نشر الفوضى في كل بلاد العربية.
ومن السخيف أن يتم خلط الأوراق في الحديث عن الأجهزة الأمنية وأنها تعتقل من يقاوم الاحتلال ضمن المنظور الوطني الفلسطيني، ومن السخف أن يكون هدف المنظمات الإرهابية تنفيذ عمليات ضد إسرائيل، فالمقاومة السلمية مشرّعة وهي أسلوب نضالي عليه اجماع وطني في شقي الوطن، أما هدف المنظمات المتطرفة فهو إثارة الفوضى داخل المجتمع الفلسطيني، بل أنها تطمح لإيجاد جماعة فلسطينية تبايع دولة الخلافة، وهنا نرى أن دور الأجهزة الأمنية ضروري لحماية المجتمع الفلسطيني من هذا المرض السرطاني الخطير، والأجهزة الأمنية بشقي الوطن تعمل على اجتثاث الخلايا النائمة من المتطرفين الذين لا يريدوننا أن نقاوم الاحتلال بل أن نبايع الخليفة وننتظر جيشه الجرار ولحين وصوله علينا أن نتخلص من الحكومات الكافرة! ومن المخجل أن يدعي جهاز أمني أنه لا يبحث عن هؤلاء المتطرفين بل أن يتفنن بوصف من يعتقلهم أنه عميل إسرائيلي رغم أنهم قصفوا الارهابيين داخل مسجدهم في زمن ليس بعيد.
قد يقول قائل أن المقصود باعتقالات الأجهزة الأمنية هو من يقوم بعمل نضالي ضد إسرائيل، وبصراحة أن الحسنة الوحيدة للانقسام هو قدرتنا – كجمهور فلسطيني- على التعرّف على أسماء السجناء في السجون الفلسطينية إن كان بالضفة الغربية أو قطاع غزة، وهنا لابد لنا أن نقول أن عمليات الاعتقال بين فتح وحماس لم تتوقف منذ بداية الانقسام ولم يطرأ عليها أي تصعيد خلال الخمسة أشهر المنصرمة إضافة أن أي من تنظيمين لم يعلن عن نيته بالتصعيد العسكري أو بدأ مرحلة الشهداء الانتحاريين، ومن جانب آخر فإن من يقوم بالعمليات الطعن الاستشهادية يقومون بذلك بدون تدريب مسبق أو تخطيط فكيف يمكن أن تعرفهم الأجهزة الأمنية؟
إن حرب التخوين بين فتح وحماس التي تسارعت في أسبوع الماضي خلطت كل الأوراق لتعمي العيون عن حقيقة الوضع داخل الوطن المحتل الآخذ بالتصعيد، وأن فعاليات النضال السلمي تأخذ شكل تصاعدي قد يفرض على الإعلام العربي أولا ثم الساسة العرب أن القضية الفلسطينية لابد أن تعود إلي حجمها الطبيعي في رسم السياسة العربية، بل أن المطلوب حقيقة إعطاء المصالحة فرصة حقيقية بعيدا عن التجاذبات الإقليمية بل أنه لا يوجد خلافات حقيقية بين فتح وحماس لكنها انعكاسات الصراع العربي العربي والذي يضغط بقوة لإبقاء حالة الانقسام أحياناً بطريقة ناعمة ولكن هناك طرق خشنة ليس أقلها منع الدول المانحة بإرسال رواتب الموظفين والعزلة السياسية.
أن تقرأ فلسطين في عيون أهلنا قراءة صادقة تجعل الإنسان يشعر بمرارة الألم القادم من العرب أكثر من إسرائيل ومهما قيل عن أخطار الجماعات المتطرفة – التي نقاومها ونرفض إلا اجتثاثها- إلا أن تهميش القضية الفلسطينية وعرقلة مساعي القيادة الفلسطينية للخروج من مأزق تعثر التسوية السلمية وعدم تقديمهم الدعم الكافي لإنجاح أي مبادرة تطرحها القيادة يجعلنا نشعر بمزيد من الإحباط ومزيد من العمليات الاستشهادية الفردية.
خالد أبو عدنان
ولدت لاجئا وأحيا مهاجرا
28/1/2016









