نبيذ الأقصى المُقدّس

شارك المقال:

مقال بعنوان: نبيذ الأقصى المُقدّس

عندما تقرأ كلمة الأقصى تشعُر بالنشوة وتتثاقل أنفاسك وتسكُر أفكارك في هذيان الروح لعذابات الجسد المُعلق بالمُقدّس، لكنك ترفض أن يُشاركك أعداؤك به، بل ترفض أن يكون لغيرك ومن أجل ذلك تفني عمرك إما دفاعاً عنه أو سعياً لاستعادته لك. لكن الأقصى لمن؟ فهو مُقدّس من الكثيرين؟ بل أن أنه أكثر مكان مُقدّس بالعالم؟ كما أنه عند البعض معبد الشيطان! وعند آخرين هو بالسماء أو في مكان ما خارج القدس أو حتى خارج فلسطين؟

عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول قال صلى الله عليه وسلم : ” المسجد الحرام ” قال قلت ثم أي قال : ” المسجد الأقصى ” قلت كم كان بينهما قال : ” أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه ” رواه البخاري

يقدم  د.يحيى وزيري شرح علمي للحديث النبوي بالاستعانة ببرنامج “جوجل ايرث” Google earth الذى يستخدم الأقمار الصناعية، وتم أخذ صورة جوية مع إسقاط خطوط الطول والعرض عليها توضح التوجيه الحالي للمسجد الأقصى (الحرم الشريف)، حتى يتم معرفة الجهة التى يتوجه إليها السور الجنوبي للحرم الشريف، والذى يمثل أيضا حائط قبلة المسجد القبلى (المغطى)، فإذا عرفنا أن اتجاه القبلة (مكة المكرمة) فى القدس مقاس من اتجاه الشمال- الجنوب الحقيقى ينحرف 23.79 درجة الى الشرق، فإن الصورة الجوية أوضحت أن المحور الرئيس للمسجد الأقصى القبلي (وكذلك الحرم القدسى ككل)، ينحرف حوالى 11.81 درجة عن اتجاه القبلة الحقيقى. وإذا كان محيط الكرة الأرضية يساوى 360 درجة تماما، فهذا يعنى أن نسبة انحراف قبلة المسجد الأقصى عن جهة مكة المكرمة هى تقريبا 3%، وهى نسبة ضئيلة يمكن إهمالها مما يعنى أن المحور الأساسي لمنطقة الحرم الشريف يتجه الى مكة المكرمة قبلة المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها. فإذا عرفنا أن أساس أسوار الحرم القدسى الشريف الحالى موجودة منذ حكم “هيرود الكبير” للقدس والذى مات عام 4 ق.م، وهو ما كشفت عنه الحفريات التى قام بها “تشارلز وارين” عام 1867م والتى وصلت الى عمق 24 مترا تحت سطح الأرض ، فإن هذا يعنى أن المحور الأساسي للحرم القدسى الشريف الحالى يتجه للقبلة قبل فتح المسلمين لبيت المقدس بحوالي 650 عاما، وهو ما يعطى دلالة واضحة على أن منطقة الحرم القدسى الشريف موجهة للقبلة منذ القدم، كما ورد فى الحديث النبوي، وكما فسّر الشيخ الشعراوي قوله تعالى: إلى المسجد الأقصى.. : في بُعْد المسافة نقول: هذا قصيّ. أي بعيد. وهذا أقصى أي أبعد، فالحق كأنه يلفت أنظارنا إلى أنه سيوجد بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى مسجدٌ آخر قصيّ، وقد كان فيما بعد مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

أما أن المسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى فقد شرحها الشيخ ابن العثيمين بشكل مغاير حيث قال: لا يوجد في الإسلام إلا قبلة واحدة وليس هناك قبلتان في الإسلام ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد اليهود يصلون إلي بيت المقدس فصلى عليه الصلاة والسلام في المدينة إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعه عشر شهرا ثم جعل يقلب وجهه في السماء رجاء أن يحول الله القبلة إلى البيت الأول إلى الكعبة المعظمة فصرف الله تعالى القبلة إلى بيته الحرام فقال تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولى وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون) فصار النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى البيت الحق وهو الكعبة المعظمة بيت الله عز وجل وصار المسلمون من ذلك الوقت إلى يومنا هذا يصلون إلى المسجد الحرام وليس هناك قبلتان أبداً!

لكن التناخ اليهودي تذكر أن قبلة اليهود هي الشمال الجغرافي أينما يكونوا وبهذا تكون قبلتهم في المدينة باتجاه بُصرى الشام لا القدس، كما أن يهود الأندلس كانوا يُصلون باتجاه الشمال أيضا، ويذكر موسى الميمون القبطي: أننا لا نُصلي إلى الشرق مثل النصارى، فدينهم ممزوج بالوثنية وطقوش عبادة الشمس. ورغم أن العديد من الحاخامات المعاصرين يقولون إن صلاتهم باتجاه الباب الشرقي للهيكل في قلب القدس إلا أن كلمة ميزراه تعني القبلة في اللغة العبرية وهي أيضاً تعني اتجاه الشرق الجغرافي!

ويتحدث سفر الرؤيا بالإنجيل عن أورشليم السماوية ويشرح أنها ليست الجنة ولكنها مسكن عيسى –عليه السلام- بل أن هناك تفسيرات تروي سيرة المسيح كاملة في تلك المدينة ولا تُعطي القدس الأرضية أية قدسية حقيقية. وفي تسريبات وكالة ناسا عن اكتشاف العالم مارسيا ماسون مدينة أورشليم السماوية عام 1994، والتي كان يُعتقد أنها الجنة إلا أن حجمها وشكلها تم تحديده عام 2011م، فهي مدينة كثيرة الحركة ويُعتقد أن الأرواح تسكنها ولا يمكن أن تكون مسكونة من بشر مثلنا. وأضاف العالم إلوود اسكوت (كتاب الجنة، المدينة المقدسة، الطريق للعرش): هذه هي أورشليم بوابة الجنة وطولها 2200 كيلومتر وارتفاعها 65 متراً، وأن حجم الأرض أكبر منها 169 ضعفاً تظهر بشكل نقطة منيرة وسط ظلام دامس مما يُرجح أنها بوابة إلي مكان واسع، وهي تبعد عنّا مليار سنة ضوئية!

ويقول الدكتور زغلول النجار: ورد في قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ مما يؤكد أن السماء ليست فراغا كما كان يعتقد الناس إلى عهد قريب، حتى ثبت لنا أنها بنيان محكم، يتعذر دخوله إلا عن طريق أبواب تفتح للداخل فيه. لقد وصفت الآية الحركة في السماء بالعروج: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾، والعروج لغةً هو: سير الجسم في خط منعطف منحن، وقد ثبت علميا أن حركة الأجسام في الكون لا يمكن أن تكون في خطوط مستقيمة، بل لا بد لها من الانحناء نظرا لانتشار المادة والطاقة في كل الكون، وتأثيرِ كل من جاذبية المادة والمجالات المغناطيسية للطاقة على حركة الأجسام في الكون. وحتى الأشعةُ الكونية على تناهي دقائقها في الصغر إذا عبرت خطوطَ أيّ مجال مغناطيسي فإن هذا المجال يُحني مسار الشعاع بزاوية قائمة على مساره.

وأكد عالم الفيزياء السوري الدكتور علي منصور الكيالي أن النبي– صلى الله عليه وسلم- عرج إلى السماء من القدس ومن المستحيل أن يكون قد عرج من مكة أو جنوب الجزيرة  حيث أن القدس أقرب أبواب السماء لمكة المكرمة. وأبواب السماء ليست كثيرة حيث أن كل أوروبا وروسيا لا يوجد فيها أي باب وفي الولايات المتحدة الأميريكية يوجد باب وحيد في البحر الكاريبي!

أما سليمان –عليه السلام- في كتب اليهود فهو ملك وليس نبياً وأحياناً كثيرة هو العاصي المنغمس بالملذات، فيذكرون أنه تزوج 600 زوجة من شعوب مختلفة، وأنه لم يلزم زوجاته بدين التوحيد بل سمح لهن أن يضعن أصنام آلهتهنّ في معبد الرب- الهيكل- وأكثر من هذا فقد سمح لكل رعيته من كل الأديان أن تُصلي في معبد الربّ. ولهذه الأسباب تعتبره الحركة الماسونية رئيسها التاريخي وتطمح لبناء الهيكل السُليماني من أجل إلغاء الفوارق الدينية وإنهاء الحروب من العالم! وكذلك يرى عبدة الشيطان أن الهيكل السليماني ضرورة تاريخية لعودة التوازن بين إله الخير وإله الشر، وأن الملك سليمان-عليه السلام- هو الوحيد الذي رد اعتبار الشيطان وجعل منه وزيره العليْ! وفي الكلفانية والكنيسة التصحيحية يُعتبر سليمان-عليه السلام- رمز التعدد الثقافي والتعايش السلمي بين الأديان ففي عهده عاشت كل الأديان بسلام! لكن المؤرخين لم يعثروا على ما يُثبت أن سليمان- عليه السلام- عقد معاهدات سلام مع ممالك الشام واليمن والرافدين ومصر، ولم يُسجل التاريخ أي ذكر لسُليمان الملك!

تُذكر أسماء عديدة للقدس منها في التاريخ أريانة (الحيثيون) ، يابوس (الكنعانيون)، الأكرا ( الإسكندر المقدوني) وفي التوراة تُسمى مدينة داود (سفر صموئيل )أو ميلو( سفر سليمان)، أوفل (سفر حزقيا) لكنها كلها تؤكد أن المدينة كانت معمورة وأن داود –عليه السلام- أضاف لها برج وقلعة وسليمان-عليه السلام- وبنى معبد الربّ!

لكن دراسات علم الآثار والحفريات تحت المسجد الأقصى تؤكد أن موقع المسجد الأقصى كان عامراً قبل عصر داود –عليه السلام- وكان معبداً حثيا، فهل يُعقل أن يكون أريانه باع معبد آلهته إلى سليمان-عليه السلام- أو أن سليمان-عليه السلام كان يُصلي بمعبد وثني! ومن جانب آخر فإن رسائل تل العمارنة تُؤكد أن القدس كانت مدينة ضخمة ومُحصنة في الحقبة التاريخية المزامنة لعهد سيلمان-عليه السلام- وأنها أرض الزيت والنبيذ! ولا تكتمل صورة المشهد إلا بشهادة الرحالة بوردكس الذي زار القدس أثناء بناء كنيسة القيامة، وفي وصفه لبركتي ماء قرب الكنيسة ومبعد وثني وبرج يُدخلك لمعبد سليمان-عليه السلام- في صورة تجعل كل الاحتمالات التاريخية قابلة للنفي أكثر من التصديق! ويقول في هذا د. إبراهيم الفني: لا يوجد تحت الأقصى ما يُثبت أن هناك تغيّر معماري حصل في فترة سليمان-عليه السلام- ولا يوجد أي دليل أن المدينة تغيّر طابعها المعماري أو أنها توسّعت في تلك الفترة. ويُؤكد أن الخريطة الطوبوغرافية لتاريخ الحفريات تحت الأقصى وصلت إلى ألفي عام قبل عهد سليمان عليه السلام وأن الإسرائيليين يعلمون أنه لا يوجد علمياً ما يُثبت أن الهيكل كان في هذا الموقع!

كما أن هناك باحثين مرموقين يرون أن أحداث التوراة كلها حدثت خارج فلسطين، وأن هناك تشابه في أسماء المناطق وشكل التضاريس مع منطقة جنوبي غرب الجزيرة العربية في جبال عسير، وسرد الأستاذ كمال الصليبي جغرافيا التوراة كاملة منذ عام 1985م ولحق به العديد من الباحثين العرب والغربيين! وهناك من يرى أن هناك فرقا شاسعا بين توارة اليهود ودين بني إسرائيل، بل أن مؤرخ سهيل زكّار يرى أن توارة اليهود عبارة عن أحد تفرعات الديانة الزرداشية الفارسية، وأن فكرها يُخالف المنطق العربي ومنها منطق بني إسرائيل، كما أن أغلب قصص التوراة لها مماثل في الديانة الزرداشتية!

كان الشامان في الأديان القديمة يبحث عن أداة للسيطرة على أتباعه عن الطريق إيصالهم إلى النشوة وشهوة التسامي مع الآلهة، مستخدماً تخدير الأجساد وتغييب العقول حتى لا يبقى إلا الأرواح بعبثها الطفولي التي تمرح ببراءة شيطانية في عرش الربّ. واستمر علم الكهنوت باستخدام نفس الأسلوب في الأديان الأكثر تحضراً، ولما جاءت الرسالات السماوية وجعلت طرق التعبد مختلفة سقطت العديد من المحرمات إلا أن الخمر صمد نتيجة الأديان المختلطة فهي نصف شامانية ونصف سماوية أو ما يُسمى التحريف اللفظي للكتب السماوية مع إبقاء المعنى مقارب، فهو خلط فرضته السلطة السياسية أكثر من السلطة الدينية لفرض سيطرتها على المجتمع. هذا تفسير جين بايكر ميلر وتتابع: كلما كان تطور الفرد أعلى وأكثر فاعلية تقلّ عنده الحاجة لوضع حدود للآخرين أو قمعهم، أي أن الحاجة إلى السيطرة على الآخرين هو ناتج عن الإحساس باللاسلطة على الذات وعدم القدرة على التأثير بالمحيط المجتمعي.

ولعل أشهر أدوات السيطرة على الأتباع هو تخديرهم بالخمر من قديم الزمان إلى عصرنا الحديث، والغريب أن الأبحاث العلمية تُثبت أنه ضار ومسبب للأمراض إلا أن الدول الغربية ترفض أن تُعامله مثل التبغ بدفع الضريبة المضافة أو تثقيف المجتمع بمخاطره بالدرجة نفسها التي تمارسها على باقي المخدرات! ولعل النبيذ يتميز على باقي الخمور، فهو في الكنيسة والبرلمان وشاربه إنسان متحضر! النبيذ مشروب الروح ودم المسيح وصعود مؤقت إلي أورشليم السماوية، هو خمر مُسكر له أنواعه وطرق تحضيره المتعددة إلا أن النبيذ الأورشليمي له تاريخ حافل في اقتصاديات العالم القديم. فلقد اشتهرت أورشليم بصناعة نبيذ متطورة، تبدأ بالاهتمام والعناية بكروم العنب، ثم تجهيز أوان فخارية خاصة قادرة على حفظ ما بداخلها لمدة تزيد عن عشر سنوات، وأيضا فتنقية النبيذ تعد ابتكارا أورشليميا بل أن هناك طريقة تُستخدم لحد الآن تُسمى الأورشليمية تشمل على أربعين خطوة لتنقية النبيذ مما يجعله صافياً نقياً، كما أن النبيذ الأورشليمي يُعد أقدم نبيذ متعدد النكهات فمنه المخلوط بالنعناع أو الريحان أو القرفة أو حتى القطران في أصناف تصل إلى ثلاثين نكهة مذكورة في السجلات الأثرية.

ما هو الحقيقي وما هو المُلفّق في تاريخ الأقصى؟ وهل أنا مضطر لأعدد المزيد من القصص والروايات التي تجعلني أنتشي أكثر بعشق المكان وتقديس الصلاة فيه؟ أم تُراني أُقدم نبيذا أورشليميا لمن لا يؤمن أنه مكان مُقدّس؟ أم أن طهارة القدس ليست ماءً بل نبيذاً؟

خالد أبو عدنان

ولدت لاجئاً وأحيا مهاجراً

9/12/2017

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة