خالد غنام

مُشاكلة الفكر الفلسطيني المعاصر

مقالات
مُشاكلة الفكر الفلسطيني المعاصر

مُشاكلة الفكر الفلسطيني المعاصر

 

بقلم خالد غنام

17/08/2014

 

الفكر والتفكير وإنشاء أفكار جديدة تزامن مع وجود الإنسانية، وهي السبب الأساسي لبناء الحضارة وهدمها بالحروب على مر العصور. وإذا نظرنا للصراع العربي الصهيوني، نرى الكثير من النظريات الفكرية وأساليب التفكير، وأيضًا نرى أفكارًا جديدة كل يوم، تأتي من كل من له علاقة بالصراع. وإن المجهود الصهيوني متواصل لابتكار أفكار جديدة لمواصلة مشروعهم وتمتين دعائمه، ومن ناحية ثانية تسعى جاهدة لتشتيت الأفكار المعادية والدعاية للأفكار الهادمة لفكرة مقاومة المشروع الصهيوني. أما الجانب الآخر، الجانب الفلسطيني خصوصًا، فيتوحد على عموميات قديمة، ونادرًا ما يجهد نفسه بابتكار أفكار جديدة، بل إن المعروض في سوق أفكار المقاومة يتم اجتراره دون تطويره، وإن القليل المتفائل يتبنى التمترس على أصل الأفكار مثل مقاومة الاحتلال والاستقلال الوطني والكفاح المسلح والتعايش السلمي، دون تطوير أساليب تفكير جديدة لتطوير أصل الأفكار أو تجريب أفكار جديدة.

إن المدارس الفكرية الفلسطينية الأربعة (فتح – اليسار الفلسطيني – الحركات الإسلامية – الأحزاب العربية في إسرائيل) فقدت الكثير من شعبيتها خلال العقد الماضي لصالح مبادرات شبابية ذات أفكار جديدة، لكنها تعمل ضمن نطاق محدود ولا تطرح أجوبة لقضايا الصراع الاستراتيجية، مما أضعف الزخم الجماهيري الثوري داخل مكونات الشعب الفلسطيني مقابل نمو سريع لأفكار التضامن الاجتماعي الشعبوي بعيدًا عن تأطيره بالتنظيمات السياسية. فجاءت الأفكار متلونة بالحاجات الاستهلاكية العاجلة للمحيط المجتمعي الصغير دون التفكير العميق لمجمل حاجات الشعب الفلسطيني وطرق تقويم الفكر المقاوم.

ومن خلال نظرة تاريخية لتطور الفكر المقاوم الفلسطيني، نرى أنه بدأ نخبويًا ضمن إطار العائلات الكبرى ذات نفوذ في رأس المال الاجتماعي، ثم شكّل أحزابًا سياسية هشة انهارت مع ثورة 1936، تاركة فراغًا تعبويًا ضروريًا، مما شكّل أول أزمة تمثيل للشعب الفلسطيني، ولم تستطع النخب السياسية تداركه إلا بعد أربعة أعوام، مكوّنة كتلتين حزبـيتين لكل منهما تبعية إقليمية محددة، وتم نقل القرار الفلسطيني للعواصم العربية. إن دراسة معمقة للأفكار التي كانت مطروحة في تلك الفترة توضح لنا معنى تفكيك الأفكار السياسية وتحولها إلى العمل العسكري المتمسك بأصل الأفكار المقاومة. وقد تكررت هذه العملية في أكثر من مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني، الذي يعد المحك والمختبر لمجمل الأفكار المتثاقفة (ربط الثقافة بالدين أو القومية) في المحيط العربي والإسلامي الحاضن الطبيعي للفكر الفلسطيني المقاوم.

لعل تهجير السواد الأعظم من الفلسطينيين لدول الطوق جعلهم يمرون بمرحلة امتحان أفكار جديدة، فانخرطوا بالعمل الحزبي ومؤسسات تنظيمية ترفع شعارات مفرغة من آليات عمل أو أساليب تفكير تساعد على ترميم الفكر المقاوم، وأصبح هناك قناعة عند الفلسطينيين أن الجمهرة المظلمة لا تنير طريق العودة، ولا بد من مرحلة تفكيكية جديدة، فتبنوا الكفاح المسلح دون القدرة على تحديد نوعية الأفكار أو أساليب التفكير المؤدية لتحقيق أصل الأفكار، مما جعلهم يتبنون الفكر الثوري الشامل، مثل فكر التحرر من الاحتلال أو خلق جبهة شعبية ذات أطياف فكرية متناحرة. تمخض ذلك كله عن تشكيل حواضن جامعة غير متجانسة فكريًا، لكنها متوافقة بأساليب التفكير وقادرة على استيعاب أفكار جديدة. وهذه هي مرحلة الستينيات، وهي مرحلة المثالية الثورية التي بلورت أصل الأفكار من جديد، فتم شرح الأصول الفكرية والتوافق على أساليب تفكير محددة داخل كل التنظيمات الفلسطينية الثورية، وبالتالي تم محاصرة التثاقف الإقليمي، مما أدى إلى خسارة جزء مهم من دور جبهة الإسناد العربي. وهذا جعل كل دولة أو تنظيم سياسي قومي أو ديني يشكل فرعًا خاصًا فقط لفلسطين، وأحيانًا تنظيمات ثورية فلسطينية متثاقفة عربيًا ومتحولة عن توافق أساليب التفكير الثوري الفلسطيني، لكنها متمسكة بأصل الأفكار الثورية، مفرزة أول مشاكلة في الفكر المقاوم.

انتهت هذه المشاكلة بصياغة البرنامج المرحلي في منتصف السبعينيات، معلنة بداية مرحلة الواقعية الثورية دون إيمانها بوحدانية أساليب التفكير، لكنها رسمت أصل الأفكار متوافقة مع توحيد فعل الثوري داخل مؤسسات منظمة التحرير، مما عزز دور رأس المال الاجتماعي داخل التنظيمات وساهم بتحديد مهام المنظمات الأهلية ودعم بنى مؤسسات المجتمع المدني. لكن أغلب ذلك انهار بمنتصف الثمانينيات، مشكلًا مشاكلة ثانية لها علاقة بأصل الأفكار، خصوصًا الكفاح المسلح والاستقلال الوطني. ولعل المشاكلة الثانية كانت أوضح من الأولى بسبب تعدد المشكلات وتتالي الأزمات، مما جعل العقد المفصلية تطغى على الصورة العامة للفكر المقاوم، مما أرهق التنظير التنظيمي وجمّد التفكير الثوري.

لكن هذه المشاكلة انتهت مع مرحلة تفكيكية لأصل الأفكار وتعديل إبداعي على أساليب التفكير مع دخول أفكار جديدة، من خلال الانتفاضة الأولى وإعلان الاستقلال، مما أسهم في تحريك غير مقنع ثوريًا من ناحية، وله إجماع تنظيمي تعبوي، مما خلق مرحلة الواقعية المزدوجة لأصل الأفكار وتحرير أساليب التفكير من أصل الأفكار. وهذا السبب الحقيقي في تشكل النظام السياسي الفلسطيني، فأصبح ابن التنظيم ملزمًا بقرارات التنظيم من ناحية، ويؤمن بطرح أفكار الإجماع الوطني بالمجمل، مع ديالكتيك الاستقطاب التنظيمي والتعبئة لأفكار الإجماع الوطني، مما خلق ليبرالية الدولة وديمقراطية الثورة، وهذا أدى إلى تثاقف إقليمي جديد أفرز عن تكوين تنظيم حركة حماس المعارض لهذه المرحلة والداعي للتمسك بأصل الأفكار وهدم النظام السياسي الفلسطيني مع الموافقة على ديمقراطية الثورة.

وتبع ذلك مرحلة تفكيكية كبرى مع العملية السلمية، أدت إلى انقسام مدهش بين فكرة الحفاظ على النظام السياسي متمترسًا على فكر تنظيم واحد، وهو حركة فتح، مقابل تجمهر باقي التنظيمات في تثاقف إقليمي جديد، لكنه هذه المرة لم يفرز أي إعاقة بسبب عدمية أساليب التفكير وضعف الفعل الثوري المضاد للنظام السياسي الفلسطيني، مما عزز مفهوم ليبرالية الدولة وديمقراطية الثورة. وهذا جعل التنظيمات السياسية تبحث عن أساليب تفكير توافقية مع النظام السياسي الفلسطيني لفشل تثاقفهم الإقليمي، مما دعم فكرة الحفاظ على النظام والاختلاف على الثورة، وهو المسبب الأساسي لانهيار منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، مقابل فوضى بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية لتكون حصن النظام السياسي الجديد. وهذا حقق معجزة بقاء السلطة الفلسطينية أثناء الانتفاضة الثانية، رغم أنها كانت مسلحة وليس لها أساليب تفكير جديدة، بل أعادت الجميع لأصل الأفكار، مما تسبب بخلق مشاكلة غير متوقعة بعد وفاة الشهيدين الرئيس ياسر عرفات وعبدالعزيز الرنتيسي.

إن هذه المشاكلة جاءت داخلية بالتنظيمات الرئيسية دون أن تشكل تيار حمائم وآخر صقور، بل نجم عنها رفض للفكر المتحول للقيادة الجديدة، حتى لو كان تطويرًا إيجابيًا، بل إن أغلب الفعل الثوري انصب على فكرة إعادة بناء التنظيمات من الداخل في فتح وحماس كمحورين أساسيين، مما أدى إلى اضمحلال باقي التنظيمات وضعف الاستقطاب لأي فعل ثوري، فتوقفت الانتفاضة على أمل إعادة ترميم النظام السياسي. فجاءت نتائج الانتخابات التشريعية لتطلب بديلًا عن أفكار النظام السياسي دون المطالبة بتغيير ليبرالية الدولة وديمقراطية الثورة، مشكلةً مرحلة ميلاد الدولة القطبية ذات الحزبين الرئيسيين اللذين يقبلان المنافسة على السلطة عن طريق صندوق الاقتراع، وهو يعد أعظم إنجاز للرئيس محمود عباس.

إلا أن فتح وحماس لم تجهدا نفسيهما بإعادة أساليب التفكير لمرحلة الدولة القطبية، ولم تسعيا لاستنباط أفكار جديدة، مما أدى إلى صدام فكري بين فكرة تداول السلطة وفكرة ديمقراطية الثورة، مما أدى إلى انقسام سياسي وانقلاب على النظام السياسي، مما شكّل دولة ذات رأسين. وهو السبب الحقيقي نحو العودة المرة للوراء عن طريق المبادرات الفردية ومنظمات المجتمع المدني كإطار للفعل الثوري بديلًا عن التنظيمات السياسية، مما خلق مشاكلة جديدة سببها التثاقف الإقليمي والدولي. وهذه المرحلة من التثاقف أفرزت كيانات صغيرة لها مصادر مالية كبيرة ولها نفوذ دولي، وهي رافضة لكل من فتح وحماس وتركز على أصل واحد من أصول الأفكار، وهو التعايش السلمي والنضال من خلال الإيمان به، رغم أن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني غير مقتنعة به، إلا أنها وقفت مع هذا التثاقف رفضًا لفكرة دولة ذات رأسين، ورفضًا لفكرة التناحر الفكري الفلسطيني الداخلي، مع عدمية أساليب التفكير الجديدة لاستمرار النضال.

إن المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس كانت ولا تزال المخرج الحقيقي من مشاكلة الفكر الفلسطيني، ولعل آلية المصالحة أخذت وقتًا طويلًا بنظر الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني، لكنها مصالحة صادقة بكل المقاييس لحد الآن. فهناك إيمان راسخ بفكرة الدولة القطبية، وهناك تبادلية في أساليب التفكير ظهرت بأعمال الوفد المفاوض، وأيضًا بالعمل الميداني المشترك بكل أشكال النضال خلال العدوان على غزة، فلسطين، صيف 2014. وإن كان هناك مخاوف من التجاذبات الإقليمية أو طغيان العسكري على السياسي، فمجرد مذاكرة مشاكلة الفكر الفلسطيني المعاصر تعطينا الكثير من الأمل أن بعد كل جزر هناك مد، وأن حلحلة العقد المفصلية أسهل بكثير من العيش داخل مشاكلة جديدة.

إن المطلوب حاليًا من قطبي الدولة الفلسطينية إعادة تدارس أصل الأفكار معًا، بعد أن يشكلا ورشات عمل داخل كل منهما لإعادة تقييم أساليب الأفكار داخليًا والعمل على تطويرها لتتماشى مع مفهوم الدولة القطبية. ومن ناحية ثانية، توسيع برامج استقطاب الأفكار الجديدة ووضع خطة لسحب المبادرة من الجمهرة المظلمة في المنظمات غير الحكومية. هذا هو المطلوب لعلاج مشاكلة الفكر الفلسطيني المعاصر وإيقاف حدود الاختلاف عند مفهوم أزمات سياسية ومشكلات تنظيمية دون الوصول إلى مرحلة الاختلاف على أصل الأفكار.

إن الليونة المطلوبة بالفعل الثوري العقلي لا تتعارض مع صلابة العنف الثوري، لأن الأولى تتعامل مع الطاقة الثورية التعقلية مثل النقاش داخل وحدة الثقافة التنظيمية وإدارة الحوار بالتنظير الحزبي وصولًا لصوغ أسس التفاوض وكيفية تنفيذ التعايش السلمي المتوازن، بينما يتعامل العنف الثوري مع الانضباط للحفاظ على وحدة التنظيم من الداخل والتمسك بدعائم النظام السياسي الفلسطيني ليبقى وطنيًا بعيدًا عن التجاذبات الإقليمية والمحاور الدولية، للوصول إلى تجييش كل العنف الثوري لمقارعة العدو وخلق السيادة الوطنية على مجمل مكونات الكيان الفلسطيني بأجزائه الثلاثة: فلسطينيو 48 وسكان الوطن والشتات. ويعد هذا مطلبًا أساسيًا لدفع النضال الفلسطيني نحو تحقيق غاياته السامية، وعلى رأسها وحدانية أصل الأفكار وتوافق أساليب التفكير بما يناسب كل مكون من مكونات الشعب الفلسطيني، مع إبقاء الباب مفتوحًا لكل الأفكار الجديدة حتى لا نصاب بالجمود الفكري أو نسمح بظهور تطرف فكري داخل المجتمعات الفلسطينية. وهذه القضية ليست سهلة، فهي تسري كالسرطان في المحيط العربي، وهدفها تفتيت أصل الأفكار وتجميد أساليب التفكير وقتل أي فكرة جديدة؛ فهي رفض لكل ما هو مطروح. ومن نظرة فاحصة نرى أن محاربة التطرف مارسته كل من فتح وحماس خلال العقد الماضي، فهما متفقتان على أن هذا التطرف يلغي المشروع الوطني، وهناك الكثير من أساليب التفكير المشتركة بين الحركتين، وهذه القاعدة التي تشكل البنية الحقيقية للدولة القطبية.

 

خالد أبوعدنان

ولدت لاجئًا وأحيا مهاجرًا

شارك هذه الصفحةمشاركة على فيسبوك