ماذا يعني المستقل السياسي في فلسطين؟

ماذا يعني المستقل السياسي في فلسطين؟
بقلم خالد غنام
17-12-2014
ماذا يعني المستقل؟ أو اللامنتمي إلى حزب سياسي، لكنه ناشط سياسي؟ وهل يكون جزءًا من الثورة؟ هل هو تمرد على أسلوب الثورة؟ هل هو متطرف فكريًا؟ هل يرفض قيادة الثورة، ولكنه يؤمن بفكرة الثورة؟ هل هو شعبوي فوضوي ضد فكرة الهرمية في الثورة؟ وكيف تتعامل معه قيادة الثورة؟ وما مدى تأثيره على جماهير الثورة؟ وهل أسلوبه يخدم الثورة أو يضرها؟
لقد تأخرت انطلاقة حركة فتح سبع سنوات سعيًا منها لضم كل الفئات الشعبية الثورية في بوتقة حركة تحرر وطني تضم كل أطياف الشعب الفلسطيني، فتعمقت بدراسة تجارب الشعوب وحركات التحرر في العالم، وتوغلت بفهم الفرق بين التراكيب الثورية الوطنية والقومية والإسلامية؛ إلا أن تسارع الأحداث السياسية وتضارب المناهج السياسية جعلاها تضع مفهومًا فريدًا من نوعه، وهو الوحدة الوطنية بديلًا عن الحزبية، معلنةً قبول شركاء في ثورة، وأن فتح لا تشكل كل ثوار حركة التحرر الفلسطيني في صياغة تشكيل القرار الفلسطيني المستقل، مع مراعاة أن فتح: فلسطينية الوجه، عربية الانتماء، وعالمية العمق، في جمع لكل عوامل النهوض وطرح فوارق التفرقة؛ إلا أن هذا النهج جعل قبولها صعبًا من عدة أطراف، لأن كل طرف يرفض شركاء له ويدعي أنه هو الثورة، وهو من يمثل النضال الفلسطيني دون غيره؛ في مسعى لخلق لون واحد للنضال الفلسطيني، دون أن تحسم لصالح أحد الأطراف، ودون أن تندمج مجموعة أطراف ضد طرف بعينه، مما استدعى قبول جميع الأطراف بالنهج الفتحاوي بتعزيز مفهوم الوحدة الوطنية، وهو منهاج موج البحر؛ فهو أحيانًا هائج، وأخرى هادئ، وأخيرة مضر جدًا، إلا أنه ضرورة الاستمرار وحاجة وحدة الهدف.
الغريب في الحالة النضالية الفلسطينية وجود كم هائل من المناضلين الثوريين الذين رفضوا الانخراط بالجبهات والحركات السياسية، وأحيانًا النقابات الفلسطينية، فيما يسمى بالمستقلين سياسيًا، لكنهم منتمون لجسد الثورة.
ولدراسة هذا النهج الفكري، لا بد من فهم الظرف الفلسطيني على ضوء ما سبق ذكره.
منذ بدأ تشكّل الأحزاب السياسية في العصر الحديث في أوروبا، ظهر في عالم السياسة مصطلح المستقل سياسيًا، وهو يختلف عن مفهوم نخبة الصفوة المحظية تاريخيًا في المؤسسات الحاكمة، مثل الأعيان واللوردات وكبار الاقتصاديين والعسكريين وأبناء العائلات الأرستقراطية وذوي النفوذ الاجتماعي في العائلات كثيرة العدد، حيث إن هؤلاء مجتمعين شكلوا البطانة الحاكمة على مر التاريخ في كل الحضارات والتجمعات الإنسانية، وكل الأنظمة الحاكمة تعتبرهم النخبة الاجتماعية الشرعية للمجتمع وأساس رأس المال الاجتماعي في مفهوم الدولة المدنية الحديثة، مهما حدث من تغييرات سياسية داخلية أو دولية، إن كانت ديمقراطية عبر تداول السلطة بين الأحزاب، أو عنفية عبر الانقلابات والثورات، أو استبدادية عبر الاحتلال الأجنبي والحكم الديكتاتوري. وهذا ما جعل مفهوم العضو الناظم في الثورة عبارة عن شهادة شرفية يستحقها كل من يخدم مشروع الثورة من نخبة الصفوة المجتمعية، بغض النظر عن ولائه السياسي.
أما فئة المستقلين في السياسة الفلسطينية، فهي متواجدة منذ بدايات تشكّل الكيان السياسي الوطني الفلسطيني في بداية العشرينيات من القرن الماضي، ومسجلة تاريخيًا ضمن دراسة اللجنة التحضيرية للمؤتمر الفلسطيني الأول، وشكلت ظاهرة حقيقية بعد سن قانون الأحزاب في أوائل الثلاثينات، واستمر وجودهم ونشاطهم مع تغير الأوضاع السياسية وتبدل من يحكم فلسطين، وعمل البعض منهم ضمن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية دون الولاء لقيادتها أو الالتزام بنهجها السياسي.
ومهما تعددت أسباب هذا النهج في الثورة الفلسطينية، إلا أنه لم يكن ذا لون واحد؛ فمنهم المقربون للتنظيمات الفلسطينية على مختلف اتجاهاتها الفكرية، ومنهم المقربون للأحزاب والحكومات العربية، ومنهم من هم ذوو الاتجاهات الفكرية المتطرفة بشقيها: المتطرفة الانعزالية الفردية، مثل إدوارد سعيد، وأخرى متعددة الولاءات، مثل التنظيمات الاشتراكية الدولية، وكارلوس خير مثال على ذلك. لكل فئة من فئات المستقلين حيثيات متحركة في فكرهم وثوابت نهجية تقف حاجزًا دون انضمامهم للهياكل التنظيمية للفصائل الفلسطينية، في توليفة: معًا نحرك النضال، ولكن كل منا يحافظ على أسلوب تفكيره الخاص. والمحصلة التفاعلية أن المستقل ملتزم بأهداف الثورة، وبمرور الوقت يتأقلم مع قرار قيادة الثورة، أو أنه يقلّم فكره مرحليًا ليتماشى مع القرارات التي يتحفظ عليها، لأنه أضعف من الانزواء، فجماهيريته شعبية ثورية لا نستطيع العيش خارج الحاضن السياسي لجسد الثورة؛ إلا أن المستقلين يعملون بطريقة انتهازية مع الفصائل، وتوصف علاقتهم الفصائلية بأنها متلونة لاعتمادها على التصريح السياسي دون تبني الحقيقة السياسية كاملة، مما يجعل مؤشر اقترابهم من الخط السياسي عاملًا متغيرًا بشكل سريع، وأحيانًا يوميًا، وهو دائمًا مربوط بالمنفعة الشخصية دون النظر بعمق للصالح العام.
إن التداخل بين البرامج السياسية بين الفصائل ووجود برنامج عمل مشترك كان عاملًا حاسمًا في تحجيم دور المستقلين، أما في زمن الخلافات بين الفصائل، فإن المستقلين يشكلون حصان طروادة في شد الرأي العام الفلسطيني نحو الخط السياسي لكل فصيل على حدة.
ومن الجدير بالقول إن المستقلين الثوريين ازدهروا في زمن الكفاح المسلح، بينما ظهر المستقلون الإعلاميون في زمن الانتفاضة، أما زمن العملية السلمية فقد أفرز مستقلين مهنيين لا يهتمون بالرأي العام الفلسطيني، ولا بالقرار السياسي الفلسطيني، ولا حتى ببقائهم هم تحت دائرة الضوء.
وهذا هو لب أزمة المستقلين حاليًا، من بداية مفهوم العمل الأهلي الخدماتي في منظمات المجتمع المدني، بغض النظر عن الظرف السياسي، مرورًا بمفاهيم النضال السلمي كبديل للعملية السلمية، وانتهاءً بمفهوم حكومة التكنوقراط.
والأسباب الحقيقية وراء استقواء المستقلين على المجتمع الفلسطيني هي: الخلافات الفصائلية، وضعف ديمقراطية القرار داخل الفصائل، والسبب الأهم هو تحريك الثابت في السياسة الفلسطينية وتحجير المتغير بالأساليب النضالية. يُضاف لها نهج الدول المانحة بتشكيلها المنظمات غير الحكومية التي استحوذت على مجمل المبادرات الشبابية والأفكار السياسية، مشكلةً عقبة حقيقية في وجه تطور الفكر السياسي الفلسطيني الحر وتأطيره لخدمة برامج دولية، دون مراعاة حاجة المجتمع الفلسطيني للمستقلين.
وفي فترة حكم الأخ أبو مازن كرئيس لدولة فلسطين، تم تسليم كل زمام السلطة الوطنية للمستقلين، ابتداءً برئيس الوزراء، ومرورًا بالوزراء، وانتهاءً برؤساء المحافظات وذوي النفوذ في المؤسسات الحكومية، وخاصة المنبثقة عن مكتب الرئاسة، تحت ما يسمى كفاءات التكنوقراط تارة، وتارة أخرى للتخفيف من حدة الانقسام السياسي بين شطري الوطن وقطبي السياسة في عموم الوطن.
إن خلاصة دراسة تجربة المستقلين سياسيًا تؤكد على ما يلي:
أولًا: الشعب الفلسطيني ملتزم بما تطرحه الفصائل باختلاف ألوانها الفكرية، وحتى منهم غير المنتمين لتنظيم معين، فهم محسوبون على تنظيم معين.
ثانيًا: إن أعضاء فتح وحماس هم من الطبقة المثقفة في المجتمع الفلسطيني، وبينهم فئات مؤهلة لتحمل مسؤولية إدارة مؤسسات الدولة والسلطة بطريقة أفضل من المستقلين التكنوقراط؛ لسببين: الأول، وقوف تنظيماتهم خلفهم كسند وعون، والثاني، أن لهم قاعدة جماهيرية مؤثرة قادرة على تقديم الدعم لقراراتهم.
ثالثًا: إن مفهوم السلطة الثورية والممارسة النضالية في مؤسسات الدولة بحاجة لأبناء التنظيمات السياسية القادرين على كسر روتين القوانين والتعامل مع روح القانون بأسلوب ثوري يساند معاناة الجماهير ويقاوم ممارسات الاحتلال، والوقوف بوجه بيروقراطية التكنوقراط الذين حولوا السلطة إلى وظيفة للكسب المالي والوجاهة الاجتماعية، متجاهلين المفهوم الثوري بأن المنصب الإداري هو تكليف ثوري لا تشريف شخصي.
رابعًا: إن الفساد الإداري والمالي مرض من أمراض العالم الثالث، وليس محصورًا بالتنظيمات السياسية، وأثبتت التجربة العملية أن المستقلين أكثر فسادًا من أبناء التنظيمات السياسية.
خامسًا: يبقى مفهوم الوحدة الوطنية وما انبثق منها من تسميات، مثل المصالحة الوطنية أو الوفاق الوطني، مجردًا من الفعل الجماهيري دون تشكيل حكومة شراكة سياسية غالبية قياداتها من الصف الأول في حركتي فتح وحماس.
سادسًا: إن قوة الديمقراطية بالتجانس بين طموحات الجماهير ورؤية التنظيمات السياسية ترفض سياسة التعيينات الرامية لتحجيم دور التنظيمات السياسية التي تمثل غالبية الجماهير الشعبية فكرًا وممارسة.
سابعًا: إن عملية تداول السلطة بين التنظيمات السياسية تعني التعامل بشفافية مع الأعضاء المنتخبين، مع ضرورة تشكيل حكومة ظل من قبل التنظيمات التي لا يحالفها الحظ بالمشاركة بالحكومة.
ثامنًا: إن وجود قوة إدارية تفرضها المنظمات غير الحكومية على المجتمع الفلسطيني يشكل ظاهرة الحكومة الموازية، مما يقلص من هيبة السلطة المنتخبة أو الممثلة للتنظيمات السياسية ذات الشعبية الجماهيرية، ولا بد من تحجيم دور هذه المنظمات للحفاظ على السلطة وإعطاء التنظيمات السياسية دورها الحقيقي لتعزيز مفهوم الدولة المدنية.
تاسعًا: إن القدرة التشريعية مرتبطة بقدرة السلطة على تنفيذ تشريعاتها، ووجود التنظيمات خارج آلية صنع التشريعات يشكل نوعًا خطرًا من الاستبداد السياسي.
وختامًا، فإن نجاح أي رئيس وزراء مستقل بالسلطة، أو أي وزير أو محافظ، يشكل انتهاكًا للمفهوم الديمقراطي، وتحجيمًا لقوة التنظيمات السياسية، مما يدفع التنظيمات للعمل بشكل معاكس لقرارات السلطة دفاعًا عن نفسها؛ فلا يوجد تنظيم سياسي يقبل وصاية من أحد، ولا يمكن أن يقبل ما تفرضه عليه السلطة. إن اللعبة السياسية الجامعة بين ثورية السلطة ومؤسساتية التنظيمات السياسية وضع طبيعي في المراحل الأخيرة من الاحتلال، ولا يمكن أن نصل لرؤية واضحة لطريق الاستقلال في سلطة يحكمها المستقلون، بينما التنظيمات السياسية تسيطر على الفعل الثوري الميداني المقاوم للاحتلال.
خالد أبو عدنان
ولدت لاجئًا وأحيا مهاجرًا