في أستراليا: هل أصبح قول «أنا فلسطيني» تهمة؟

في أستراليا: هل أصبح قول «أنا فلسطيني» تهمة؟
بين قوانين الإرهاب، مقاومة الاحتلال، مكافحة معاداة السامية، حرية الاحتجاج، والاعتراف بدولة فلسطين… ماذا يعني أن تكون فلسطينياً في أستراليا اليوم؟
بقلم خالد غنام –
أستراليا
مركز
الانطلاقة للدراسات – 29-09- 2026
«إن كان حبي لفلسطين جريمة، فأنا أكبر مجرم في العالم.»
ليست هذه العبارة دعوة إلى العنف، ولا تبريراً لاستهداف المدنيين، ولا إعلاناً للانتماء إلى أي تنظيم. إنها، ببساطة، تعبير عن هوية وذاكرة وارتباط سياسي وإنساني بقضية شعب يعيش منذ عقود تحت الاحتلال والصراع والتهجير.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في أستراليا اليوم هو: إلى أي حد يستطيع الفلسطيني الأسترالي أن يقول «أنا فلسطيني»، وأن يتحدث عن الاحتلال، وأن يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وأن يؤيد مقاومة الاحتلال، من دون أن يجد نفسه محاطاً بشبهة الإرهاب أو التطرف؟
السؤال أكثر إلحاحاً لأن أستراليا أصبحت، منذ 21 أيلول/سبتمبر 2025، دولة تعترف رسمياً بدولة فلسطين، وتقول حكومتها إن الاعتراف يعكس التطلعات المشروعة والطويلة الأمد للشعب الفلسطيني إلى دولة خاصة به، ضمن رؤيتها لحل الدولتين. (Prime Minister of Australia)
فإذا كانت فلسطين دولة تعترف بها أستراليا رسمياً، وإذا كان للشعب الفلسطيني حق في تقرير المصير، وإذا كانت الحكومة الأسترالية نفسها تقول إن حل الدولتين هو الطريق إلى السلام، فلماذا تبقى حركات فلسطينية نشأت في سياق الصراع مع إسرائيل مدرجة في قوائم الإرهاب؟
وأين ينتهي التضامن السياسي المشروع ويبدأ الفعل الذي يجرّمه القانون؟
الفلسطيني ليس حماس
قبل الدخول في صلب المسألة، هناك تمييز أساسي يجب ألا يضيع في الخطاب العام:
الفلسطيني ليس حماس، واليهودي ليس إسرائيل، والمسلم ليس إسلامياً، والتضامن مع فلسطين ليس بالضرورة تأييداً لحماس.
هذه ليست مجرد عبارات سياسية؛ إنها ضرورة لفهم المجتمع الأسترالي المتعدد.
فقد يكون الإنسان فلسطينياً، لكنه لا ينتمي إلى أي تنظيم سياسي. وقد يكون مؤيداً لحل الدولتين، أو لدولة واحدة، أو لحق تقرير المصير، أو معارضاً لحماس، أو مؤيداً لها سياسياً، أو مختلفاً معها كلياً، وكل ذلك لا يمكن اختزاله في الهوية الفلسطينية نفسها.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الوطنية إلى قرينة سياسية، وعندما يصبح مجرد الحديث عن «المقاومة» كافياً لإثارة الشبهة، بدلاً من النظر إلى الفعل المحدد والنية المحددة والسلوك المحدد.
وكما قال محمود درويش:
«سجّل! أنا عربي»
كانت الجملة إعلاناً عن الهوية في وجه محاولة محوها. واليوم، يبقى السؤال: هل يستطيع الفلسطيني الأسترالي أن يقول «أنا فلسطيني» من دون أن يُطلب منه أولاً أن يثبت أنه ليس إرهابياً؟
ماذا فعلت حماس لأستراليا؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
الحكومة الأسترالية لا تقول إن حماس هاجمت أستراليا مباشرة. بل إن بيان أسباب إدراج حماس الصادر عن الحكومة يقول إن لا روابط مباشرة معروفة بين حماس وأستراليا، وإن حماس لم تصدر تهديدات محددة ضد الأستراليين أو المصالح الأسترالية. ومع ذلك، تستند الحكومة إلى تقييمها بأن حماس شاركت في أعمال تصنفها أستراليا إرهابية أو دعت إليها. (Australian National Security Website)
وهذا يقودنا إلى السؤال الذي يجب أن يُطرح:
هل يجب أن يكون إدراج منظمة ما حكماً أبدياً، أم ينبغي أن يخضع للمراجعة المستمرة وفق الأدلة والمعايير القانونية؟
فالقانون الأسترالي لا يشترط أن تكون المنظمة قد هاجمت أستراليا حتى تُدرج. يكفي، وفق معيار الإدراج، أن يقتنع الوزير المختص على أسس معقولة بأن المنظمة منخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عمل إرهابي، أو تعده أو تخطط له أو تساعد فيه أو تحرض عليه، أو تدعو إلى ارتكاب عمل إرهابي. (Australian National Security Website)
إذن السؤال الأدق ليس:
«هل هاجمت حماس أستراليا؟»
بل:
«هل ينبغي أن يستمر إدراج منظمة فلسطينية بأكملها، وما المعايير التي يجب أن تحكم استمرار هذا الإدراج؟»
تاريخ من إدراج الفصائل الفلسطينية
المسألة ليست جديدة.
فالسجلات القانونية الأسترالية تظهر أن عدداً من الفصائل الفلسطينية أُدرجت في مراحل مختلفة ضمن القوائم الأسترالية المرتبطة بالإرهاب ومكافحة الإرهاب.
وتظهر القوائم الرسمية، على سبيل المثال، إدراج الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة وجبهة التحرير الفلسطينية ضمن قوائم الكيانات المدرجة بموجب نظام العقوبات الأسترالي. كما أن الجهاد الإسلامي الفلسطيني أُدرج كمنظمة إرهابية بموجب قانون العقوبات الجنائي منذ عام 2004، وأعيد إدراجه في مناسبات متعددة. (Federal Register of Legislation)
أما حماس، فقد أُدرج جناحها العسكري، كتائب القسام، في أستراليا منذ عام 2003، ثم أدرجت الحكومة حماس بأكملها كمنظمة إرهابية بموجب قانون العقوبات في عام 2022. (Australian National Security Website)
وهنا تظهر قضية تاريخية وسياسية تستحق النقاش:
هل كان كل فلسطيني يحمل السلاح ضد إسرائيل يُنظر إليه بالضرورة من خلال عدسة الإرهاب، بصرف النظر عن السياق السياسي للاحتلال والصراع وتقرير المصير؟
السؤال لا يعني أن كل فعل مسلح مشروع، ولا أن استهداف المدنيين يمكن تبريره تحت شعار المقاومة.
لكنه يعني أن علينا أن نفرق بين الشعب الفلسطيني وحقه في التحرر وبين منظمة محددة وأفعال محددة يرتكبها أفراد أو جماعات.
إذا كانت فلسطين أرضاً محتلة، فأين حق شعبها في مقاومة الاحتلال؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات إثارة للجدل في الموقف الأسترالي.
أستراليا تعترف بدولة فلسطين، وتقول إن للشعب الفلسطيني تطلعات مشروعة وطويلة الأمد إلى دولة خاصة به، وإن تقرير المصير الفلسطيني جزء من الطريق نحو حل الدولتين. (Prime Minister of Australia)
وفي الوقت نفسه، فإن عدداً من التنظيمات الفلسطينية التي نشأت في سياق الصراع مع إسرائيل أُدرجت ضمن قوائم الإرهاب أو العقوبات.
وهنا يبرز السؤال:
كيف يمكن لدولة أن تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ثم تتعامل مع بعض الحركات التي تقول إنها تقاوم الاحتلال من خلال منظومة قوانين الإرهاب؟
هذا السؤال لا يعني أن القانون الدولي يمنح أي حركة مسلحة رخصة مفتوحة لفعل ما تشاء.
ولا يعني أن استهداف المدنيين يصبح مشروعاً لأن الفاعل يرفع شعار المقاومة.
لكن هناك فرقاً أساسياً بين حق شعب واقع تحت الاحتلال في التحرر وتقرير المصير وبين مشروعية كل فعل مسلح تقوم به حركة معينة.
وهذا الفرق يجب ألا يضيع.
الاحتلال ليس رخصة للمحتل، والمقاومة ليست رخصة لقتل المدنيين.
كلا الأمرين يجب أن يخضعا للقانون.
هل المقاومة جريمة؟
لا يجرّم القانون الأسترالي عبارة «مقاومة الاحتلال» بوصفها عبارة سياسية مجردة.
كما أن قوانين مكافحة الكراهية والتطرف لا تجعل مجرد الآراء السياسية غير العنيفة جريمة، ولا تجرّم بصورة عامة النقد غير العنيف لحكومات أجنبية أو أيديولوجيات سياسية. (Australian National Security Website)
لكن الانتماء إلى منظمة مدرجة، أو بعض أشكال تمويلها أو تقديم الدعم المادي لها، يمكن أن يشكل جريمة بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق النقاش:
هل يستطيع القانون أن يميز بوضوح بين:
العضوية التنظيمية،
والتأييد السياسي،
والتضامن الشعبي،
والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني،
وتبرير فعل محدد،
وتقديم الدعم المادي،
والتحريض على العنف؟
هذه ليست شيئاً واحداً.
مقاومة الاحتلال ليست هوية إرهابية، والجريمة ليست هوية شعب.
وفي الوقت نفسه، فإن استهداف المدنيين أو ارتكاب أعمال عنف عشوائية لا يصبح مشروعاً لمجرد أن مرتكبه يرفع شعار المقاومة.
حقوق الفلسطينيين لا تحتاج إلى تبرير قتل المدنيين، كما أن إدانة قتل المدنيين لا تعني التخلي عن حقوق الفلسطينيين.
من حق الشعب أن يقاوم… لكن ليس هناك شيك على بياض
في النقاش السياسي حول فلسطين، كثيراً ما يجري تقديم المسألة وكأن هناك خيارين فقط:
إما تأييد التنظيمات المسلحة بكل ما تقوم به، أو اعتبار كل مقاومة إرهاباً.
وهذا تبسيط خطير.
هناك مساحة ثالثة أوسع:
أن تعترف بحق الشعب الفلسطيني في التحرر وتقرير المصير، وفي الوقت نفسه ترفض استهداف المدنيين أياً كان مرتكب ذلك الاستهداف.
إدانة جريمة ارتكبها فصيل فلسطيني ليست إدانة للشعب الفلسطيني.
والدفاع عن حق الفلسطينيين في التحرر ليس دفاعاً تلقائياً عن كل تنظيم فلسطيني.
هذا التفريق هو جوهر النقاش الديمقراطي.
فلماذا لا نعيد النظر في قوائم الإرهاب؟
إذا كان الهدف من قوانين الإرهاب حماية المجتمع الأسترالي ومنع العنف السياسي، فإن السؤال المشروع هو:
هل ينبغي مراجعة القوائم بصورة دورية وشفافة، والنظر في استمرار كل إدراج على أساس الأدلة والمعايير القانونية القائمة في وقت المراجعة؟
هذه ليست مطالبة بمنح أي تنظيم حصانة من القانون.
إنها مطالبة بأن يكون الإدراج أداة قانونية محددة وقابلة للمراجعة، وليس حكماً سياسياً أبدياً.
وفي حالة حماس تحديداً، توجد نقطة تستحق النقاش: الحكومة الأسترالية نفسها تقول إنه لا توجد روابط مباشرة معروفة بين حماس وأستراليا، ولا تهديدات محددة ضد أستراليا أو مصالحها. (Australian National Security Website)
والأمر مشابه في بيان الحكومة المتعلق بالجهاد الإسلامي الفلسطيني، حيث تقول إن لا روابط مباشرة معروفة بين التنظيم وأستراليا، وإنه لم يصدر تهديدات محددة ضد الأستراليين أو المصالح الأسترالية. (Australian National Security Website)
لذلك يمكن طرح مطلب واضح:
إعادة النظر في إدراج الحركات الفلسطينية على قوائم الإرهاب وفق معايير قانونية موحدة وشفافة، ومراجعة استمرار الإدراج عندما تتغير الظروف أو الأدلة أو طبيعة النشاط التنظيمي.
ليس المطلوب إلغاء المسؤولية عن الجرائم.
المطلوب هو عدم تحويل القانون إلى بديل عن السياسة.
لماذا تختلف الأدوات القانونية؟
وهنا تظهر مسألة أخرى شديدة الحساسية.
أستراليا تستخدم أدوات قانونية مختلفة في التعامل مع العنف والانتهاكات الدولية، بما فيها العقوبات المالية ومنع السفر ضد أفراد وكيانات.
لكن العقوبات المستهدفة ليست هي نفسها قائمة المنظمات الإرهابية، والدولة ليست منظمة في مفهوم قانون الإرهاب الأسترالي.
ولهذا يجب ألا نقارن الآليات القانونية كما لو كانت شيئاً واحداً.
لكن السؤال السياسي يبقى مشروعاً:
هل تطبق المعايير نفسها، وبالجدية نفسها، عندما يتعلق الأمر بأطراف مختلفة في الصراع؟
هذا السؤال يجب أن يطرح على أساس القانون والأدلة، لا على أساس الهوية.
الإسرائيلي الأسترالي والفلسطيني الأسترالي
هناك مسألة أخرى تحتاج إلى نقاش هادئ.
القوانين الأسترالية المتعلقة بالأنشطة العدائية في الخارج تجرّم أفعالاً محددة في ظروف محددة، لكن مجرد خدمة شخص في قوة عسكرية أجنبية ليست قاعدة عامة تجعل كل خدمة عسكرية أجنبية جريمة.
أما جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي فهي مسألة أخرى تماماً.
وهذا يعيدنا إلى المبدأ نفسه:
لا ينبغي أن تكون الجنسية أو العرق أو الدين بديلاً عن فحص الفعل نفسه.
إذا ارتكب شخص جريمة، فليحاسب على جريمته.
لا على جنسيته.
ولا على دينه.
ولا على قوميته.
معاداة السامية جريمة، لكن فلسطين ليست معاداة للسامية
لا شك أن اليهود الأستراليين لهم الحق الكامل في الحماية من الكراهية والعنف والتهديدات.
لكن يجب أيضاً أن يكون الخط واضحاً:
انتقاد حكومة إسرائيل ليس، بحد ذاته، كراهية لليهود.
وكذلك:
انتقاد حماس أو إدانة أعمالها لا يعني كراهية الفلسطينيين.
الديمقراطية تحتاج إلى هذه الفواصل الدقيقة.
فإذا اختلط نقد الحكومة بالكراهية الدينية، اختفى النقاش السياسي.
وإذا اختلطت الهوية الفلسطينية بالانتماء إلى تنظيم سياسي، أصبح الفلسطيني متهماً بسبب هويته.
هل ما زالت حرية الاحتجاج مضمونة؟
حرية التجمع والاحتجاج جزء أساسي من الديمقراطية الأسترالية.
وقد أشارت اللجنة الأسترالية لحقوق الإنسان في تقييمها لعام 2026 إلى أن الحق في الاحتجاج السلمي ليس محمياً بصورة شاملة في القانون الأسترالي، وأن قوانين الولايات والأقاليم فرضت خلال السنوات الأخيرة قيوداً متزايدة على التجمع والتعبير.
لكن هذا لا يعني أن كل احتجاج مؤيد لفلسطين ممنوع، ولا أن كل إجراء شرطي ضد احتجاج فلسطيني يمثل بالضرورة انتهاكاً.
السؤال الديمقراطي هو:
هل يستطيع الأسترالي أن يتظاهر من أجل فلسطين كما يستطيع أن يتظاهر من أجل أي قضية سياسية أخرى، ما دام ملتزماً بالقانون وغير محرض على العنف؟
إن كانت الإجابة نعم، فيجب أن تكون هذه الحماية عملية وليست مجرد مبدأ مكتوب.
أستراليا اعترفت بفلسطين… فماذا بعد؟
في 21 أيلول/سبتمبر 2025، اعترفت أستراليا رسمياً بدولة فلسطين، وقالت حكومتها إن الاعتراف يعكس التطلعات المشروعة والطويلة الأمد للشعب الفلسطيني إلى دولة مستقلة. (Prime Minister of Australia)
لكن الاعتراف بالدولة لا يعني أن كل القضايا الفلسطينية أصبحت محل اتفاق داخل أستراليا.
بل إن الحكومة الأسترالية قالت بوضوح عند الاعتراف إن حماس يجب ألا يكون لها دور في فلسطين، وإن إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وفتح السفارات سيخضعان لتطورات تتعلق بالإصلاحات الفلسطينية والتزامات السلطة الفلسطينية. (Prime Minister of Australia)
وهنا تظهر المفارقة السياسية:
أستراليا تقول للفلسطيني: لديك شعب، ولديك حق في تقرير المصير، ولدينا الآن اعتراف رسمي بدولتك.
لكنها في الوقت نفسه تقول إن بعض التنظيمات التي ظهرت في تاريخ هذا الصراع تبقى محظورة بموجب قانون الإرهاب.
وهذا التناقض الظاهري يحتاج إلى نقاش عام ناضج، لا إلى إسكات أحد طرفي النقاش.
الفلسطيني ليس ملفاً أمنياً
الفلسطيني الذي يعيش في سيدني أو ملبورن أو بيرث ليس امتداداً تلقائياً لأي تنظيم في الشرق الأوسط.
إنه عامل، وطالب، وطبيب، وسائق، ومهندس، وصاحب متجر، وأب وأم، ومواطن أو مقيم، وجزء من المجتمع الأسترالي.
ولهذا يجب أن يكون السؤال:
هل يُنظر إلى الفلسطيني باعتباره مواطناً له حقوق متساوية، أم باعتباره مشكلة أمنية محتملة؟
والأمر نفسه ينطبق على اليهودي الأسترالي.
لا ينبغي أن يُطلب من اليهودي الأسترالي أن يثبت أنه ليس مسؤولاً عن سياسات الحكومة الإسرائيلية.
ولا ينبغي أن يُطلب من الفلسطيني الأسترالي أن يثبت أنه ليس مسؤولاً عن أفعال حماس.
هذه هي أبسط قواعد العدالة.
فلسطين ليست قضية طائفة
من الخطأ التعامل مع التضامن مع فلسطين على أنه قضية إسلامية فقط.
في أستراليا شارك في النقاش والحراك المؤيد للفلسطينيين مسلمون ومسيحيون ويهود وأستراليون من خلفيات مختلفة، إضافة إلى ناشطين في قضايا حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والسلام ومناهضة الحرب.
وكما توجد منظمات يهودية وصهيونية تدافع عن مواقف مؤيدة لإسرائيل، توجد أيضاً أصوات يهودية أسترالية تنتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية وتدعم حقوق الفلسطينيين.
وهذا جزء من طبيعة المجتمع الديمقراطي.
المشكلة ليست أن توجد روايات سياسية متعارضة.
المشكلة تبدأ عندما يصبح أحد الطرفين متهماً لمجرد أنه ينتمي إلى هوية معينة.
الاحتلال لا يلغي الإنسان، والمقاومة لا تلغي القانون
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر أهمية في المقال كله.
لا يمكن أن نقول إن الاحتلال يبرر كل شيء.
ولا يمكن أن نقول إن وجود العنف يلغي حق الشعب في التحرر.
لا يمكن أن نقول إن كل مقاومة إرهاب.
ولا يمكن أن نقول إن كل عمل مسلح مشروع.
ولا يمكن أن نقول إن الفلسطيني هو حماس.
ولا يمكن أن نقول إن اليهودي هو إسرائيل.
العدالة تبدأ عندما نستطيع الإمساك بهذه الحقائق كلها في الوقت نفسه.
الاحتلال يجب أن ينتهي.
والشعب الفلسطيني له حق في الحرية وتقرير المصير.
والمدنيون يجب أن تحمى حياتهم، أياً كانت هويتهم.
والقانون يجب أن يطبق على الجميع.
كلمة أخيرة
أستراليا دولة ديمقراطية، وقد اعترفت بدولة فلسطين، وتقول إن للشعب الفلسطيني تطلعات مشروعة إلى تقرير المصير، وفي الوقت نفسه تطبق قوانين إرهاب صارمة على منظمات فلسطينية وغيرها. (Prime Minister of Australia)
لذلك فإن النقاش المطلوب ليس نقاشاً بين «مع فلسطين» و«مع أستراليا».
إنه نقاش حول كيفية بناء قانون أسترالي يحمي الجميع بالتساوي.
إذا كانت حركات فلسطينية مدرجة على قوائم الإرهاب، فمن حق المجتمع أن يسأل عن الأدلة والمعايير.
ومن حق الدولة أن تقدم أسبابها.
ومن حق البرلمان والقضاء والمجتمع المدني أن يراجعوا مدى استمرار الحاجة إلى هذه الإدراجات.
إذا كان هناك شخص ارتكب جريمة، فليحاسب على جريمته.
إذا قتل مدنياً، فليحاسب.
إذا خطط لهجوم إرهابي، فليحاسب.
إذا حرض على العنف، فليحاسب.
لكن لا تجعلوا الجريمة هوية.
ولا تجعلوا الهوية جريمة.
فالفلسطيني ليس حماس.
واليهودي ليس إسرائيل.
والمسلم ليس إسلامياً.
والتضامن مع فلسطين ليس إرهاباً.
وكما قال محمود درويش:
«على هذه الأرض ما يستحق الحياة.»
وعلى هذه الأرض أيضاً، في أستراليا، يستحق كل إنسان أن يعيش حراً، وأن يقول من هو، وأن يدافع عن قضيته، وأن يختلف مع غيره، من دون أن يتحول الاختلاف السياسي إلى اتهام جماعي.
وفي النهاية أقولها بكلماتي:
إن كان حبي لفلسطين جريمة، فأنا أكبر مجرم في العالم.
لكن حب فلسطين لا يعني كراهية اليهود.
والدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا يعني استهداف المدنيين.
ورفض الاحتلال لا يعني رفض الإنسان.
فلسطين ليست منظمة.
فلسطين شعب.
فلسطين أرض.
فلسطين ذاكرة.
وفلسطين حق في الحرية.
مقاومة الاحتلال ليست هوية إرهابية، والجريمة ليست هوية شعب.