خالد غنام

ثورة البندورة في الخطاب السياسي الفلسطيني

مقالات
ثورة البندورة في الخطاب السياسي الفلسطيني

 ثورة البندورة في الخطاب السياسي الفلسطيني

 

بقلم خالد غنام

08/10/2014

 

تخيل أنه ما في بندورة؟ كيف ممكن تعمل سلطة أو صينية بامية؟ هل غياب البندورة ممكن أن يؤثر على الخطاب السياسي الفلسطيني؟

منذ أن عرف الإسبان الطماطم في منتصف القرن السابع عشر، نشروها في أرجاء العالم ضمن حملتهم للسيطرة على الأسواق الدولية، إلا أن الطماطم انتشرت بسرعة جنونية يصعب السيطرة عليها، فقد زُرعت في كل أرجاء المعمورة، وغيرت مذاق الطعام في مختلف البلدان، ولا تعتبر فلسطين استثناءً لذلك!!!

هناك عدة روايات عن دخول الطماطم إلى فلسطين، ونورد ما نتوقع أنه أقرب إلى الدقة. الرواية الأولى أنها جاءت هدية من مصر لدار طوقان في نابلس عام 1754، وكان اسمها طماطم، وكانت خضراء اللون، وتؤكل مطبوخة بزيت الزيتون مع البصل والكزبرة، وهي إفطار الباشوات، واسم الأكلة الطوقانية أو طوقانية طماطم. والرواية الثانية أنها جاءت هدية للظاهر العمر الزيداني من صديق حلبي عام 1773، وكان اسمها بندورة، وهي حمراء اللون، وتؤكل نية أو تُشرب عصيرًا. وقام الظاهر العمر بإهداء حبتين لراهب مسيحي في مدينة عكا، الذي قام بزراعتها، وبعد فترة من الزمن عزم الظاهر العمر على الفطور، وكان ضمن المائدة صحن فيه باذنجان مقلي وفوقه بندورة مشرحة نية، وباقي التتبيلة المعروفة لسلطة الراهب. أما الرواية الثالثة، فهي في عام 1787، حيث قام تاجر من بيت الدجاني بشراء مواد غذائية من مدينة نابولي الإيطالية قبل موسم الحج المسيحي، بغرض تجهيز خانات عكا ويافا بما يلزم الحجاج، وكان بين هذه المواد مرطبانات مخلل بندورة.

والثابت أن زراعتها انتشرت في الجليل عامة، وعكا خاصة، وأصبحت جزءًا من الخضروات البلدية؛ بل إنها عدّلت مذاق الطعام في فلسطين؛ فهي نافست اللبن والطحينة كإضافة منكهة للطعام، بل إن العديد من الأكلات التي كانت تؤكل على إدامها أصبحت تُطبخ بالبندورة، وقد نافست زيت الزيتون بأهمية ضرورات المطبخ؛ كما أنها نافست المخللات ودخلت مع الزيتون في الجرة نفسها. وأما تخزينها، فكل طرق تجفيفها أو صناعة رب البندورة مأخوذة من حلب، إلا أن الفلسطينيين كانوا يطلقون عليها اسم نبتة الجنية: بالصيف عكاوية، وبالشتا غورانية، فهي طازجة دائمًا!!!

لكن البندورة نبتة ثورية، وتعد من رموز الثورة الفرنسية؛ حيث إن أصحاب القبعات الحمر كانوا يصرون على أن ثورتهم حمراء، وكانوا يعتبرون أي شيء أحمر يرمز لثورتهم، لذا كانوا يأكلون مفروم البندورة بشكل جماعي إيمانًا منهم بأنه أكل ثوري؛ وبنفس الوقت، فإن للبندورة قصصًا ثورية في فلسطين!!!

ويدلل على ذلك قصص عديدة، نذكر منها قصة الجابي العثماني عام 1793 في منطقة عكا؛ حيث إنه أصر على تسميتها بطماطم، إلا أن أهالي الطنطورة أصروا على أنها ليست طماطم، بل بندورة بعلية، وهي نبات ينمو وحده، وهي لا تباع ولا تشترى؟ وفي نهاية سجل الجابي: أن هناك نباتًا بعليًا يسمى بندورة، يشبه الطماطم، لكنه لا يباع ومعفي من الضريبة، بعد أن قبض المعلوم.

وقصة أخرى مع نابليون بونابرت، ذلك الإرهابي الذي نكّل بمدن الساحل الفلسطيني، وخاصة يافا؛ وكان جنوده يخيمون بحواكير يافا ويأكلون من خيراتها. وذات مرة أكل نابليون حبة بندورة، وقال: هذه الطماطم مالحة، ليست سكرية مثل الطماطم الفرنسية؛ إجلبوا لي صاحب الحاكورة! وعندما أحضروا الرجل اليافاوي، سأله نابليون: كيف تزرعون الطماطم، وماذا تضعون عليها لتصبح مالحة؟ فرد اليافاوي: هاي بندورة مش طماطم!!! فغضب نابليون وأمر بقتل أهله أمامه، ثم قطع أطرافه وجعله يموت على مراحل.

وقصة أخرى عن فندق الكرمل، الذي وضع سلطة الراهب وبيتزا ماجريت ضمن قائمة طعامه عام 1887، ضمن حملة الدعاية لموسم الحج المسيحي. وقصة أخرى بذات الفندق عام 1918، حين قُدّم إفطار للحاكم العسكري البريطاني، عبارة عن قلاية لحمة خروف وبندورة وبصل ولية، فسأل الحاكم العسكري عن اللية، فقال له صاحب الفندق: هي بديل الزيت، وهي أطيب مع البندورة؟ فقال له الحاكم العسكري: ما هي البندورة؟ هذه طماطم! فرد صاحب الفندق: هاي بندورة عكاوية بعلية مش طماطم!!! فأمر الحاكم العسكري بمصادرة الفندق وتحويله إلى مقر للحاكم العام، ثم حُوّل إلى مقر الإدارة المدنية عام 1922.

وفي قصة أخيرة، أيام الحرب الأهلية اللبنانية، وعندما كان الموارنة يقتلون الفلسطينيين لمجرد أنهم فلسطينيون؛ كانت البندورة الفلسطينية ـ بسكون النون ـ تتميز عن أخواتها الشامية واللبنانية؛ مما جعل الموارنة يطلبون من الموقوفين أن ينطقوا كلمة بندورة، والذي يلفظها باللهجة الفلسطينية كان يُقتل فورًا!!!

إذن، البندورة لها خصوصية محلية في فلسطين؛ وهي قدرة الفلسطيني على تحويل المستورد ليصبح بلديًا أصليًا؛ والبندورة استثناء لخصوصية الهوية الفلسطينية وتميزها في محيطها العربي، وهي قدرة الإرادة الفلسطينية على توظيف كل جديد من أجل إغناء الهوية الوطنية.

ولعل الخطاب السياسي الفلسطيني يتأثر بالبندورة أحيانًا، فيكون مفهومًا ومقبولًا محليًا؛ إلا أن بعض الخطابات السياسية الفلسطينية تكون لها نكهة الطماطم، فلا يفهمها الشعب الفلسطيني، بل أحيانًا يعتبرها غريبة ولا تمثله، حتى لو ادعى الخطباء أن هذا النوع من الخطابات مفيد لنا، أو أنه موجه للرأي العام الدولي الذي لا يفهم إلا لغة الطماطم؛ أو أننا سنخسر حلفاءنا وأصدقاءنا إذا انغلقنا على بندورتنا البلدية؛ والأصل أن يكون الخطاب السياسي الفلسطيني معبرًا عن تطلعات الشعب الفلسطيني الذي لا يعرف إلا البندورة.

 

خالد أبو عدنان

ولدت لاجئًا وأحيا مهاجرًا.

شارك هذه الصفحةمشاركة على فيسبوك