خالد غنام

دور الإعلام المقاوم في الدعاية الثورية

مقالات
دور الإعلام المقاوم في الدعاية الثورية

دور الإعلام المقاوم في الدعاية الثورية

 

بقلم خالد غنام

30/08/2026

 

عصر المعلومات حرب الكلمات وفوضى الأفكار وضبابية الأخبار، تستهلك كل فضول المواطن العالمي في عشقه للمعلومة؛ المعلومة يريدها سريعة جريئة، فلا يهم المصدر ولا يهم طريقة عرض الخبر أو الهدف من نشره، فهي جزء من نظرية الفوضى الخلاقة التي تشكك المواطن بكل ما هو ثابت، وتحركه باتجاه إجباري نحو الانحناء والسير خلف القوة المسيطرة المنتصرة دائمًا، وهي الصديقة العدوة والحبيبة التي نريد قتلها، قائدة العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، بإعلامها ومالها وأعوانها.

وإن كان شعار الثورة: الحقيقة، كل الحقيقة للجماهير، فإننا مطالبون بتوفير إعلام مقاوم قادر على عرض الفكر الثوري وشرح مواقف الثورة وأساليب عملها وآليات تنفيذها، وكل هذا نختصره بمفهوم الدعاية الثورية. فلكل ثورة أهداف سياسية تريد استقطاب الجماهير حولها وتوسيع دائرة الأصدقاء وخلق حلفاء جدد لها، وأيضًا نضال ضد العدو وإعلامه. ولهذا يعتبر الإعلام جزءًا أساسيًا من أطر الإسناد للمقاتلين ووسيلة للتعبئة الجماهيرية للسياسيين، مما جعل الإعلام الثوري ينتج المقاومة بأشكال متنوعة ووسائط مختلفة؛ فكما بدأ بالمناشير السرية والاجتماعات المغلقة، ثم انتقل للأغنية والشعر والمقال، ثم استعمل الكاميرا والفيلم الوثائقي وفن الكاريكاتير، وصولًا إلى الإذاعة الثورية ومجلات المقاومة والخطاب الجماهيري، حتى وصلنا لعصر الإنترنت وتقنياته وحروبه أيضًا. إلا أن الانفتاح الزائد عن الحد خلط بين وحدة الثقافة وإباحية الفكر النرجسي في أوساط المقاومة، وهنا تكمن معضلة الدعاية الثورية بين فكرة المقاومة المنظمة وأفكار لا تعبر إلا عن أصحابها، مما خلق أزمة في فهم النضال الإعلامي والدور المطلوب منه ليكون رافدًا من روافد المقاومة المنظمة.

وتعد الثقافة الثورية الركيزة الأساسية لوحدة الفكر في المقاومة بالمجمل، وبالإعلام المقاوم على وجه الخصوص. والثقافة الثورية لها شقان: نظري يعتمد على التثقيف الذاتي من خلال القراءة والمشاركة بالندوات والفعاليات، وأما التوجيهي فهو ترتيب الأفكار وتنسيق الأعمال وتوحيد الرؤية من خلال الاجتماعات التنظيمية في الأحزاب السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني. أما موضوعات الثقافة الثورية فهي معرفة الوطن وتاريخه وتراثه ونضال ثواره، وأيضًا معرفة الفكر السياسي لفصائل المقاومة وخطها السياسي وبرامج عملها المرحلية، وأيضًا متابعة أخبار المقاومة وأخبار العدو، وأيضًا دخول دورات تخصصية لزيادة المعرفة بأساليب عمل الإعلام المقاوم أثناء الحصار، على سبيل المثال.

في عام 1972 وصلت الثورة الفلسطينية إلى صياغة آلية عمل للإعلام الموحد، شملت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» ومجلة «فلسطين الثورة» وإذاعة «صوت فلسطين» وهياكل أخرى كثيرة، وكانت صيغة توافقية لتوحيد جهود فصائل المقاومة لرفع مستوى الإعلام المقاوم. ولعل أهم أهدافه كانت أن كل الجهود ضد العدو وإعلامه، مع تخفيف التنظير الفصائلي للحد الأدنى والتقليل قدر الإمكان من التطرق إلى العلاقات الخلافية مع الدول العربية. ولعل أول فصيل التزم بفكرة الإعلام الموحد كان حركة فتح، حيث أوقفت مجلتها ونشرتها وإذاعتها، ثم تبعتها الجبهة الديمقراطية ثم باقي الفصائل، وكانت ترجمة حقيقية لفكرة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بعيدًا عن التنظير الفصائلي.

إلا أن الكثير من حلفاء الثورة الفلسطينية رفضوا الفكرة ومنعوا انتشارها في بلدانهم، بل أسسوا إعلامًا موازيًا لإعلام الثورة بغية حرف الشعب الفلسطيني عن المتجهات الفكرية للقيادة الفلسطينية، والترويج لفكرهم القديم أن تحرير فلسطين مهمة الحكومات العربية وأطرها القطرية. فكان المطروح تحميل القيادة الفلسطينية مسؤولية فشل الأنظمة العربية، وفي المقابل التشبث بفكرة الوصاية على الشعب الفلسطيني من بعض الأنظمة العربية، مما أثار مجددًا مسألة حليف الثورة والدور المطلوب منه. فالوصاية تعني فقدان القرار الفلسطيني المستقل، وتعني أن الثورة تقف مع هذا النظام العربي ضد نظام عربي آخر، وتعني أيضًا أن تحرير فلسطين جزء من أهداف الثورة، وباقي الأهداف هي لإرضاء حليف أو حلفاء الثورة في دوامة الصراعات العربية-العربية، التي ما زالت مستمرة في مسلسل التقدم للخلف في مشروع عربي وحدوي نؤمن به ونرفض تطبيقاته التعسفية.

وفي مجال كفاءة الإعلام المقاوم، تعتمد أساسًا على كيفية إيصال المعلومة بالوقت المناسب. ولهذا السبب تكون الإمكانيات المالية وراء بطء بث المعلومة، مما يجعل الجماهير تبحث عن المعلومة في إعلام آخر قد يكون عند حلفاء الثورة، فيأتي الخبر ملونًا بنكهة فكره، أو تكون المعلومة من إعلام العدو فتأتي ملوثة بعدوانيته، أو تأتي من إعلام مستقل فتكون كثلجة في الصحراء. ومن جانب آخر تختلط فكرة الإعلام التجاري بالثوري بالإقليمي، وبين هذه الطروحات الثلاث تتداخل حقيقة الواقع مع صراعات المصالح مع الدعاية لاستمرار الثورة، ورغم كل هذا يبقى الإنسان الفلسطيني بوعيه وتجربته الحكم العادل.

إن رهان العدو الدائم هو سحق الثورة وإضعاف المقاومة من خلال حرب إعلامية، وكذلك يفعل بعض حلفاء الثورة رغبة منهم بالسيطرة على القرار الفلسطيني واستغلال القضية الفلسطينية لتعبئة برامجهم السياسية الإقليمية التوسعية. وفي النهاية يقف الجميع عاجزًا عن كسر إرادة التحدي داخل الفلسطيني المنكوب بوطنه، ومن أجل ذلك يتحمل أن يعيش تحت القصف ويعدد شهداءه ويرى مدنه تُدمّر مرة تلو الأخرى. لكن ما يكسر عزيمة الفلسطيني أن يرى إعلام الثورة موجّهًا لتنظير فصائلي ضيق وتشتيت جهود المقاومة بين مطارحات الأفكار وتحليلات الأخبار بين فصيل فعل وآخر رفض، مما ينقص من جهودنا في صراعنا مع العدو.

الدعاية الثورية تكون بتسخير كل طاقات الثورة الفلسطينية وحلفاء الثورة ضد العدو الصهيوني، والإعلام المقاوم هو من يقوم بالترويج لهذا الفكر الثوري، أما كل من يحيك المؤامرات لتفتيت جبهة المقاومة الداخلية فمجهوده عكسي للقضية، مهما كانت أهداف مروجيها نبيلة. إن الشعب الفلسطيني متوحد حول قضيته ضد العدو الصهيوني، ويصمد بالجبهة الأمامية مع كل فصائل المقاومة الفلسطينية، وكله إيمان بعمق امتدادنا العربي، ومطلبه الحقيقي إيجاد إعلام مقاوم قادر على الدعاية للثورة.

 

خالد أبوعدنان

ولدت لاجئًا وأحيا مهاجرًا 

شارك هذه الصفحةمشاركة على فيسبوك
دور الإعلام المقاوم في الدعاية الثورية — موقع الكاتب خالد غنام