خالد غنام

الفلسطينيون يمنعون يوم القيامة

الفلسطينيون يمنعون يوم القيامة

الفلسطينيون يمنعون يوم القيامة بقلم خالد غنام مركز الانطلاقة للدراسات أكتوبر 2026 يضع هذا البحث بين أيدي القراء والباحثين دراسة تتناول العلاقة بين المعتقدات الدينية الأخروية والسياسة، وكيف تحولت بعض النبوءات والتصورات المتعلقة بنهاية العالم إلى أدوات في الخطاب السياسي والديني المعاصر، ولا سيما في ما يتعلق بفلسطين والقدس والصراع على الأرض. ينطلق البحث من فكرة أن التنبؤات المتعلقة بنهاية العالم وقيام الساعة وظهور المخلّص وعودة المسيح وقيام الموتى وحروب آخر الزمان ليست وليدة الفكر الصهيوني، بل تعود إلى تقاليد دينية أقدم منه بقرون طويلة، كما أن جذورها تسبق ظهور الإسلام. وقد تناولتها مدارس ومذاهب دينية متعددة، واختلفت في تفسيرها وتحديد علاماتها وتوقيتها. وعلى امتداد التاريخ، حاول بعض رجال الدين والمفسرين استخدام الحسابات الرياضية وتأويل النصوص المقدسة لتحديد مواعيد لنهاية العالم، إلا أن كثيراً من تلك التنبؤات والمواعيد لم يتحقق، ولم تثبت صحتها بوصفها معرفة علمية يمكن الاعتماد عليها. ويتناول البحث كذلك المعتقدات المتعلقة بمصير الحياة على الأرض، وانقراض الأنواع الحيوانية والنباتية، وفقدان التنوع البيولوجي، والتغير المناخي، وما يرتبط بهذه الظواهر من تصورات دينية عن نهاية العالم. كما يناقش الاختلاف بين التفسيرات الدينية لهذه الأحداث والمعرفة العلمية المتعلقة بها، ويتوقف عند المصالح السياسية والاقتصادية التي تدفع قوى كبرى إلى مواصلة الاعتماد على الوقود الأحفوري ومشاريعها الاقتصادية، رغم المخاطر البيئية المتزايدة. ويتكون البحث من ثلاثة محاور رئيسية: المحور الأول: الإدارة الأمريكية – من التأويل الديني إلى الخطاب السياسي يتناول هذا المحور دور الصهيونية المسيحية في التأثير على السياسة الأمريكية، والعلاقة بين بعض التيارات الإنجيلية المحافظة والمشروع الصهيوني، ولا سيما الاعتقاد بأن قيام إسرائيل والسيطرة على القدس وعودة اليهود إلى فلسطين ترتبط بنبوءات نهاية الزمان وعودة المسيح ومعركة هرمجدون. كما يناقش كيفية انتقال هذه التصورات من المجال الديني إلى مواقف سياسية وقرارات رسمية أمريكية، ودور شخصيات سياسية ودينية في توظيفها لدعم إسرائيل، مع التمييز بين الدوافع الدينية والمصالح الاستراتيجية والاقتصادية والحزبية. المحور الثاني: الحكومة الإسرائيلية وتوظيف الدين والنبوءات الأخروية في تبرير الحرب والاستيطان يركز هذا المحور على توظيف بعض المسؤولين الإسرائيليين والحاخامات والتيارات الدينية القومية للنصوص والتصورات الدينية في سياق الحرب على غزة، والدعوات إلى تهجير الفلسطينيين والاستيطان في أراضيهم. ويتناول استدعاء الروايات التوراتية، مثل قصة عماليق، والتصريحات التي تنزع الإنسانية عن الفلسطينيين أو تحمّل شعباً بأكمله مسؤولية أفعال أفراد، إلى جانب الخطاب الديني الذي يربط السيطرة على الأرض وتحقيق المشروع الاستيطاني بإرادة إلهية أو بنبوءات أخروية. كما يناقش العلاقة بين بعض تيارات الصهيونية الدينية والصهيونية المسيحية، رغم اختلاف معتقداتهما بشأن المخلّص ونهاية الزمان، والتقاء مصالحهما السياسية حول دعم إسرائيل والمشروع الاستيطاني. المحور الثالث: علم الأخرويات – المعتقدات الدينية ونهايات العالم وفلسطين يقدم هذا المحور مدخلاً واسعاً إلى المعتقدات الأخروية في اليهودية والمسيحية والإسلام وأديان وتقاليد أخرى، من خلال جمع وترجمة مجموعة من المقالات والأبحاث والنصوص التي تتناول نهاية العالم، وقيام الساعة، وقيامة الموتى، وظهور المخلّص، والمجيء الثاني للمسيح، والماشيح المنتظر، ويأجوج ومأجوج، وهرمجدون، والهيكل الثالث، وجمع الشتات، وغيرها من التصورات المرتبطة بنهاية الزمان. ويهدف هذا الجزء إلى تعريف القارئ بتعدد هذه المعتقدات واختلاف تفسيراتها، وفهم السياق التاريخي والديني الذي نشأت فيه، وكيف ارتبط بعضها بفلسطين والقدس في تأويلات دينية وسياسية متباينة. إن الخيط الذي يجمع هذه المحاور هو نقد استغلال النصوص الدينية وتحويلها إلى أدوات لخدمة مشاريع سياسية واستعمارية. فالتاريخ الاستعماري في أمريكا وأفريقيا وآسيا وأستراليا يقدم أمثلة كثيرة على استخدام الخطاب الديني لتبرير الاستيلاء على أراضي الشعوب الأصلية، وفرض السيطرة عليها، وتقديم الغزو والقتل والتهجير باعتبارها رسائل حضارية أو تكليفات إلهية. ولم يكن هذا التوظيف حكراً على دين بعينه، بل ظهر في سياقات استعمارية متعددة، عندما جرى إخضاع النصوص والتأويلات الدينية لمصالح القوة والتوسع. ومن هذا المنطلق، يناقش البحث النهج الذي تتبعه تيارات صهيونية وشخصيات سياسية ودينية في توظيف النصوص التوراتية والتصورات الأخروية لتبرير نهب الأراضي الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان، والحرب على الفلسطينيين، وقتل المدنيين وتهجيرهم. فالنص الديني لا يصبح حقيقة لمجرد أن سياسياً أو رجل دين استدعاه لتبرير قرار أو جريمة، ولا يجوز تحويل التأويلات البشرية المتنازع عليها إلى أوامر إلهية تمنح أحداً حق سلب أرض الآخرين أو الاعتداء على حياتهم. إن ربط تعجيل يوم القيامة بقتل الفلسطينيين، أو تصوير معاناتهم ودمائهم باعتبارها خطوة ضرورية لتحقيق نبوءة دينية، ليس جريمة بحق الشعب الفلسطيني وحده؛ بل هو أيضاً إساءة بالغة إلى النص التوراتي نفسه، وإلى التقاليد الدينية التي يجري اقتطاع نصوصها وتحريف مقاصدها لخدمة أهداف سياسية واستعمارية. فقتل المدنيين وسلب حقوقهم لا يتحولان إلى فعل مشروع بمجرد إلباسهما ثوباً دينياً. لقد استغل رجال دين متطرفون وسياسيون سلطويون، عبر عصور مختلفة، مخاوف المؤمنين وآمالهم وتطلعاتهم الأخروية للتأثير في وجدانهم وتوجيه مواقفهم، وأحياناً لدفعهم إلى قبول الحروب والعنف والتضحية بحياة الآخرين باسم نبوءات لم تثبت صحتها، وتنبؤات لم تتحقق مواعيدها. ومن هنا تأتي أهمية دراسة هذه المعتقدات في سياقها التاريخي والفكري، وفهم الفارق بين الإيمان الديني من جهة، والتلاعب السياسي بالنصوص المقدسة من جهة أخرى. أما عنوان البحث، الفلسطينيون يمنعون يوم القيامة، فيحمل دلالة نقدية ومفارقة سياسية؛ إذ يضع القارئ أمام خطاب أخروي صُوّرت فيه فلسطين وأرضها وشعبها باعتبارهم جزءاً من سيناريوهات نهاية العالم، حتى أصبح وجود الفلسطينيين ورفضهم الاقتلاع من أرضهم، في بعض هذه التأويلات، عائقاً أمام تحقق النبوءة المزعومة. وهو بذلك يكشف عبثية تحويل شعب يقاوم الاحتلال ويتمسك بحقه في الحياة والأرض إلى عقبة أمام خلاص ديني متخيّل. هذا البحث ليس دعوة إلى معاداة دين أو أتباع عقيدة، ولا حكماً على معتقدات المؤمنين، بل محاولة لفهم النصوص والتصورات الأخروية وكشف كيفية استغلالها سياسياً. وهو يضع أمام القارئ مادة دينية وتاريخية وفكرية واسعة، ليفصل بين الإيمان والتأويل، وبين النص المقدس والمشروع الاستعماري، وبين النبوءة الدينية والقرار السياسي، مؤكداً أن لا نبوءة تمنح أحداً حق احتلال أرض شعب آخر أو قتل أبنائه.

تحميل (PDF)
شارك هذه الصفحةمشاركة على فيسبوك