اللصوص الأربعون: تشرشل، ومؤتمر القاهرة، والجدل السياسي حول استراتيجيات السيطرة الاستعمارية في العراق الخاضع للانتداب البريطاني، 1918–

يكتسب البحث الذي يتناول سياسة بريطانيا في العراق في بداية عشرينيات القرن العشرين أهمية خاصة؛ لأنه يدرس مرحلة كانت فيها بريطانيا تعيد النظر في طريقة إدارة نفوذها في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى. ولا تقتصر أهمية هذه المرحلة على تأسيس الدولة العراقية الحديثة وتنصيب فيصل ملكًا عليها، بل تتصل أيضًا بتحول مهم في الفكر العسكري البريطاني، تمثل في محاولة استخدام القوة الجوية بدلًا من الاعتماد الواسع على القوات البرية. كانت الحرب العالمية الأولى نقطة تحول كبيرة في تاريخ الحرب الحديثة. فقد تطورت الطائرات خلال الحرب من وسيلة للاستطلاع والمراقبة إلى سلاح قادر على تنفيذ عمليات القصف والدعم والاستطلاع المسلح. وأظهرت التجربة البريطانية أهمية وجود قوة جوية منظمة ومستقلة، وهو ما أدى، في عام 1918، إلى إنشاء سلاح الجو الملكي البريطاني RAF كقوة مستقلة. وبعد انتهاء الحرب، أصبح مستقبل هذه القوة موضع نقاش داخل بريطانيا، خصوصًا في ظل الضغوط المالية والرغبة في تقليص الإنفاق العسكري. وقد وجدت قيادة سلاح الجو، بقيادة هيو ترنشارد، في العراق فرصة لإثبات قدرة القوة الجوية على أداء مهام كانت تتطلب في السابق أعدادًا كبيرة من القوات البرية. ومن هنا تأتي أهمية مؤتمر القاهرة عام 1921، الذي دعا إليه ونستون تشرشل، والذي أقر بصورة أساسية فكرة استخدام القوة الجوية في العراق كوسيلة للسيطرة والأمن. لم يكن الأمر، في تقديري، مجرد بحث عن وسيلة أرخص لإدارة العراق، بل كان جزءًا من تجربة عسكرية وسياسية جديدة. فالبريطانيون كانوا يحاولون اختبار فرضية مفادها أن قوة جوية متفوقة تستطيع أن تؤدي مهامًا كانت تتطلب سابقًا انتشارًا واسعًا للقوات البرية. وتؤكد تصريحات تشرشل أمام البرلمان في مارس 1922 أن القوة الجوية كانت في قلب هذا التصور؛ فقد أشار إلى وجود ثمانية أسراب في بغداد، تمثل نحو ثلث قوة RAF آنذاك، وأنها أصبحت الأداة الأساسية لدعم الحكومة العربية والدفاع عن الحدود. وهنا أرى أن إحدى نقاط قوة البحث هي أنه يوضح العلاقة بين التفوق العسكري للقوة الجوية وإمكانية تقليص القوات البرية، ثم بين تقليص القوات البرية وتخفيض النفقات. وهذه نقطة مهمة؛ لأن ترتيب العلاقة هنا يجب ألا يُقلب: لم تكن بريطانيا تختار الطيران أولًا لأنه أرخص، ثم تبحث عن فاعليته العسكرية، بل كانت التجربة العسكرية للقوة الجوية هي التي جعلت استخدامها مقبولًا، ثم أصبح عامل التكلفة سببًا إضافيًا مهمًا لتبنيها. لكن هذه الفكرة تفتح في الوقت نفسه سؤالًا أوسع: هل كان خفض تكلفة العراق خفضًا حقيقيًا في التكلفة الإمبراطورية، أم أن جزءًا من التكلفة كان ينتقل من مؤسسة إلى أخرى، ومن مركز إمبراطوري إلى آخر؟ وهذه المسألة تصبح أكثر أهمية عند دراسة اعتماد تشرشل على الموارد البريطانية في الهند، سواء من الناحية العسكرية أو المالية. ومن النقاط الإيجابية في المشروع البريطاني، كما يعرضه البحث، العمل على إنشاء جيش عراقي نظامي ومحترف. ويمكن النظر إلى ذلك باعتباره خطوة باتجاه نقل مسؤولية الأمن إلى الدولة العراقية، بدل استمرار الاحتلال العسكري البريطاني المباشر. لكن هذه الخطوة تثير، في الوقت نفسه، سؤالًا حول طبيعة السيادة التي كانت بريطانيا مستعدة لمنحها للعراق. فإذا كان للعراق ملك وجيش وحكومة، بينما تحتفظ بريطانيا بالسيطرة على الحدود وبحق التدخل عند حدوث اضطرابات، فإن الدولة الجديدة كانت تمتلك مؤسساتها الوطنية، ولكنها لم تكن تتمتع بكامل أدوات السيادة العسكرية. وهنا أرى أن مسألة انتقال فيصل من دمشق إلى العراق تحتاج إلى مساحة أكبر في البحث. فاختيار فيصل لم يكن مجرد تفصيل سياسي منفصل عن المشروع العسكري. فقد كان المطلوب إنشاء نظام عراقي يمتلك قدرًا من الشرعية العربية والمحلية، وفي الوقت نفسه يبقى منسجمًا مع المصالح البريطانية. لذلك فإن دراسة فيصل بوصفه جزءًا من مشروع بناء الدولة العراقية تساعد على فهم العلاقة بين الملك والجيش العراقي والقوة الجوية البريطانية. ويبدو لي أن اختزال ملاءمة فيصل للحكم في موقفه من الشيوعية يحتاج أيضًا إلى قدر أكبر من التفسير. فمن المؤكد أن العامل المناهض للبلاشفة والشيوعية كان حاضرًا في الحسابات البريطانية في مرحلة ما بعد الثورة الروسية، لكن فيصل كان أيضًا أحد أبرز رموز الحركة العربية التي طالبت بالاستقلال، وكانت له تجربة سياسية وعسكرية في دمشق، كما ارتبط مشروعه السياسي بفكرة الوحدة أو التعاون العربي. لذلك فإن فهم اختياره للعراق يحتاج إلى الجمع بين هذه العوامل، بدل اختزال شخصيته السياسية في موقف واحد. وتزداد الصورة تعقيدًا عند تناول الموقف الشيعي. فإذا كان البحث يذكر أن بعض الشيعة كانوا يريدون عودة الحكم التركي بدل الحكم البريطاني وملك فيصل، فإن هذه الفكرة تحتاج إلى تفسير أعمق. فالرفض الشيعي للحكم البريطاني لا يعني بالضرورة الرغبة في استعادة الحكم العثماني. كان هناك رفض للاستعمار البريطاني، ومواقف مختلفة من فيصل، وتيارات دينية وقبلية وسياسية متعددة. لذلك ينبغي التمييز بين الحنين إلى الحكم العثماني وبين استخدام التجربة العثمانية بوصفها بديلًا عن الاحتلال البريطاني. كما أن العراق لم يكن يتحرك في فراغ إقليمي. ففي الشمال كانت الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال تمثل تحديًا مباشرًا للمصالح البريطانية، خصوصًا في قضية الموصل. وبعد الحرب حاولت تركيا توسيع نفوذها في شمال العراق، ووصل الأمر في عام 1922 إلى تحركات عسكرية تركية داخل الأراضي العراقية، الأمر الذي أدى إلى استخدام القوة الجوية البريطانية ضد القوات والأنصار المرتبطين بها. وفي الجنوب كان هناك عامل آخر لا يقل أهمية، هو توسع نفوذ عبد العزيز آل سعود وقوات الإخوان. لذلك فإن الأمن العراقي في تلك المرحلة لا يمكن فهمه فقط من خلال التمردات الداخلية. كانت بريطانيا تتعامل مع بيئة إقليمية مضطربة: تركيا في الشمال، وإيران في الشرق، والتوسع النجدي في الجنوب، إلى جانب الاضطرابات الداخلية. وهذا يساعد على فهم سبب تمسك بريطانيا بدور عسكري في حماية الحدود، حتى وهي تعمل على تقليص قواتها البرية. ومن هنا تظهر أهمية القوة الجوية بصورة أوضح. فالمشروع لم يكن مجرد استبدال جندي بطائرة، وإنما إعادة صياغة كاملة لطريقة السيطرة البريطانية على مساحة واسعة. وقد أصبحت القوة الجوية، اعتبارًا من أكتوبر 1922، مسؤولة عن القيادة العسكرية في العراق، في تجربة وصفها البريطانيون أنفسهم بأنها وسيلة للسيطرة على منطقة واسعة بقوة عسكرية أصغر. لكن نجاح التجربة من وجهة النظر البريطانية يطرح سؤالًا آخر: النجاح بالنسبة إلى من؟ فقد كانت الحكومة البريطانية تصف القوة الجوية بأنها وسيلة للحفاظ على النظام بأقل عدد من القوات والتكاليف، وكانت تبرر استخدامها بأنها تقلل الحاجة إلى الحملات البرية. وفي المقابل، فإن استخدام القصف الجوي ضد مناطق متمردة يطرح أسئلة مختلفة حول طبيعة هذه السيطرة، حتى عندما كانت الحكومة البريطانية تؤكد رسميًا أن العمليات الجوية لا تستخدم لمعاقبة السكان على عدم دفع الضرائب، وإنما ضد "التمرد المسلح" أو مهاجمة قوات الشرطة المحلية. وهنا يمكن النظر إلى العراق بوصفه مختبرًا عسكريًا للقوة الجوية البريطانية. فالهدف لم يكن فقط حل مشكلة العراق، وإنما إثبات أن RAF تستطيع القيام بمهمة كانت الجيوش البرية تؤديها بتكلفة أكبر. وهذا البعد المؤسسي مهم؛ لأن مستقبل القوة الجوية نفسها كان موضع صراع داخل بريطانيا، وكانت هناك أصوات في الجيش والبحرية ترى إمكانية إعادة دمج القوة الجوية فيهما. لذلك فإن نجاح تجربة العراق كان يحمل أهمية تتجاوز العراق إلى مستقبل سلاح الجو الملكي نفسه. وفي هذا السياق تصبح التطورات السياسية البريطانية بعد انتخابات 1922 ذات أهمية، إذ جاءت حكومة محافظة جديدة، واستمر الاهتمام بتطوير دور القوة الجوية. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق البحث هو ما إذا كانت تجربة العراق قد ساعدت في ترسيخ نموذج جديد للقوة الجوية داخل الإمبراطورية البريطانية، وليس فقط في تخفيض نفقات الاحتلال. ومن النقاط التي أرى أنها تحتاج إلى مزيد من الدراسة في البحث أيضًا علاقة بريطانيا بإيران ومصالحها النفطية. فوجود ممثل عن شركة النفط الأنجلو-فارسية في مؤتمر القاهرة، بالتزامن مع المخاوف البريطانية من النفوذ الإيراني داخل العراق، يكشف أن المسألة لم تكن عسكرية فقط. كانت هناك مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية متشابكة. ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال السياسة البريطانية في العراق في النفط وحده؛ فالمصالح النفطية كانت أحد العوامل، لكنها تداخلت مع أمن الطرق والحدود وموقع العراق والعلاقة مع تركيا والمصالح الإمبراطورية الأوسع. ومن زاوية أخرى، فإن الخوف البريطاني من التوسع السعودي وقوات الإخوان يضيف عنصرًا مهمًا إلى تفسير السياسة العسكرية في العراق. فبريطانيا كانت تريد تقليص قواتها، لكنها في الوقت نفسه كانت تواجه تحولات إقليمية سريعة، وكان عليها أن تضمن قدرة الدولة العراقية الجديدة على الدفاع عن حدودها. لذلك فإن بناء الجيش العراقي مع إبقاء قوة جوية بريطانية قوية يمكن فهمه باعتباره محاولة للجمع بين تقليل الالتزام العسكري المباشر والحفاظ على القدرة على التدخل السريع عند الضرورة. وأخيرًا، فإن إحدى أهم المسائل التي يثيرها البحث هي التناقض الظاهري بين تقليص الوجود البريطاني وبين استمرار النفوذ البريطاني. ففي الظاهر كان هناك انسحاب وتقليل للقوات والتكاليف، لكن على المستوى الاستراتيجي كانت بريطانيا تعيد تنظيم أدوات نفوذها: ملك عراقي، حكومة عراقية، جيش عراقي، مستشارون وضباط بريطانيون، قوة جوية بريطانية، وسيطرة أو نفوذ بريطاني في قضايا الحدود والأمن. ومن هنا ربما تكون أهمية البحث الحقيقية في أنه يساعدنا على رؤية الانتقال من الاحتلال العسكري المباشر إلى شكل أكثر مرونة من السيطرة والنفوذ. غير أن هذا الانتقال لا يمكن تفسيره بعامل واحد. فقد تداخل التطور العسكري الذي أنتجته الحرب العالمية الأولى، والصراع على مستقبل RAF، والضغط المالي على بريطانيا، وبناء الدولة العراقية، واختيار فيصل، والنزاع مع تركيا حول الموصل، والمخاوف من إيران، والتوسع السعودي، مع رغبة بريطانيا في الحفاظ على موقعها في الشرق الأوسط. ولهذا فإن قراءة البحث لا ينبغي أن تنتهي بالسؤال عما إذا كانت سياسة تشرشل ناجحة أو فاشلة فقط، وإنما بالسؤال عن طبيعة النموذج الذي أسسته: هل كانت القوة الجوية أداة لتقليل كلفة الإمبراطورية، أم أداة لإعادة تشكيلها؟ وربما كان الاثنان صحيحين في الوقت نفسه. فقد أتاحت القوة الجوية لبريطانيا تقليص عدد قواتها البرية، لكنها في المقابل وفرت لها وسيلة جديدة للحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري في العراق والمنطقة بأقل انتشار بري مباشر. ومن هذه الزاوية، يصبح العراق في بداية عشرينيات القرن العشرين أكثر من مجرد ملف إداري في تاريخ الانتداب البريطاني؛ إنه أحد المواقع التي اختبرت فيها بريطانيا شكلًا جديدًا من أشكال القوة الإمبراطورية، قائمًا على الجمع بين المؤسسات المحلية والقوة الجوية والتدخل العسكري المحدود، في منطقة كانت تشهد في الوقت نفسه صعود قوى إقليمية جديدة وتغيرًا عميقًا في توازنات ما بعد الحرب العالمية الأولى.