خالد غنام

فن الخسارة بلا هزيمة

مقالات
فن الخسارة بلا هزيمة

فن الخسارة بلا هزيمة

 

بقلم خالد غنام

10-09-2014

 

الهزيمة تعني الخسارة المطلقة، ولم يصل إليها إلا قلة قليلة في تاريخ النضال الإنساني، فلا يمكن أن نعتبر الخسارة الكاملة هزيمة؛ فهذا اليأس، وهو الطريق السريع نحو الهزيمة. هكذا قلت لصديقي الصغير كُمار، الذي يعتز بأنه سليل من ماتوا دفاعًا عن القلعة الأخيرة لجبهة نمور التاميل إيلام، وهو للأسف، رغم ثوريته المتفتحة، أصابه بعض الإحباط، وطلب مني أن أعلمه فكرة طائر الفينيق وسم كيلوبترا. طلب مني أن أشرح له أن خسارة كل المعارك لا تعني الهزيمة، وأن استعبادنا من الأعداء لا يعني أننا عبيد.

كُمار يا عزيزي: كل البدايات هي فلسطينية، ولك أن تصدقني أننا أول من صمد بحصار المدن، وأول من تمرد على ثقافة المحتل، أول الضعاف المنتصرين. تقول لي: اشرح لي سم كيلوبترا ملكة مصر، ونحن ندرسها لنتعلم فنون الثورة وكيف نفدي بأرواحنا أمل النصر. كيلوبترا كانت ملكة لدولة محتلة، وتحالفت مع أحد محتليها ضد آخر، فخسر حليفها وتوعد أن ينتقم من مصر كلها، فجاءت لعبة موت الخيانة والخروج من المصيدة. فالفكرة أنها تريد أن تغيّر حليف مصر من الخاسر للمنتصر، وكان هذا غير مقنع إلا بتغيير رأس الحكم في مصر وقتل الملكة. والأهم من نوع السم الذي قتل كيلوبترا هو الرسالة التي وجهتها لابنها حتى يقنع المنتصر أنه بريء من كل أفكار أمه، وهذا ما حدث، وأنقذت كيلوبترا بلدها بموتها وإعلانها خائنة، وقلب حلفاء مصر مع الملك الجديد، لكن بطليموس لم يُدخل مصر وحدها بالحلف، وأصر على التحالف مع الكنعانيين.

وقبلها بمائة عام، كتب هيرودوت في كتابه أن طائر الفينيق يخرج من الرماد ليحلّق في السماء من جديد، وكتب الكثير بوصفه ألوانًا ومراحل تكوين، وقال إنه أمل كل مظلوم، وأن العدالة مهما بهت بريقها فهي ستبقى موجودة، وأن الحق هو المنتصر مهما طال ظلم الباطل، وقال إن طائر الفينيق يعشق السفر إلى قبلة الحرية ومصنع الثوار على الساحل الكنعاني.

لكننا يا كُمار، قبل ذلك بألف عام، كنا أضعف من أن ننتصر، إلا أننا دخلنا معركة لكي نخسر ولا ننهزم، معركة سجلها ما زال مكتوبًا، معركة مجدو (تل المتسلم قرب حيفا)، في تحدٍّ لتحتمس ورفض دفع الضرائب، مع حركة عصيان مدني منظم شملت أرض كنعان كلها، وكتبنا آلاف العرائض، وعديد الوفود ذهبت، وما أصعب أن تفاوض الاحتلال قبل أن يحتل، وأنت على يقين أنه قادم، وأنه سيسفك الدماء وينهب الخيرات ويستبيح كل شيء.

كنا يا كُمار بلاد الممالك الصغيرة، فكل ناحية مملكة، وكل مدينة لها ملك وآله وجيش ومعبد، لكننا توحدنا حول قادش (كُدِشّ ملك كجدو)، الذي قال لنا: سنبني مجد أحفادنا قبل أن نتزوج، ونصنع إمبراطورية العدل في زمن الظلم، سنصعد إلى فردوس الأسطورة ونعلم أحفادنا معنى البطولة. قال قادش: لا تحاربوا واستسلموا حتى لا تُقتلوا كثيرًا، ومن يرد منكم القتال فعليه أن يحضر لمجدو، فيها سنموت دون أن ننهزم. فامتلأت مجدو بالفرسان، وكل القرابين أُرسلت لمحرقة الأرواح التي ستفدي كنعان كلها.

هجم تحتمس هجوم الباحث عن مجد البطولات، فقتل وسرق وساق الظلم الكافر على كل العباد، وقال: أنتم الهكسوس، أنتم من سرق مصر من جدي. ودخل برًّا وبحرًا على غزة وعكا، وحاصر مجدو وحرق حاصور. قال لمجدو: أريد قادش أن يُقبّل نعلي وأعفي عنكم جميعًا، أريد أن أشرب الخمر بجمجمة قادش، أريد أن أقتل قادش ألف مرة، ثم أحرقه، ثم أقتله من جديد.

حصار ضُرِبَ على مجدو سبعة أشهر، ولكن قادش رفض أن نذبح ذبيحة، ولا نأكل إلا زيتًا وزعترًا بخبز مالح، ولا نشرب إلا الماء، رغم أننا كنا نملك خيرًا كثيرًا من المواشي والحبوب والخمور وكل خير فلسطين. لكن قادش أصر علينا، ونحن له كنا طائعين. قادش كان لا يقتل العملاء، بل كان يعطف عليهم ويعطيهم ذهبًا وحصانًا، ويقول لهم: ارحلوا عن مجدو، فالموت هنا للثوار فقط.

وفي نهاية الشهر السابع، قال لنا قادش: لقد نجحنا، لم ننهزم. لقد جاء تحتمس يريدنا أن نقول إنه إله لنا ونحن نعبده، وأن أرضنا هي ملكه ونحن عبيده، وأن أولادنا ليسوا سوى عبيد قبل أن يولدوا. وها هو يقبل أن يأخذ الضريبة والغنيمة، ويترك لنا أرضنا وعرضنا، ولنا أن نعبد ما نشاء، وأولادنا أحرار حتى بعد موتهم.

قال قادش: أنا ذاهب إلى النصر القادم، وأما أنتم فلن تنهزموا، فلا تحاربوا، بل قاتلوا واخسروا حتى لا يبقى طريق الظالمين سهلًا. ودخل قادش بيته في مجدو، ودخل جنود تحتمس مجدو وغنموا كل المواشي والحبوب وفرحوا بها، ولم يقتلونا، بل قالوا: ارحلوا عنها، لا نريد إلا قادش. أين قادش؟ قادش النصر القادم، قادش الحلم النائم في جوف الحرية. كل جنود تحتمس وسحرته وكهنته لم يجدوا قادش. ومجدو حوصرت، وطُردوا وأُسروا كل مجدو إلا قادش؛ قادش الذي صعد إلى السماء ليسرق لنا نور نجمة النصر ويعمّر لنا قلعة فوق كل غيمة. وكل ما تبقى لنا من ذكراه سوى خبزة مغموسة بزيت وزعتر، إيمانًا منا أنه عنوان أول صمود لثورة علّمتنا أننا سنخسر أحيانًا، لكننا لن نُهزم أبدًا.

 

خالد أبو عدنان

ولدت لاجئًا وأحيا مهاجرًا.

 

شارك هذه الصفحةمشاركة على فيسبوك