جسر أريحا: فضاء الأمل الفلسطيني

شارك البحث:

جسر أريحا: فضاء الأمل الفلسطيني بقلم: خالد غنام مركز الانطلاقة للدراسات – 2026 (هذه مجرد نبذة مختصرة انقر الرابط بالأسفل لقراءة البحث كاملا) دراسة تاريخية عن جسر أريحا الذي يربط الضفة الشرقية لنهر الأردن بالضفة الغربية. تهدف هذه الدراسة إلى تتبع التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لجسر أريحا، المعروف اليوم بجسر الملك حسين أو معبر الكرامة، منذ أقدم العصور وحتى الوقت الحاضر. كما تسعى إلى دراسة دوره في حركة التجارة والحج والتنقل البشري بين ضفتي نهر الأردن، وتحليل مكانته في الوعي الوطني الفلسطيني، بوصفه أحد أهم المعابر التي ربطت فلسطين بمحيطها العربي عبر التاريخ. وتعتمد الدراسة على المصادر التاريخية والجغرافية ووثائق الرحالة والسجلات الرسمية والدراسات الحديثة ذات الصلة. يبحث هذا العمل في تاريخ عبور القوافل التجارية والرعاة والأفراد إلى مدينة القدس منذ العهود السحيقة، في عهد الكنعانيين. ولأهمية هذا المعبر الاستراتيجية، تنافست على السيطرة عليه قوى إقليمية ودولية عديدة عبر العصور، من المصريين القدماء والآشوريين والبابليين والفرس إلى الإغريق والرومان وغيرهم. وكانت السيطرة على طرق العبور تعني السيطرة على حركة التجارة والحج والتنقل بين الأقاليم المختلفة، الأمر الذي جعل الرسوم والضرائب المفروضة على القوافل التجارية مصدرًا مهمًا للدخل والنفوذ السياسي. وفي المقابل، كان كثير من الرعاة والمسافرين والأفراد يلجؤون إلى المخاضات الطبيعية المنتشرة على امتداد نهر الأردن لتجنب نقاط الجباية الرسمية، بينما كانت القوافل التجارية الكبرى مضطرة في الغالب إلى استخدام طرق العبور المنظمة والخضوع للرسوم المفروضة عليها. الجسر بالنسبة للفلسطينيين هو الأعصاب المشدودة وخفقان القلب الذي يهز الصدور. فمن هنا سيلتئم شمل المغتربين مع أهاليهم في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ومن هنا سيبدأ الفلسطينيون رحلة الخروج المؤقت من الأراضي المحتلة إلى العالم البعيد عن إجراءات الاحتلال التعسفية. ذكريات عبور ركام الجسر في أوقات الحرب، وذكريات زيارة المغطس المقدس والتعميد المسيحي، وذكريات درب الحج الإسلامي وسكة الحجاز، وذكريات تاريخية تربط القدس والأقصى بالفضاء العربي والإسلامي. هنا معبر الكرامة، عنوان وحدة الدم الفلسطيني الأردني. هذا الجسر هو الصراط المستقيم للقضية الفلسطينية. عرف هذا الجسر في التاريخ بأسماء كثيرة ارتبطت بمدينة أريحا، وكذلك بالمغطس المقدس للحج المسيحي، حيث سُمّي بجسر الشريعة لفترة طويلة جدًا من الزمن. وكان البوابة التجارية بين بلاد الرافدين ومصر عبر مدينة القدس وجازر وجيب وعسقلان وغزة. ورغم أن كتب التاريخ تذكر أن عبور الأفراد والرعاة كان يتم عبر مناطق تُعرف بالمخاضات، وهي مناطق جغرافية يكون فيها منسوب النهر منخفضًا، حتى في موسم فيضان النهر في ربيع كل عام، فإن الكنعانيين بنوا عبارات من ألواح خشبية مكسوة بالجلود في مخاضات شمال البحر الميت، يتم استخدامها في فصل الشتاء، وبعد انتهاء موسم الفيضان تُفرش بجريد النخيل خلال فصلي الصيف والخريف، لتسهيل حركة القوافل التجارية. ورغم ذلك، ذكر كتبة التوراة قصة غزوة يوشع لأريحا عبر مشهد أسطوري يشمل انشقاق النهر بمعجزة عظيمة، ثم توقف النهر عن الجريان عندما توسط مجراه الكهنة وهم يحملون تابوت العهد، وظلوا واقفين حتى عبر جميع بني إسرائيل، الذين بلغ عددهم مع نسائهم وأطفالهم حوالي ثلاثة ملايين شخص. ويستند بعض الباحثين التوراتيين إلى لوح مرنبتاح المصري، المؤرخ في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، باعتباره أقدم إشارة معروفة لاسم “إسرائيل” في المصادر التاريخية القديمة. غير أن دلالة هذا النص ما زالت موضع نقاش بين المؤرخين وعلماء الآثار، إذ لا يقدم اللوح وصفًا واضحًا لكيان سياسي أو دولة قائمة، بل يورد الاسم ضمن قائمة جماعات وسكان في بلاد كنعان. ويرى عدد من الباحثين أن الاستناد إلى هذا النقش وحده لإثبات وجود بني إسرائيل بوصفهم شعبًا متماسكًا أو قوة سياسية منظمة في تلك الفترة يفتقر إلى الأدلة الأثرية الكافية، خصوصًا في ظل محدودية المعلومات التي يقدمها النص وطبيعة المصطلحات المستخدمة فيه. حتى أن البعض يشكك بذكر إسرائيل باللوح. كما تشير دراسات أثرية وبيئية إلى أن أجزاء من بلاد الشام شهدت خلال فترات من أواخر العصر البرونزي أزمات اقتصادية وموجات جفاف وتراجعًا سكانيًا أثرت في العديد من المدن والمراكز العمرانية. وقد أدت هذه التحولات إلى هجر بعض المواقع السكانية وانتقال مجموعات بشرية من مناطق إلى أخرى بحثًا عن مصادر المياه والأراضي الزراعية والمراعي. وفي هذا السياق يرى بعض الباحثين أن التحركات السكانية التي شهدتها المنطقة خلال تلك المرحلة التاريخية كانت أكثر تعقيدًا من الروايات التقليدية التي تربط نشأة الجماعات السكانية القديمة بأحداث أو حملات عسكرية منفردة، وأن فهم تلك المرحلة يتطلب دراسة العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية إلى جانب الروايات التاريخية والدينية المتوارثة. وكان الجسر كذلك جزءًا مهمًا من طريق البخور الذي يربط الهند وشرق إفريقيا واليمن ببلاد الشام ومصر وأوروبا. كما كان جزءًا مهمًا من رحلة التجارة المعروفة بإيلاف قريش، رحلة الشتاء والصيف بين اليمن وبلاد الشام. وفي عهد الدولة الأموية كان بوابة مدينة القدس وزيارة المسجد الأقصى، وبقي محتفظًا بأهميته باعتباره جزءًا من درب الحج الإسلامي إلى بلاد الحجاز، وكذلك جزءًا من الطريق البري للحج المسيحي إلى الأراضي المقدسة. وفي عهد الدولة العثمانية كان بوابة مهمة جدًا لربط طرق بلاد الشام، خصوصًا بعد بناء سكة القطار المعروفة بسكة الحجاز، التي تربط تركيا بمكة والمدينة المنورة. فتمت توسعة الجسر وتسميته جسر الغورانية. تعرض الجسر للهدم عدة مرات بسبب الحروب بين القوى الإقليمية، وكذلك بسبب الزلازل. وفي الحروب المعاصرة، ابتداءً من الحرب العالمية الأولى، تم نسف الجسر من قبل القوات الألمانية المتحالفة مع الدولة العثمانية لإعاقة تقدم الجيش البريطاني وحلفائه. إلا أن الجيش البريطاني قام ببناء جسر خشبي كبير من أجل تسريع حركة مرور مركباته. وبعد انتصاره، قام ببناء جسر خرساني جديد سُمّي جسر اللنبي، نسبة إلى قائد الجيش البريطاني أدموند اللنبي. صمد الجسر حوالي عشر سنوات حتى تهدم نتيجة زلزال عام 1927، إلا أن حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين أعادت بناءه، وافتُتح عام 1928. كما أُقيمت له توسعة عام 1933، وتوسعة أخرى عام 1937 بعد ازدياد عدد السيارات واتساع التجارة البرية بين العراق وشرق الأردن وفلسطين. وفي عام 1946 تعرض الجسر للنسف الجزئي خلال عملية “ليلة الجسور” التي نفذتها قوات البالماخ الصهيونية ضمن سلسلة هجمات منسقة استهدفت الجسور الرابطة بين فلسطين والدول العربية المجاورة. وجاءت هذه العملية في سياق تصاعد الصراع بين الحركة الصهيونية وسلطات الانتداب البريطاني، واحتجاجًا على القيود البريطانية المفروضة على الهجرة اليهودية إلى فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى سعي المنظمات الصهيونية المسلحة لإظهار قدرتها على ضرب خطوط المواصلات والبنية التحتية التي تعتمد عليها الإدارة البريطانية. وقد ألحقت العملية أضرارًا بالجسر قبل أن تتم إعادة تأهيله واستمرار استخدامه باعتباره أحد أهم معابر نهر الأردن. وفي حرب النكبة عام 1948 كان الجسر شبه مدمر، وكان يعيق حركة مرور المركبات العسكرية للجيش العربي الأردني. وبعد انتهاء العمليات العسكرية حدث نزوح كبير للاجئين الفلسطينيين إلى مدن شرق الأردن، على الرغم من أن الضفة الغربية كانت تحت السيطرة العربية الأردنية. وكان عبور اللاجئين يتم بين ركام جسر اللنبي ومخاضات شمال البحر الميت. وفي حرب النكسة عام 1967 تم تدمير الجسر مرة أخرى، وبعد انتهاء العمليات العسكرية حدث نزوح كبير للاجئين الفلسطينيين إلى مدن شرق الأردن، وكان عبورهم يتم بين ركام جسر اللنبي ومخاضات شمال البحر الميت. بعد ذلك تحول الجسر إلى أحد المعابر الحدودية بين المملكة الأردنية الهاشمية ودولة الاحتلال، وكان شبه مغلق، ولا يتم عبور الأفراد من خلاله إلا بإجراءات طويلة عبر منسقي الصليب الأحمر الدولي. وابتكرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ما عُرف بسياسة “الجسور المفتوحة” بهدف تنظيم حركة الفلسطينيين بين الضفة الغربية والأردن بعد احتلال عام 1967. ورغم أن هذه السياسة قُدِّمت باعتبارها تسهيلًا لحركة السكان، فإنها في الواقع أخضعت السفر والتنقل لنظام رقابة معقد وشامل. فقد أصدرت سلطات الاحتلال بطاقات وتصاريح عبور متعددة الفئات، ارتبطت بمكان إقامة حاملها ووضعه القانوني والغرض من سفره، كما فُرضت على المسافرين إجراءات إدارية وأمنية طويلة شملت مراجعة الوثائق الشخصية والتدقيق الأمني وتسجيل بيانات المسافرين بصورة مستمرة. وكان الحصول على إذن السفر أو العودة خاضعًا لموافقة سلطات الاحتلال التي احتفظت بحق رفض الطلبات أو تأخيرها أو إلغائها دون إبداء الأسباب. وأصبح الجسر خلال السبعينيات والثمانينيات بوابة شبه إلزامية للفلسطينيين الراغبين في الدراسة أو العمل أو العلاج أو زيارة الأقارب في الخارج، بحيث ارتبطت حياة عشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية بإجراءات العبور والقيود المفروضة على الجسر. واعتمدت سلطات الاحتلال، بالتنسيق مع الأنظمة الإدارية المعمول بها على جانبي النهر، مجموعة من البطاقات الخاصة بالمسافرين الفلسطينيين عبر الجسر. فكانت البطاقة الخضراء مرتبطة بسكان الضفة الغربية المقيمين فيها بصورة دائمة، بينما ارتبطت البطاقة الصفراء بفئات من الفلسطينيين الحاصلين على الجنسية الأردنية أو الذين احتفظوا بعلاقات قانونية وإدارية خاصة مع الضفة الغربية، كما استُخدمت البطاقة الزرقاء لفئات من أبناء قطاع غزة في مراحل لاحقة. أما الفلسطينيون من سكان القدس المحتلة فكانوا يعاملون ضمن نظام مختلف يعتمد على هويات الإقامة المقدسية ووثائق السفر الخاصة بهم، وكان عبورهم يخضع كذلك للرقابة الأمنية والتدقيق الإداري. وقد ترتب على هذه التصنيفات تباين كبير في حقوق الحركة والتنقل والإقامة، وتحولت ألوان البطاقات والوثائق في الذاكرة الفلسطينية إلى رموز بيروقراطية تحدد قدرة الإنسان على السفر والعودة ولمّ شمل أسرته وزيارة وطنه، حتى غدا الجسر بالنسبة لكثير من الفلسطينيين مساحة تختلط فيها فرحة اللقاء بقلق الانتظار ومخاوف المنع أو التأخير أو فقدان حق العودة إلى مكان الإقامة. وتم تعديل هذا النظام بعد معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994، فتمت توسعة الجسر عبر منحة مالية يابانية، وتمت تسمية الجسر الجديد بجسر الملك حسين من الجانب الأردني، أو معبر الكرامة، أما من جانب دولة الاحتلال فقد استمر تحت اسم جسر اللنبي أو معبر أريحا. وبعد اتفاقية أوسلو عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال، كان من المفترض أن تتسلم السلطة الفلسطينية المعابر الحدودية بشكل كامل، إلا أن دولة الاحتلال ما زالت تسيطر على المعابر الحدودية، وهي التي تتحكم بمرور الأفراد والبضائع عبرها، بما في ذلك جسر أريحا. ويعاني الفلسطينيون من الإجراءات التعسفية لجيش الاحتلال، الذي يمنع الكثير منهم من المرور عبر جسر أريحا، كما يعيق التجارة بين الفلسطينيين والأردنيين. فما زال جسر أريحا النقطة الحدودية الأكثر تعقيدًا في المنطقة، حيث لا يوجد أي ضمان لعبوره، وقد يكون الوصول إليه سببًا لاعتقال الفلسطينيين أو مصادرة ممتلكاتهم. إنه جسر نعبره في فرح، وننسى عنده أوقات الانتظار الطويلة ونظرات جنود الاحتلال المستفزة. إنه جسر الأمل بلقاء الأهل، وزيارة الوطن، والصلاة في الأقصى المبارك، وزيارة الكنائس المقدسة. ورغم كل إجراءات الاحتلال التعسفية، يبقى عبور الجسر من أروع الأوقات بالنسبة للفلسطينيين، الذين يشعرون في كل مرة يعبرونه أنهم كسروا قيود الاحتلال وتحرروا، وأنهم فوق نهر الأردن قد صعدوا إلى سماء الحرية الفلسطينية. ولعل ما يميز جسر أريحا عن غيره من المعابر في العالم أنه لم يكن يومًا مجرد نقطة عبور بين دولتين، بل ظل مساحة يلتقي فيها التاريخ بالوجدان. فعلى امتداد عقود طويلة حمل الجسر دموع الوداع وفرحة اللقاء، وشهد عبور اللاجئين والطلاب والعمال والحجاج والمرضى والمسافرين. وبين ساعات الانتظار الطويلة وإجراءات التفتيش القاسية، بقي الفلسطيني يرى في نهاية الطريق وعدًا بلقاء الأهل أو عودة إلى الوطن أو نافذة تفتح على العالم الخارجي.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ابحاث ذات صلة