خالد غنام

المجتمع المسيحي الفلسطيني في قطاع غزة: المكانة التاريخية والدور الوطني وتحديات الواقع

مقالات
المجتمع المسيحي الفلسطيني في قطاع غزة: المكانة التاريخية والدور الوطني وتحديات الواقع

المجتمع المسيحي الفلسطيني في قطاع غزة: المكانة التاريخية والدور الوطني وتحديات الواقع

قراءة نقدية في كتاب للدكتورة إلهام جبر شمالي والدكتور منصور أحمد أبو كريم

بقلم خالد غنام – أستراليا

07/11/2026

يا جرس الكنيسة دقّ، ويا صوت الأذان 

دلعونا، يا فلسطين، شعبك واحد مهما كان 

 

لا فرّقتنا طايفة، ولا خوّفنا احتلال 

مسلم ومسيحي سوا، على درب النضال 

 

دلعونا، دلعونا، يا أرض العزّ والكرامة 

فلسطين بتجمعنا، وبترفع راية السلامة 

 

إن قراءة تاريخ الصراع الصهيوني في فلسطين تكشف أن المشروع الصهيوني لم يستهدف الفلسطينيين بسبب دينهم أو طائفتهم، بل استهدف وجودهم على أرضهم، بمختلف انتماءاتهم ومعتقداتهم. ولم يكن المسيحيون الفلسطينيون بعيدين عن هذه المواجهة؛ فقد أدركوا مبكراً طبيعة المشروع الصهيوني، ورفضوا محاولات توظيف الدين لتبرير استعمار فلسطين وتهجير أهلها. وتشير الروايات التاريخية إلى أن شخصيات ومرجعيات مسيحية فلسطينية نظمت الاعتصامات وقدمت العرائض إلى الحكومة العثمانية منذ أواخر القرن التاسع عشر، احتجاجاً على النشاط الصهيوني الأوروبي وما رافقه من شراء للأراضي ومضايقات للسكان الفلسطينيين.

ولم يكن اعتراض المسيحيين الفلسطينيين على الصهيونية موقفاً دينياً منعزلاً، بل كان موقفاً وطنياً نابعاً من انتمائهم إلى فلسطين. فقد رأوا في الخطاب الصهيوني الذي يستند إلى بعض النصوص والروايات الدينية محاولة لاستخدام الدين غطاءً لمشروع سياسي واستيطاني. ومن الضروري هنا التمييز بين اليهودية كديانة وبين الصهيونية كحركة سياسية أوروبية استعمارية؛ فانتقاد توظيف النصوص الدينية لتبرير الاستعمار لا يعني معاداة اليهود أو ديانتهم، وإنما يعني رفض تحويل المعتقد الديني إلى وسيلة للاستيلاء على أرض شعب آخر.

وبعد انتهاء الحكم العثماني ووقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، كانت لدى بعض المسيحيين الفلسطينيين توقعات بأن بريطانيا، التي قدمت نفسها حامية للمسيحيين والكنائس، ستوفر لهم الحماية وتحافظ على حقوقهم. لكن هذه التوقعات اصطدمت بوعد بلفور عام 1917، ثم بسياسات الانتداب التي عملت على تنفيذ المشروع الصهيوني وترسيخ فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين. ولم يجد الفلسطينيون المسيحيون في هذه السياسات حماية لوجودهم أو حقوقهم الوطنية، بل وجدوا أنفسهم أمام سلطة استعمارية تساند المشروع الصهيوني وتتعامل مع المطالب الفلسطينية باعتبارها عقبة أمامه.

وكان من نتائج ذلك أن تمسكت قطاعات واسعة من النخب المسيحية الفلسطينية بعروبتها وانتمائها الوطني، واستخدمت الصحافة والكنائس والجمعيات والمنابر العامة للتعبير عن رفضها للصهيونية وسياسات الانتداب البريطاني. وشاركت شخصيات مسيحية في المؤتمرات والجمعيات الإسلامية المسيحية والحركة الوطنية الفلسطينية، وأكدت أن القضية الفلسطينية قضية شعب بأكمله، وليست قضية المسلمين وحدهم. كما صدرت مواقف وبيانات مسيحية رافضة للمشروع الصهيوني، واعتبرت أن الدفاع عن فلسطين ومقاومة الاستعمار جزء من مسؤوليتها الوطنية.

ومن القضايا التي برزت في ذلك الوقت قضية بيع الأراضي للمؤسسات والحركات الصهيونية. فقد اعتبر الوطنيون الفلسطينيون، مسيحيين ومسلمين، أن التفريط بالأرض لا يمثل مجرد تصرف عقاري أو مصلحة فردية، بل يساهم في تمكين المشروع الاستيطاني على حساب أصحاب الأرض. وصدرت مواقف دينية ووطنية تحذر من هذه الممارسات وتدين من يساهم فيها. وقد اتخذت بعض المرجعيات الإسلامية مواقف فقهية صريحة من بيع الأراضي للصهاينة، فيما عبّرت المرجعيات والشخصيات المسيحية الوطنية عن رفض التفريط بالأرض واعتباره خيانة للوطن والقضية. وهذه المواقف تؤكد أن المسيحيين الفلسطينيين لم يكونوا متفرجين على ما يجري في بلادهم، بل كانوا جزءاً من النضال الفلسطيني ضد الاستعمار والصهيونية.

من هنا أجد أن كتاب "المجتمع المسيحي الفلسطيني في قطاع غزة: المكانة التاريخية والدور الوطني وتحديات الواقع (دراسة حقلية)"، للدكتورة إلهام جبر شمالي والدكتور منصور أحمد أبو كريم، يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يتناول جزءاً أصيلاً من المجتمع الفلسطيني، ربما لا يحظى بما يستحقه من اهتمام في الدراسات والكتابات الفلسطينية. فهذا المجتمع، رغم صغر عدد أفراده، يحمل تاريخاً طويلاً وحضوراً ثقافياً ووطنياً مهماً، كما أن تجربته تكشف جانباً من طبيعة المجتمع الفلسطيني وتكوينه وتنوعه الديني والاجتماعي.

فالكتاب لا يكتفي بتناول الوجود المسيحي في غزة من زاوية دينية، بل يحاول توثيق تاريخه ودوره السياسي والوطني، ويسلط الضوء على المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية التي ساهمت في الحياة العامة، كما يناقش التحديات التي تواجه هذا الوجود في ظل الاحتلال والحصار والحروب والانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

ولعل أول ما يستحق التوقف عنده هو موضوع الدراسة نفسه. فالمسيحيون الفلسطينيون ليسوا جماعة وافدة على فلسطين، ولا ظاهرة طارئة على تاريخها، بل هم امتداد تاريخي واجتماعي وثقافي متجذر في هذه الأرض منذ القرون الأولى للمسيحية. ولذلك لا أرى أن الحديث عنهم ينبغي أن يبدأ من سؤال كيفية الحفاظ على أقلية دينية، بل من الاعتراف بأنهم جزء من تكوين المجتمع الفلسطيني، وأن تاريخهم وتجربتهم الوطنية لا ينفصلان عن تاريخ فلسطين وشعبها.

 

أولاً: استعادة التاريخ وإبراز الدور الوطني

تكتسب النظرة التاريخية التي يقدمها الكتاب أهمية خاصة، فهو يتتبع دخول المسيحية إلى مدينة غزة منذ العهد المسيحي الأول، ويتناول بناء أول دير مسيحي في فلسطين، إلى جانب الرواية التراثية المرتبطة بـ "الجميزة المباركة"، وما تحمله من دلالات في الذاكرة الشعبية والدينية. كما يحاول تفسير نشوء التعدد الطائفي المسيحي في غزة، ويربطه بصورة رئيسية بانقسام الدولة الرومانية إلى شرقية وغربية، وما ترتب على ذلك من اختلافات داخل الكنيسة. ثم يتناول مراحل لاحقة ارتبطت باستقرار رهبان أقباط وسريان ويونان في المدن الفلسطينية، وهجرة الأرمن إلى فلسطين، وصولاً إلى الإرساليات التبشيرية الأوروبية التي ساهمت في ظهور طوائف مسيحية جديدة.

وهذا العرض مهم لأنه يضع التعدد الطائفي المسيحي في غزة ضمن سياقه التاريخي، ويبين أنه لم يظهر دفعة واحدة، بل كان نتيجة مراحل متعاقبة من التحولات الدينية والهجرات والاستقرار والتأثيرات الخارجية. ومن المهم، في تناول هذه الروايات، التمييز بين الوقائع التاريخية المثبتة والروايات التراثية التي تناقلتها الذاكرة الشعبية، حتى لا تختلط الرواية الدينية أو المحلية بالحقيقة التاريخية الموثقة.

أما الفصل الثاني، الذي يتناول الدور السياسي والوطني للمجتمع المسيحي، فهو من الأجزاء المهمة في الكتاب؛ إذ يستعرض مشاركة الفلسطينيين المسيحيين في الحياة السياسية والوطنية قبل عام 1948 وبعده، ومواقفهم من الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني، ومشاركتهم في الحركة الوطنية الفلسطينية ومراحل النضال المختلفة.

وأعتقد أن هذه المشاركة تستحق مساحة أوسع في الكتابات الفلسطينية العامة. فالدور الوطني للمسيحيين لا ينبغي أن يقتصر الحديث عنه على أسماء شخصيات سياسية أو ثقافية معروفة، بل يجب النظر إليه باعتباره تجربة اجتماعية متكاملة شاركت فيها العائلات والمدارس والجمعيات والصحف والمؤسسات والأحزاب والحركات الوطنية.

إن الهوية الفلسطينية لم تتشكل على أساس ديني، ولم تكن يوماً حكراً على جماعة بعينها. وقد ساهم المسيحيون والمسلمون في بناء هذه الهوية والدفاع عنها، وواجهوا معاً الاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني والاحتلال الإسرائيلي. ولذلك فإن استعادة تاريخ المسيحيين الفلسطينيين ليست إضافة منفصلة إلى التاريخ الوطني، بل هي استعادة لجزء أصيل منه.

وفيما يتعلق بتوثيق العائلات المسيحية في مدينة غزة، يذكر الكتاب عدداً من العائلات، لكنه لا يتناول بصورة كافية العائلات المسيحية التي هاجرت إلى غزة بعد نكبة عام 1948، والتي تعود أصول كثير منها إلى يافا واللد والرملة والمجدل وبئر السبع والقرى الفلسطينية المجاورة. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن تاريخ المجتمع المسيحي في غزة لا يقتصر على العائلات التي استقرت فيها منذ أجيال، بل يشمل أيضاً العائلات التي لجأت إليها بعد النكبة واستقرت في أحيائها المختلفة.

وبحسب المعلومات المتوفرة لدي، فإن بعض هذه العائلات لم تسكن مخيمات اللاجئين، بل استأجرت منازل في أحياء مدينة غزة، أو تلقت مساعدات من الكنائس والمؤسسات المسيحية الموجودة فيها. وهذا يثير تساؤلاً حول مدى شمول سجلات الأونروا والبيانات التي اعتمدتها الدراسات في توثيق أعداد المسيحيين وأصول عائلاتهم، خصوصاً أن عدم السكن في المخيم لا يقدم وحده صورة كاملة عن أوضاع العائلات التي لجأت إلى المدينة.

ويذكر الكتاب عدداً من أهم العائلات المسيحية في مدينة غزة، وهي: شاهين، أبو داود، ترزي (طرزي)، حاكورة، جشهان، العمش، الجلدة، وسابا. ويمكن إضافة أسماء عائلات مسيحية أخرى وردت في مصادر ودراسات تناولت تاريخ المجتمع المسيحي في غزة، منها: الصايغ، الخوري، فرح، فرج، الحشوة، قطلي، الترك، شحادة، مصراي، طريفة، الحداد، عودة، القرة، النجار، حبشي، ضبيط، وعازار. كما ترد في مصادر أخرى أسماء عائلات مثل الطويل، الصراف، غطاس، عياد، مسلم، قفة، وشحبير.

ولا أتعامل مع هذه الأسماء باعتبارها قائمة نهائية أو تصنيفاً مؤكداً لأصول العائلات، فبعضها يعود إلى عائلات غزية قديمة، وبعضها ارتبط بعائلات وفروع قدمت من مدن وقرى فلسطينية أخرى، ولا سيما خلال نكبة عام 1948. لكن إدراج هذه الأسماء يفتح المجال أمام استكمال البحث في تاريخ العائلات المسيحية وتركيبتها الاجتماعية، والتمييز بين العائلات التي استقرت في غزة منذ أجيال وتلك التي لجأت إليها بعد النكبة.

 

ثانياً: المؤسسات المسيحية ودورها في المجتمع الفلسطيني

يتناول الكتاب المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية والصحية والاجتماعية التي أسسها المجتمع المسيحي في قطاع غزة، ويعرض دور الكنائس والجمعيات والمدارس والمراكز المختلفة. وما يلفت الانتباه في هذا الجانب أن خدمات هذه المؤسسات لم تكن مقتصرة على أبناء الطائفة المسيحية، بل امتدت إلى مختلف فئات المجتمع الفلسطيني.

ومن أبرز المؤسسات التي يتناولها الكتاب المستشفى الأهلي العربي المعمداني، الذي تعود بداياته إلى عام 1891، وجمعية الشبان المسيحية التي تأسست عام 1952، وجمعية اتحاد الكنائس التي تأسست في العام نفسه لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948. كما يتناول مكتبة الثقافة والنور التي تأسست عام 1969، وكلية غزة التي أسسها الشقيقان شفيق ووديع ترزي عام 1942، إلى جانب عدد من المدارس والمراكز الثقافية والاجتماعية.

وقد قدمت هذه المؤسسات خدمات في مجالات التعليم والصحة والثقافة والرياضة والتدريب المهني والإغاثة الاجتماعية. ولم تكن المدارس المسيحية حكراً على الطلاب المسيحيين، كما لم تكن المستشفيات والمراكز الصحية تقدم خدماتها على أساس الانتماء الديني. فقد فتحت هذه المؤسسات أبوابها أمام المسلمين والمسيحيين، وأسهمت في توفير فرص التعليم والعلاج والتأهيل والعمل المجتمعي لمختلف شرائح الفلسطينيين.

ويشير الكتاب إلى أن أكثر من 90% من المستفيدين من خدمات المؤسسات المسيحية في فلسطين هم من غير المسيحيين، كما يذكر وجود ست وحدات للرعاية الصحية في قطاع غزة تتبع مؤسسات مسيحية، كانت تقدم خدماتها لنحو 169,690 شخصاً سنوياً وفق البيانات التي اعتمدتها الدراسة.

وهذه الأرقام، إذا نظرنا إليها في سياقها، تكشف عن الدور الذي أدته المؤسسات المسيحية في المجتمع الفلسطيني. فهي لم تكن مؤسسات دينية منعزلة، بل جزءاً من البنية الاجتماعية والوطنية، وأسهمت في بناء قطاعات التعليم والصحة والثقافة والعمل الأهلي. كما أن المدارس والجمعيات والمراكز الثقافية شكلت مساحات مشتركة للتعلم والتفاعل بين أبناء المجتمع الفلسطيني، بعيداً عن الاختلاف الديني.

ومن هنا، فإن أهمية هذه المؤسسات لا تقاس فقط بحجم الخدمات التي تقدمها، بل أيضاً بما ساهمت فيه من ترسيخ الشراكة المجتمعية والتعددية الفلسطينية. فالحفاظ عليها وتطويرها ليس شأناً مسيحياً داخلياً، بل مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة، خصوصاً بعد ما تعرضت له غزة من حصار واعتداءات إسرائيلية متكررة وما أصاب بنيتها الصحية والتعليمية والاجتماعية من دمار.

 

ثالثاً: الاحتلال والانقسام والأزمة الاقتصادية ودوافع الهجرة

ينتقل الكتاب إلى دراسة الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وتأثيرها في الوجود المسيحي في غزة. ويُحسب للباحثين أنهما لم يعزلا التحديات التي تواجه هذا المجتمع عن السياق الفلسطيني العام، بل ربطاها بالحصار الإسرائيلي والحروب المتكررة والانقسام السياسي والأزمة الاقتصادية وتراجع فرص العمل.

وهذا الربط ضروري لفهم ظاهرة الهجرة؛ فلا يمكن تفسيرها من خلال عامل ديني أو اجتماعي واحد، ولا من خلال الحديث عن علاقة المسلمين بالمسيحيين بمعزل عن الظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون جميعاً.

وتشير نتائج الدراسة الميدانية إلى أن الأوضاع الاقتصادية جاءت في مقدمة دوافع الهجرة بنسبة 59.6%، تلتها الأوضاع السياسية والأمنية بنسبة 52.6%، ثم الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة بنسبة 50.9%. كما أشارت الدراسة إلى أن التطرف الديني والخطاب المتشدد شكّلا دافعاً للهجرة لدى بعض المشاركين بنسبة 38.6%.

هذه الأرقام مهمة لأنها تضع الهجرة في سياقها المركب، وتمنع اختزالها في تفسير واحد. فالمسيحي الفلسطيني الذي يفكر في الهجرة يواجه، مثل غيره من الفلسطينيين، واقعاً تتداخل فيه البطالة والفقر وانعدام الأفق الاقتصادي مع الحصار والعدوان وعدم الاستقرار السياسي والأمني.

لكنني أرى أن السبب الجوهري الذي يقف خلف التدهور المستمر في ظروف الحياة في القطاع هو الاحتلال الإسرائيلي وما يفرضه من حصار وقيود على الحركة والتنقل والعمل والتجارة، إلى جانب الحروب والاعتداءات العسكرية المتكررة التي دمرت البنية التحتية وألحقت أضراراً واسعة بمختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. وهذه الظروف لا تؤثر في المسيحيين وحدهم، بل تطال المجتمع الفلسطيني بأكمله، لكنها تترك آثاراً كبيرة على مجتمع صغير العدد تتقلص أمام شبابه فرص العمل والاستقرار وتكوين الأسر.

ولا يعني ذلك إغفال العوامل الداخلية التي ساهمت في تعقيد الحياة في غزة، وفي مقدمتها الانقسام السياسي الفلسطيني، وما ترتب عليه من إضعاف المؤسسات وتراجع الممارسة الديمقراطية وغياب الانتخابات الدورية، فضلاً عن ضعف سيادة القانون وتراجع الحريات العامة.

كما أن ظهور جماعات متشددة وخطابات دينية سلبية تغذي الكراهية والتحريض على الاختلاف الديني يثير مخاوف لدى أبناء المجتمع المسيحي، ويؤثر في شعورهم بالأمان والانتماء والمشاركة المتساوية. ولا يعني ذلك أن هذه المظاهر تمثل المجتمع الفلسطيني أو تعبر عن مواقفه العامة، لكنها ظواهر ينبغي الاعتراف بها ومواجهتها، لأنها تتناقض مع تاريخ الشراكة بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين.

ومن الجوانب التي تستحق التوقف أيضاً انعكاسات الانقسام السياسي على فرص العمل والوظيفة العامة. فقد يجد بعض المسيحيين أنفسهم أمام حسابات سياسية وإدارية معقدة عند التفكير في العمل لدى المؤسسات الحكومية في غزة الخاضعة لإدارة حركة حماس، في ظل استمرار الانقسام بين حكومتي غزة ورام الله، وما يرافقه من مخاوف بشأن الاعتراف بالوظيفة أو تبعاتها الإدارية والمالية والسياسية. وهذه المسألة تحتاج إلى شهادات مباشرة من أصحاب التجربة، خصوصاً فيما يتعلق بوجود إجراءات عقابية محددة من السلطة الفلسطينية أو من جهات إسرائيلية أو دولية بحق من يقبلون العمل في مؤسسات حكومة حماس في غزة. لكن مجرد وجود هذه المخاوف يعكس حجم التعقيدات التي فرضها الانقسام على حياة المواطنين، وأثر تسييس الوظيفة العامة في فرص العمل والاستقرار.

ومن مظاهر صعوبة الحياة التي لا ينبغي إغفالها حرمان المسيحيين في قطاع غزة من حرية زيارة الأماكن المقدسة في الضفة الغربية والقدس وداخل الخط الأخضر. فزيارة كنيسة المهد في بيت لحم، وكنيسة القيامة في القدس، وكنيسة البشارة في الناصرة، وغيرها من الأماكن المقدسة، ليست مجرد رحلة دينية أو سياحية، بل هي حق يرتبط بحرية العبادة والحركة والتواصل مع التاريخ والجذور الدينية والوطنية.

إلا أن الاحتلال الإسرائيلي حوّل هذه الزيارات إلى أمر مشروط بالحصول على تصاريح، تخضع لإجراءات وقيود وقرارات قد تتغير بصورة مفاجئة. وقد شهدت السنوات السابقة أمثلة واضحة على ذلك؛ ففي عام 2022 حُرم نحو 200 مسيحي من غزة من الحصول على تصاريح لزيارة بيت لحم خلال احتفالات عيد الميلاد، رغم تقدم الكنيسة بطلبات جماعية. وفي عام 2023، وبعد الموافقة على مئات طلبات زيارة القدس خلال عيد الفصح، أُلغيت التصاريح التي سبق إصدارها، ما حال دون تمكن أصحابها من المشاركة في الاحتفالات الدينية.

وهذا الحرمان لا يقتصر أثره على ممارسة الشعائر الدينية، بل يمتد إلى علاقة المسيحيين في غزة بمدنهم الفلسطينية ومقدساتهم، ويعمق شعورهم بالعزلة الجغرافية والاجتماعية عن بقية أبناء شعبهم. فحرية الوصول إلى المقدسات المسيحية في فلسطين جزء من الحق في حرية الدين والعبادة وحرية التنقل، ولا ينبغي أن تكون خاضعة للإجراءات الإسرائيلية التي تحرم الفلسطيني من الوصول إلى أماكنه المقدسة.

ومن هنا، فإن دوافع الهجرة لا يمكن اختزالها في عامل ديني أو اقتصادي واحد، كما لا يصح فصلها عن الظروف السياسية التي يعيشها الفلسطينيون. فالاحتلال والحصار والحروب تمثل الإطار الأوسع للأزمة، فيما أسهم الانقسام السياسي وغياب الديمقراطية وضعف الحريات وانتشار بعض مظاهر التطرف في تعميقها. وحماية الوجود المسيحي في غزة لا تتحقق فقط بتقديم المساعدات للكنائس والمؤسسات المسيحية، بل تتطلب معالجة الأسباب التي تدفع الفلسطينيين إلى الهجرة، مسلمين ومسيحيين، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال والحصار واستعادة الوحدة الوطنية وبناء مؤسسات ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون وحرية الاعتقاد والممارسة الدينية.

 

رابعاً: ملاحظات على المنهجية والدراسة الميدانية

من الجوانب الإيجابية في الكتاب اعتماده على أكثر من منهج وأداة بحثية، إذ يجمع بين المنهج التاريخي والمنهج الوصفي التحليلي وتحليل المضمون، إلى جانب المقابلات الشخصية والمجموعات البؤرية والاستبانة.

وتذكر الدراسة أنها أجرت 42 مقابلة شخصية، ونظمت مجموعتين بؤريتين ضمتا نحو 15 سيدة من المجتمع المسيحي، كما صممت استبانة ووزعتها على عينة عشوائية قوامها 200 شخص، لكنها حصلت على 97 استجابة فقط، منها 57 إلكترونية و40 ورقية.

وهذا التفصيل مهم عند تقييم النتائج؛ فالمقابلات الشخصية والمجموعات البؤرية تمنح الدراسة بعداً نوعياً، وتساعد على فهم التجارب والظروف التي لا تستطيع الأرقام وحدها تفسيرها. لكن انخفاض عدد الاستجابات للاستبانة عن العدد المستهدف يطرح سؤالاً حول مدى تمثيل العينة للمجتمع المسيحي في القطاع، ومدى إمكانية تعميم النتائج على جميع أفراده.

ومن الملاحظ أيضاً أن بعض النتائج تعتمد على اتجاهات وآراء المشاركين، وهي مهمة بحد ذاتها، لكنها لا تعني بالضرورة إثبات علاقة سببية مباشرة بين عامل معين والهجرة أو تراجع المشاركة الاجتماعية والسياسية. وكان من المفيد أن يميز الكتاب بصورة أوضح بين النتائج الإحصائية وتفسيرات الباحثين لها والاستنتاجات التي تحتاج إلى دراسات إضافية.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن الدراسة تشير إلى صعوبات واجهها الباحثون في الوصول إلى بعض القيادات والأفراد وتعبئة الاستبانات. وكان من الممكن التوقف عند هذه الصعوبات بصورة أوسع، لأنها تكشف عن طبيعة العلاقة بين المجتمع الذي تجري دراسته والباحثين، وعن حساسية تناول قضايا الوجود والهجرة والعلاقات الدينية والسياسية في مجتمع صغير يعيش ظروفاً استثنائية.

 

خامساً: بين حماية الوجود والمشاركة في الحياة الوطنية

من أكثر الجوانب التي تستحق النقاش في الكتاب توصياته المتعلقة بتعزيز الوجود المسيحي في قطاع غزة. فقد دعا إلى توسيع المشاركة السياسية، وإشراك المسيحيين في المؤسسات الرسمية والوطنية، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية، واحترام الحريات الدينية، ومواجهة الخطاب المتشدد، وتطوير العلاقة بين المؤسسات المسيحية ومكونات المجتمع الفلسطيني.

كما طرح الكتاب أفكاراً تتعلق بتخصيص فرص وظيفية ومقاعد في المجالس والمؤسسات المختلفة، وتقديم تسهيلات للمؤسسات المسيحية، وتعزيز حضور المسيحيين في مراكز صنع القرار.

وأعتقد أن هذه التوصيات تعكس إدراكاً لأهمية المشاركة السياسية والاجتماعية، لكنها تحتاج إلى نقاش يتجاوز فكرة حماية جماعة دينية أو تخصيص امتيازات لها. فالمشكلة الأساسية ليست في أن المسيحيين الفلسطينيين يحتاجون إلى مكان خاص داخل المجتمع الفلسطيني، بل في أن جميع الفلسطينيين يجب أن يتمتعوا بحقوق متساوية، وأن تكون مؤسساتهم الوطنية والسياسية مفتوحة أمامهم على أساس المواطنة والكفاءة والمشاركة الديمقراطية.

إن ضمان الوجود المسيحي لا يتحقق بمجرد تخصيص مقاعد أو وظائف، على أهمية إزالة التهميش والتمييز، بل من خلال بناء نظام سياسي واجتماعي يحترم المواطنة والحريات العامة، ويضمن حرية الاعتقاد والعبادة، ويكافح التعصب والتمييز، ويوفر فرص العمل والتعليم والحياة الكريمة لجميع الفلسطينيين.

كما أن تحميل المجتمع المسيحي نفسه مسؤولية كسر حالة العزلة أو ضعف المشاركة يحتاج إلى قدر من التوازن. فالمشاركة ليست مسؤولية جماعة واحدة، بل مسؤولية القوى السياسية والمؤسسات الوطنية والاجتماعية أيضاً. ولا يجوز أن تتحول قلة العدد أو ضعف الحضور في مراكز القرار إلى مبرر لإلقاء المسؤولية على أفراد المجتمع المسيحي، بدلاً من مساءلة البنية السياسية التي لم تنجح في استيعاب جميع مكونات المجتمع الفلسطيني.

المطلوب هو الانتقال من مفهوم حماية الأقلية إلى مفهوم المواطنة المتساوية، ومن التعامل مع المسيحيين بوصفهم جماعة تحتاج إلى رعاية خاصة، إلى الاعتراف بهم شركاء كاملين في تقرير مستقبل وطنهم.

 

سادساً: ما بعد السابع من أكتوبر 2023

 

من الضروري التوقف عند الملاحظة التي وضعها مركز فينيق في بداية الكتاب، والتي تؤكد أن الدراسة أُنجزت قبيل السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأن المركز كان ينوي إصدار طبعة ثانية تتناول الاعتداءات الإسرائيلية على المجتمع المسيحي بعد انتهاء العدوان.

وهذه الملاحظة ليست تفصيلاً تحريرياً، بل تحدد الإطار الزمني الذي ينبغي قراءة نتائج الدراسة ضمنه. فالكتاب يوثق واقعاً سابقاً للحرب، ولا يمكن التعامل مع بياناته بوصفها وصفاً مكتملاً للواقع الذي نشأ بعدها.

لقد أدت الحرب الإسرائيلية على غزة إلى دمار واسع طال البنية السكانية والعمرانية والصحية والتعليمية والاجتماعية، وأثرت في حياة جميع الفلسطينيين، بمن فيهم المسيحيون. ولذلك فإن أي دراسة جديدة للوجود المسيحي في القطاع يجب أن تعيد فحص أعداد السكان وأوضاع العائلات والمؤسسات الدينية والتعليمية والصحية وأسباب الهجرة ومستقبل البقاء وإعادة البناء.

ومن المهم أيضاً ألا تقتصر الدراسة اللاحقة على توثيق الأضرار التي لحقت بالكنائس والمؤسسات المسيحية، بل أن تضع هذه الأضرار ضمن سياقها الفلسطيني العام، وأن تدرس كيف أثرت الحرب في العلاقات الاجتماعية، وفي قدرة المجتمع المسيحي على البقاء والمشاركة في إعادة بناء غزة.

فالكنيسة ليست مجرد مبنى ديني، والمدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، والوجود المسيحي ليس مجرد رقم سكاني. إنها جميعاً أجزاء من الذاكرة الاجتماعية والتاريخية والثقافية الفلسطينية، وأي خسارة تلحق بها هي خسارة للمجتمع الفلسطيني بأكمله.

 

خاتمة

يمثل كتاب "المجتمع المسيحي الفلسطيني في قطاع غزة" محاولة مهمة لتوثيق تاريخ الوجود المسيحي ودوره الوطني والاجتماعي، ولفت الانتباه إلى التحديات التي تواجهه في ظل الاحتلال والانقسام والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وتكمن قيمته في أنه يعيد فتح ملف لا يحظى بما يكفي من الدراسات والاهتمام، ويقدم مادة تاريخية وميدانية يمكن البناء عليها في دراسات لاحقة.

ومن النقاط التي أجدها مهمة في هذا العمل أن الباحثين لم يكتفيا بجمع المعلومات التاريخية والبحثية، بل استعانا باستبيان للرأي شمل مسيحيين من قطاع غزة. وهذه نقطة تمنح الدراسة قيمة إضافية، لأنها تتيح لأبناء المجتمع أنفسهم التعبير عن آرائهم ومخاوفهم وتجاربهم، بدلاً من الاكتفاء بالحديث عنهم أو تقديم تصورات مسبقة حول واقعهم. فمطابقة المعلومات البحثية بآراء الناس الذين تتناولهم الدراسة تجعل النتائج أقرب إلى واقعهم، وتمنحهم فرصة لأن يكونوا جزءاً من كتابة تاريخهم وتوثيق قضاياهم.

وبهذه المناسبة، لا بد من الإشادة بالجهد الذي بذله المؤلفان، الدكتورة إلهام جبر شمالي والدكتور منصور أحمد أبو كريم، وبالدور الذي يقوم به مركز فينيق للأبحاث والدراسات الحقلية في توثيق قضايا المجتمع الفلسطيني. فمثل هذه الدراسات مهمة، ليس فقط لأنها تحفظ جانباً من التاريخ الفلسطيني، بل لأنها تفتح المجال أمام نقاش أوسع حول طبيعة مجتمعنا وتنوعه وتجربته الوطنية.

وفي تقديري، فإن القضية الأساسية التي ينبغي أن ننطلق منها هي أن المسيحيين الفلسطينيين ليسوا جالية أجنبية، ولا جماعة وافدة، ولا أقلية منفصلة عن شعبها. إنهم فلسطينيون، وجزء أصيل من تاريخ هذه الأرض وحاضرها ومستقبلها. عاشوا فيها عبر قرون طويلة، وشاركوا في بناء مجتمعها، وكانوا جزءاً من حركتها الثقافية والسياسية والوطنية، ودفعوا، مثل سائر الفلسطينيين، ثمن الاحتلال والتهجير والحروب.

إن الدفاع عن الوجود المسيحي في فلسطين لا ينبغي أن يكون قضية طائفية أو شأناً يخص الكنائس والمؤسسات الدينية وحدها، بل هو قضية وطنية تتعلق بطبيعة المجتمع الفلسطيني الذي نريد بناءه. ففلسطين لم تكن يوماً وطناً للمسلمين وحدهم أو للمسيحيين وحدهم، بل وطن شعبها بكل مكوناته. والمطلوب أن ننتقل من الحديث عن حماية أقلية إلى تأكيد حق المواطنة المتساوية، ومن النظر إلى المسيحيين باعتبارهم جماعة تحتاج إلى رعاية خاصة، إلى الاعتراف بهم شركاء في الوطن والنضال وتقرير المصير.

فخسارة أي مكوّن من مكونات المجتمع الفلسطيني هي خسارة لفلسطين نفسها، لتاريخها وتنوعها وهويتها. والحفاظ على الوجود المسيحي الفلسطيني هو جزء من الحفاظ على المجتمع الفلسطيني كله، وعلى حقه في الحرية والكرامة والحياة.

 

شارك هذه الصفحةمشاركة على فيسبوك