نيران صديقة تُضعف فاعلية القيادة الفلسطينية وحلفائها

نيران صديقة تُضعف فاعلية القيادة الفلسطينية وحلفائها
مقال رأي بقلم خالد غنام – أستراليا
منذ بدء المشروع الصهيوني الاستيطاني في أرض فلسطين، تعثر الفلسطينيون في مفاهيم تجمعهم وتوحد صفوفهم؛ بسبب انقسامات النخب الفلسطينية الحاكمة، التي كانت تُصنّف خصومها السياسيين بأنهم خونة وعملاء للصهيونية والإمبريالية، كما كان يتم تصنيف حلفاء خصومهم من العرب بأنهم رجعيون ودُمى تحركها القوى الاستعمارية الإمبريالية.
ولا يذكر التاريخ فترة زمنية توحّدت فيها كل النخب السياسية الفلسطينية تحت راية الوحدة الوطنية، رغم أن هناك بعض المؤرخين يعتبرون أن الوحدة الوطنية تحققت عدة مرات قبل النكبة وبعدها، لكن الحقيقة التاريخية أن هذا الرأي خاطئ؛ لأنه يفترض أن القيادة الرسمية هي القيادة الشرعية، ويمكن إهمال أو إقصاء بعض الأصوات المعارضة لأنها نكرة وليس لها تأثير في صنع القرار الرسمي.
في عام 1937، كتب القائد الصيني ماو تسي تونغ مقالة هامة بعنوان "في التناقض"، وهي مقالة فلسفية عن قانون التناقض، أوضح فيها أن التناقضات الثانوية يجب أن تتراجع أمام التناقض الرئيسي من أجل رَصِّ الصفوف ومواجهة العدو المشترك.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن انتصار الثورة لن يتحقق إلا بالوحدة الوطنية، عندما تتراجع الخلافات الثانوية أمام التناقض الرئيسي.
إلا أن المعضلة الكبرى التي واجهت الوحدة الوطنية هي تفكك مقومات القيادة بطريقة جعلتها تشتت الجهد الثوري ضد الخصوم السياسيين أكثر من استخدامه في مقارعة المشروع الصهيوني.
فمنذ البداية كانت الأفكار السياسية للنخب الفلسطينية متضاربة فيما بينها، حيث طُرحت أفكار القومية العربية والوحدة الإسلامية بأشكال مختلفة، لكنها في الغالب كانت تطرح أفكار التبعية لأحد الحلفاء العرب أو القوى الخارجية، مما جعل التناقض بين مصالح الحلفاء يؤدي دائمًا إلى خلافات داخلية في فلسطين، وقد تصل إلى الاقتتال الفلسطيني-الفلسطيني، كما حدث في الثورة الكبرى 1936-1939.
كما أن ضعف الموارد المحلية جعل النخب الفلسطينية تعتمد على الحلفاء العرب والقوى الخارجية في تمويل المؤسسات والنشاطات والحفاظ على استمرارية العمل السياسي، مما حوّلها إلى مجرد مندوبين لجهات خارجية، أكثر من كونها قيادة وطنية قادرة على تنمية الموارد الوطنية من أجل ترسيخ نفوذها بين صفوف الشعب.
إلا أن سبب ذلك هو افتقاد فلسطين الاستقلال السياسي الحقيقي، بسبب استعمارها من قبل بريطانيا، ثم الوصاية العربية على أجزاء منها بعد حرب 1948، واحتلال باقي أراضيها من العصابات الصهيونية، ثم احتلالها بشكل كامل بعد حرب 1967، مما يعني أن النخب الفلسطينية لم يكن لها سيادة حقيقية على فلسطين، بل كانت تقوم بإدارة جزء من شؤون الشعب تحت مسميات مختلفة، مثل اللجنة العربية العليا والإدارة المدنية وغيرها من المسميات الوظيفية، تحت وصاية الاستعمار أو وصاية قوى خارجية.
لم تصل النخب الفلسطينية إلى مرحلة السلطة الحاكمة على أرض فلسطين في أي فترة زمنية، بل إن مفهوم السيادة على الأرض بقي صعب المنال، مما جعل قدرتها على إدارة الموارد المحلية وتنميتها تصطدم بإجراءات الاستعمار البريطاني أو الوصاية العربية أو الاحتلال الصهيوني.
أما بخصوص إدارة شؤون الشعب، فهي أيضًا لم تصل إلى مرحلة حماية حقوق السكان وتوفير سبل العيش لهم، مما جعل الشعب يحتاج إلى الاتصال المباشر مع الاستعمار البريطاني أو الوصاية العربية أو الاحتلال الصهيوني من أجل تسيير أموره المعيشية.
وأمام غياب مقومات القيادة الوطنية المستقلة، وجدت النخب الفلسطينية نفسها مضطرة إلى البحث عن مصادر قوة خارجية تساعدها على الحفاظ على نفوذها السياسي واستمرارية نشاطها، فكانت العلاقات مع الدول العربية والإسلامية إحدى أهم هذه المصادر.
إلا أن هذه العلاقات لم تكن دائمًا قائمة على التحالف بالمعنى السياسي الذي يحافظ فيه كل طرف على استقلال قراره، بل اتخذت في كثير من الحالات شكلًا من أشكال التبعية، نتيجة حاجة النخب الفلسطينية إلى الدعم المالي والسياسي والعسكري.
ومن هنا أصبحت العلاقة بين النخب الفلسطينية وحلفائها العرب عاملًا مؤثرًا في الصراعات الداخلية الفلسطينية، خصوصًا عندما اختلفت مصالح الدول العربية والإسلامية نفسها.
هذا الأمر جعل القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية تحرر وطني، بل مشروعًا وحدويًا بين أطراف متعددة، كان شعار تحرير فلسطين يجمعها، لكن تفرّقها الوسائل التي يجب استخدامها وشكل قيادة هذا المشروع الوحدوي بين دول قوية وأخرى صغيرة تابعة لها.
إن مفهوم مركزية القضية الفلسطينية في الفكر السياسي العربي أو الإسلامي لم يكن يعني فقط مساعدة النخب الفلسطينية في بسط نفوذها، بل أصبح في بعض الحالات وسيلة لتشكيل أذرع للقوى العربية والإسلامية داخل المجتمع الفلسطيني، من أجل أن تكون مرتبطة بالمركز في إحدى الدول العربية أو الإسلامية.
فهذا جعل الخطاب العربي والإسلامي، بما فيه الإعلامي والإنساني والسياسي، يتناول القضية الفلسطينية من زوايا مختلفة، رغم اتفاقه على ضرورة مساعدة الشعب الفلسطيني وتقديم يد العون له بشكل مباشر، أو عن طريق أذرعه في المجتمع الفلسطيني من حلفاء سياسيين أو منظمات غير حكومية تُدار مباشرة من تلك الدول.
وقد غلب على هذا الخطاب البعد الإنساني والإسلامي الداعم للشعب الفلسطيني على الاهتمام بمفهوم القيادة السياسية الفلسطينية واستقلال قرارها، مما ساهم في اتساع الهوة بين النخب الفلسطينية.
بل إن ذلك الإعلام المُوَجَّه كان يُروِّج لفكرة فساد بعض النخب الفلسطينية وسرقتهم المساعدات التي ترسلها دولهم، وفي المقابل يُروِّج لأهمية التبعية السياسية لدولهم من أجل توفير السبل لتحسين الظروف المعيشية للشعب الفلسطيني، مما يعني أن النخب الفلسطينية إما أن تكون فاسدة وخائنة، أو تابعة لنظام عربي أو إسلامي، وفقًا لإعلام الدول العربية والإسلامية.
وعلى نفس المنوال، يمكن أن نقيس تشتت جماعات المناصرة والائتلافات المؤيدة للشعب الفلسطيني حول العالم، حيث إن جهودها موحدة حول فضح جرائم الاحتلال الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني، إلا أنها تصبح مشتتة عند الحديث عن دعم النخب الفلسطينية حسب انتماءاتها الحزبية وتحالفاتها السياسية مع القوى والأحزاب العربية والإسلامية والاشتراكية، مما يشكل فوضى عارمة في الرؤى السياسية وطرق حل القضية الفلسطينية.
من هنا يمكن أن نستنتج أن مقولة: "كل الشعب زعماء، ولا يوجد زعيم له شعبية عارمة في المجتمع الفلسطيني" عامل حقيقي في وجود أزمة القيادة الفلسطينية، التي تسببها النيران الصديقة من الخصوم السياسيين المحليين، مما دفع بعض القيادات السياسية الفلسطينية إلى قبول أشكال مختلفة من التنسيق مع الدول العربية، حتى لو كان مجرد تنسيق أمني مع أجهزة مخابرات عربية، من أجل الاستقواء على باقي النخب الفلسطينية.
إن أبناء الشعب الفلسطيني وأنصاره لا ينظرون إلى قوة القائد الفلسطيني بما يحمله في جعبته من أموال أو قدرته على التواصل مع قادة الدول والأحزاب العربية والإسلامية والأجنبية، بل بقدرته على تغيير الوضع المعيشي السيئ الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وقدرته على حماية الشعب الفلسطيني من جرائم الاحتلال، ناهيك عن امتلاكه مشروعًا سياسيًا لإقامة مجتمع فلسطيني ديمقراطي يقبل بتعايش الأفكار وتداول السلطة، حتى نصل إلى مرحلة حقيقية تمتلك فيها القيادة الفلسطينية الشرعية التمثيلية التي تكون مقبولة في كل الدول العربية والإسلامية، وتحتضن كل أنصار الشعب الفلسطيني في أنحاء العالم.
بعدها تصبح مسألة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة تحصيل حاصل، حيث تصبح إقامة الدولة الفلسطينية مصلحة مشتركة لكافة الأطراف، فتكبر فلسطين ويضمحل المشروع الصهيوني في المنطقة العربية.
خالد غنام: نيران صديقة تُضعف فاعلية القيادة الفلسطينية وحلفائها