نبتة العكوب من الآرامية إلى العصر الحديث
- الأبحاث
- نبتة العكوب من الآرامية إلى العصر الحديث
شارك البحث:
نبتة العكوب من الآرامية إلى العصر الحديث بحث خالد غنام (لقراءة البحث كامل افتح الرابط المرفق ) نبذة مختصرة العكوب هو نبات شوكي بري ينمو في مناطق المشرق العربي وتركيا وإيران وكردستان وأرمينيا وعدد من دول وسط آسيا وشرق أوروبا.. يُعد من النباتات الغذائية والطبية التي ارتبطت بالتراث الشعبي والديني منذ آلاف السنين. يتميز هذا النبات بوجوده في مصادر تراثية (الأمثال والأغاني الشعبية)، وعلمية (الإثنوبوتانيات)، وزراعية (طرق الزراعة والحصاد). ويعتبر العكوب من النباتات الموسمية المهمة في المطبخ الفلسطيني والعربي والتركي والكردي والإيراني، ويُستعمل في علاج بعض الأمراض وفقًا للتقاليد الشعبية. إلا أن ذكره في المصادر الدينية (التوراة والتلمود والمشنا والإنجيل)، كان سلبياً للغاية؛ فقد تم ذكره بأنه شوك ضار، مرتبط بالعقاب الرباني وعذابات الإنسان. العكوب أحد رموز الهوية الفلسطينية ما زال صامداً في وجه السياسات الإسرائيلية الجائرة؛ التي تعمل على منع الفلسطينيين من التحرك بحرية في أي مكان داخل حدود فلسطين الطبيعية. ففي كل فصل الربيع تنثر الأرض الفلسطينية خيراتها من الأعشاب والنباتات والأزهار البرية، التي تعتبر جزءًا هامًا من تراثيات الشعب الفلسطيني، فقد تفنن الفلسطينيون في طرق استخدامها، فهي جزء هام من المطبخ الفلسطيني، وهي جزء من الطب الشعبي الفلسطيني، وهي جزء من فنون تصميم الأدوات المنزلية، وهي جزء من فنون الأصباغ الطبيعية. فقام الفلسطينيون عبر التاريخ في الحفاظ على الأعشاب والنباتات والأزهار البرية؛ فهم يعرفون طرق جمعها، وأهمية الحفاظ على استمرار نموها بالبرية: فلا يقطعونها بشكل يؤدي إلى انقراضها، فتبقى البذور والدرنات والبيوت الزرعية والجذور؛ تطرح خيرها من جديد في موسم الربيع القادم. يعتبر الحفاظ على استمرارية وجود العكوب أمراً سهلاً؛ حيث أن بذور العكوب تتطاير إلى مكان جديد كل عام، أما باقي النبتة فتجف وتموت إن لم يتم قطافها. أما أخطر ما يهدد العكوب فهو تحويل الأراضي البرية إلى مناطق سكنية أو صناعية أو عسكرية، وهذا ما حدث في فلسطين المحتلة، حيث قامت المؤسسات الصهيونية بالسيطرة على الأراضي البرية المحيطة بالقرى والبلدات الفلسطينية لبناء المستوطنات الصهيونية السكنية والصناعية ومعسكرات جيش الاحتلال الإسرائيلي. كما قامت الحكومة الإسرائيلية بتحويل الكثير من الأراضي البرية الفلسطينية إلى مزارع تجريبية ضمن سياسة استصلاح الأراضي. تعتبر هذه السياسات الصهيونية السبب الحقيقي في تغيير البيئة الطبيعية للأعشاب والنباتات والأزهار البرية الفلسطينية، والسبب الحقيقي في انقراض بعضها. الحركة الصهيونية تحارب العكوب منذ فترة طويلة؛ فهذا النبات الفلسطيني الطبيعي يُكذِّب الروايات الصهيونية التي تعتبر أن اليهود كانوا جزءًا من تاريخ فلسطين؛ فاليهود لم يعرفوا العكوب فلم يُذكر في كتبهم الدينية أو التاريخية أو التراثية، على الرغم أن العكوب نبات معروف في بلاد الشام: الأردن، سوريا، لبنان، فلسطين. وكذلك في كردستان وتركيا وإيران، كل شعوب تلك البلاد لها تراث عريق مع نبتة العكوب تعود إلى ما قبل اليهودية، إلى عشرة آلاف سنة، عرفوه في مأكلهم ودوائهم وذكروه في كتبهم وسجلاتهم، إلا اليهود فلم يُذكروا عنه أي شيء، مما يدلل على أنهم لم يكونوا جزءًا من هذه المنطقة، أو أنهم عاشوا كقبائل بدوية معزولة تعيش في ثغور نائية بعيدًا عن حضارة شعوب المنطقة. في دراستنا اللغوية لكلمة عكوب وجدنا أن جذرها آرامي أصيل، ومنه نُقلت إلى اللغات الأخرى، وهذا دليل هام على أن تسمية العكوب بهذا الاسم ضاربة في القدم، وأن هذه التسمية سبقت اليهودية وفقًا للسجلات البابلية وسجلات مملكة ماري والسجلات الحثية. وأن الشعب الفلسطيني أصيل بالمنطقة ويعتبر استمرارًا طبيعيًا للحضارة الكنعانية التي يتمسك بالكثير من تراثياتها حتى الآن، والعكوب أحد أهم الأمثلة على ذلك، دون أن ننكر أننا نتشارك بذلك مع أهلنا في الأردن وسوريا ولبنان بهذه الحضارة الكنعانية الممتدة. كما أثبتت الدراسة اللغوية أن تعريب كلمة عكوب كان ضمن قائمة طويلة من الكلمات الآرامية والسريانية التي تم تضمينها بقواميس اللغة العربية في عهد الدولة الأموية، مع ذكر الأشعار التي أوردتها القواميس العربية بخصوص كلمة عكوب وتصريفاتها. العكوب تعتبر كلمة ممنوعة من الصرف، وليس لها علاقة بفعل يتعقب، وهذا ما شرحناه بالتفصيل. وفي دراستنا لأسماء العكوب الشائعة وجدناها بالغالب تلحينًا للاسم الآرامي الأصلي أو أنه اسم ارتبط بحادثة معينة أو مكان معين. إلا أن اسم كِنكِر يعتبر من الأسماء الحديثة للعكوب في كردستان وإيران وتركيا، بدأ تسجيله بالوثائق البيزنطية والفارسية المتأخرة خلفًا للاسم الآرامي. أما بخصوص الاسم العلمي للعكوب فهو مركب من اسم عالمين ألماني وآخر فرنسي، وهما من قاما بدراسة العكوب وفقًا لعلم النبات الحديث. في أسطورة كنعانية نادرة عن العكوب تم ذكرها بشكل سيء في الكتب اليهودية، تروي أن الإله داجون كان يعاقب الفلاحين المذنبين بأن يرحلوا من أوطانهم، كما هو العكوب المعاقب دائمًا بالنفي والترحال، وعلى الرغم أننا لم نجد مصدرًا علميًا يوثق هذه الأسطورة، إلا أننا افترضناها صحيحة، فقمنا بإعادة تفسيرها بطريقة علمية، تثبت أن العكوب عطاء يأكله العباد الصالحون، وأن بذور العكوب ترحل إلى بلاد جديدة لتحييها وتطعم أهلها من خير الإله داجون. بخصوص دراسة العكوب في الكتب الدينية اليهودية، شرحنا بالتفصيل أن العكوب لم يتم ذكره بالمطلق، وما تم ذكره كان النباتات الشوكية بشكل عام دون تحديد اسم معين لها، وأن هذا الذكر كان دائمًا على اعتبار النباتات الشوكية ضارة بالإنسان، وهي عقاب رباني للمذنبين، فلم يُذكر ضمن الأطعمة المأكولة في عهد التوراة أو العهود التي تلت ذلك، بل أن البعض يعتبر كلمة جلجال في النصوص الدينية تعني حجرًا لا شوكًا. إن ادعاء بعض الحاخامات أنه ذُكر ضمن تفسيرات التناخ باطل، فما هو مذكور عنه ورد في كتب القرن التاسع عشر ميلادي وما تلى ذلك، ضمن سياقات إدخال علم النبات في متاهات دراسات الأرض المقدسة للدعاية للمشروع الصهيوني وادعاءات الصهاينة بأن لهم حقًا بأرض فلسطين، فهي مهد اليهودية، والعكوب خير دليل على بطلان ادعائهم. أما الدراسات المسيحية في شرح أصل إكليل الشوك الذي دُقّ على رأس المسيح عليه السلام، فهي الأخرى تغوص في متاهة الافتراضيات غير العلمية. وما زالت الأبحاث تُجرى حول بذور الأشواك التي وُجدت في كفن تورينو، وهي مثار جدل حقيقي بالأوساط العلمية، إلا أن الثابت في تلك الدراسات أن العكوب لم يُذكر في الإنجيل أو كتب تلامذة المسيح أو القديسين الأوائل، وأن العكوب لم يكن ضمن المأكولات التي عرفها المسيحيون الأوائل، وأن شوك العكوب من أصعب الأشواك في تشكيل إكليل تاج الصلب، وهناك ترجيحات أكثر منطقية مثل شوك العنّاب رغم أن الأبحاث تدرس أكثر من 30 نوعًا محتملًا. في موضوع الدراسات العلمية والزراعية للعكوب شرحنا أن العكوب الذي تمت دراسته من قبل علماء النبات لم يكن معروفًا في السجلات الأوروبية، وأنه نبات ينمو في الوادي الخصيب، وهو نبات بري مشهور يعرفه سكان المنطقة منذ آلاف السنين. أما قضية تسمية بعض العلماء له بأنه الشوك المتدحرج؛ فهذا لم يكن وصفًا علميًا للعكوب، بل دعاية صهيونية ضمن دراسات صندوق استكشاف فلسطين الاستعماري. ثم درسنا أنواع العكوب وأقاربه في بلاد الشام: الأردن، سوريا، لبنان، فلسطين، وكذلك في العراق وكردستان وإيران وتركيا، وشرحنا أن هذا النبات الموسمي معروف لدى شعوب المنطقة، وأنه في حالة حفظ جيدة؛ بسبب طبيعة بذوره المتطايرة ووعي جامعي العكوب بضرورة الحفاظ على سلالته للأعوام التالية. تلا ذلك وضع دراسة متكاملة عن جامعي النباتات البرية في فلسطين عبر التاريخ، وتطور القوانين التي تحكم عملية جمعه، وأن الفلسطينيين تعاملوا مع النباتات البرية بوعي عالٍ منذ فجر التاريخ، وأصبح لهم تراث عريق بطرق المحافظة عليه، وأن السلطات التي حكمت فلسطين عبر التاريخ كانت تعي أهمية النباتات البرية للفلسطينيين، وأنهم يعتبرونها أحد الموارد الطبيعية لهم يستخدمونها بوعي في مأكولاتهم وأدويتهم وفنونهم وحاجاتهم الخاصة. وفي إضافة جديدة في علم توطين النباتات البرية، قمنا بوضع خطة كاملة لزراعة العكوب وفقًا للأسس العلمية الحديثة، والمعروف أن زراعة العكوب نجحت في فلسطين في عدة تجارب صغيرة ثم انتقلت لتصميم مزارع إنتاجية نموذجية مثل مزرعة فقوعة. وهذا امتداد لتاريخ عريق للفلاحين الفلسطينيين منذ زمن الكنعانيين؛ فهم أول من زرع الحمص والفول والبصل بعدما كانوا نباتات برية فتحولت إلى نباتات مزروعة. من هنا يكون العكوب جزءًا هامًا من التراث الفلسطيني والعربي، فنجده مذكورًا في أغاني الربيع وأغاني خاصة بالعكوب وكذلك في بعض الأمثال الشعبية والقصائد، ودخل حديثًا في التطريز من باب الحفاظ على الهوية الفلسطينية التي يعتبر العكوب أحد رموزها. كما ذكرنا مجموعة هامة من طرق طهي العكوب ضمن مقادير ووصفات مجربة. وبالمثل العكوب جزء هام من التراث الكردي والتركي والإيراني، فنجده مذكورًا في أغاني خاصة بالعكوب وكذلك في بعض الأمثال الشعبية والقصائد والحكايات الشعبية وفي نقوشات السجاد والفنون الأخرى، كما ذكرنا مجموعة هامة من طرق طهي العكوب ضمن مقادير ووصفات مجربة، وكذلك وصفات مجربة لطرق تجفيف العكوب، وطرق عمل مخلل العكوب، ولبان العكوب، وقهوة وشاي العكوب، والكثير من المعلومات التراثية. وحتى يكون البحث مكتملًا وضعت سبعة ملاحق هامة قام بها باحثون بدراسة العكوب من جوانب مختلفة، فهناك دراسات عن السياسات الإسرائيلية الجائرة بحق جامعي العكوب الفلسطينيين، ودراسات عن تراثيات العكوب في الدول المجاورة، ودراسات علمية محضة عن نبتة العكوب. هذا البحث تم إنجازه بهدف تسليط الضوء على العكوب كأحد رموز التراث الفلسطيني التي تستحق كل اهتمام وعناية، ويجب أن تكون هناك دراسات ميدانية للعكوب في كافة فلسطين الطبيعية، على أن تكون لها متابعة سنوية حتى نتمكن من تحديث المعلومات المتوفرة لدينا، كما أن تسجيل التاريخ الشفوي قضية هامة، فكل يوم جديد هناك تراث يتجدد وحكايات تُروى، وفنون تراثية تُبتكر. لقد تمت كتابة هذا البحث بطريقة البحوث المتسلسلة، فهو عبارة عن مجموعة من البحوث المنفصلة تم جمعها ضمن إطار جامع وهو مادة البحث أي نبات العكوب، وهذه الطريقة تتيح المجال للقارئ المختص بأن يقرأ أحد تلك البحوث بشكل منفصل، وتكون مادته كاملة، دون الحاجة لقراءة المادة كاملة.











