انتقال السلطة عند الآلهة

انتقال السلطة عند الآلهة
بقلم خالد غنام
26/09/2014
تُقاس قوة القائد السياسي باختيار صحيح لبطانته، أي نائبه أو وزيره؛ على أن يدين الوزير بالولاء والطاعة لقائده، ويسعى جاهدًا لتقوية قائده بتفانٍ وإخلاص، دون أن ينظر لمستقبله السياسي الخاص، فكل مجهوده لرفعة وتعزيز مكانة قائده. وهذا أمر واقعي نلمسه في الدولة الحديثة وبأشكال مختلفة وأساليب متلونة؛ وهنا نسرد أسطورة خرافية من التاريخ القديم في بلاد الرافدين.
نص الترتيلة مترجم إلى العربية من السومرية:
إنليل، الذي أمره واسع المدى، وكلمته مقدسة، السيد، الذي لا يقبل منطوقه التغيير، والذي يقرر المصائر إلى الأبد، الذي يتقن أحكام السلطة والسيادة والإمارة، ويطأطئ آلهة الأرض رؤوسهم أمامه...، إلى وزيره المعظم، نوسكو، عهد بتنفيذ أوامره الشاملة، واستودعه كل الشرائع المقدسة، كل الأحكام المقدسة...
الفكرة من هذا النص هي:
أن الإله الحاكم إنليل لا يقبل مساعدة أي إله آخر له في أمور الحكم، بل يعهد بذلك لمن هو أدنى منه، وهو وزيره نوسكو؛ وهذا عُرف عند كل الآلهة البابلية والسومرية؛ ويُعد نوسكو بمثابة الهيئة التنفيذية بالسلطة، والإله هو الهيئة التشريعية؛ وفي الأديان القديمة كان الاعتقاد أن الآلهة تموت، ولا بد أن تتسلم آلهة جديدة الحكم دون الدخول في صراعات بين طبقة الآلهة.
فكرة نوسكو الوزير المنفذ هي المخرج الأول لمنع الصراعات؛ فلا أحد من الآلهة يتدخل بشؤون غيره من الآلهة، والصدامات تكون بين نوسكو هذا الإله ونوسكو ذاك الإله؛ وفي النهاية يقرر الآلهة أي نوسكو مخطئ، فيُقتل.
فكرة نوسكو، المخرج الثاني في حروب الآلهة؛ حيث إن عائلة الإله لا تعرف أسرارًا ولا أي معلومات، فكلها بين الإله ونوسكو، ولهذا تكون طبقة الآلهة محمية، أما نوسكو فهو العبد المطيع وكبش الفداء.
فكرة نوسكو والمخرج الثالث؛ كانت الآلهة تموت وتتسلم آلهة جديدة السلطة، ولكن بطريقة سلمية عن طريق استخدام نوسكو؛ فعندما يموت إله معين، يتم تعيين نوسكو الخاص به برتبة إله لتسيير الأمور لحين اجتماع عشيرة الآلهة لتقرر من هو الإله الجديد ليحكم؟
ثم يتم تعيين الإله الجديد، ويتم الاعتراف به رسميًا من طبقة الآلهة، ثم تقام الصلوات ويُعبد من قبل عبيده، وبعدها يبدأ تعلم فنون الحكم من نوسكو الإله القديم، كما يبدأ خزن أسرار السيادة والسلطة التي لا يعرفها إلا نوسكو، ثم يتدرج في طرق اتخاذ القرار وكيفية التحضير لاجتماع عشيرة الآلهة.
عندما يصبح الإله الجديد هو السلطة والسيادة والطاقة المنفذة؛ تطلب عشيرة الآلهة منه قرض الهيبة؛ أي إثبات أنه الحاكم الناهي، وهو إله جديد لا تابع لإله قديم مات ولم يعد يحكم؛ فيذهب الإله إلى نوسكو ويقول له: هل بقي عندك شيء تعلمه لا أعلمه؟ فيجيب نوسكو: لا يا سيد الكون، ولا أعلم إلا أن أنفذ قراراتك؛ فيقول له الإله: إذن مت أو أقتلك؛ فيقول نوسكو: رحمني من أن أموت، وأتشرف أن تقتلني!!!
فيقوم الإله بقتل نوسكو، ثم يذهب بالهدايا والعطايا لعشيرة الآلهة التي تباركه بالبخور والخمور، وتمنحه عشر جوارٍ، وحقه أن يتزوج وينجب بشرط أن يختار نوسكو جديدًا له خلال فترة شهر قمري.
قد تبدو الصورة ظلامية لمن يقبل بدور نوسكو في السياسة الحديثة؛ إلا أنها فكرة السياسة الوقحة، حيث لا يُقبل إلا الولاء الأعمى لحماية القائد الأوحد؛ وكل ما نراه في عالم السياسة هو حرب بين نوسكو هذا القائد ونوسكو ذاك القائد، وفي النهاية يجتمع القادة على غرار اجتماعات عشيرة الآلهة ليقرروا أي نوسكو سيُقتل أو يُنهي خدماته ويُقطع لسانه؛ إلا أن التاريخ يذكر أن من يقبل بدور نوسكو يعرف أن نهايته ستكون مثل أي نوسكو.
خالد غنام أبو عدنان
ولدت لاجئًا وأحيا مهاجرًا.