حكاية في قاع الحفر
تروي قصة من القصص الحقيقية لسكان الأصليين في استراليا واضطهاد البريطانيين لهم، هذه القصة لا تتكلم عن بدايات الاستعمار للقارة الاسترالية قبل 300 عام، بل أنها تروي أحداث حقيقية عن سرقة أطفال البروجونيز (الأصليين) أثناء الحرب العالمية الأولى ليعملوا في المزارع الاسترالية وأحياناً أخرى في المعامل والحانات والبيوت بدون أجر أو حقوق ، بل أن أغلبهم تم منحهم لأسر البيض كخدم أو أطفال من الدرجة الثانية. لا يوجد إحصائيات رسمية عن سرقة أطفال البروجونيز في الحرب العالمية الأولى ولا قبلها ولا بعدها، فهي سياسة استراليا البيضاء التي مسحت خصائص قومية لأكثر من 500 شعب كانوا يسكنوا هذه القارة لهم 180 لغة وأكثر من 70 دين معروف، الآن هم أقلية مضطهدة يظهرها الإعلام الاسترالية بأنها بدائية ومتخلفة وترفض التحضر والكثير الكثير من سياسات التمييز العنصري التي مازالت تمارس ضدهم.
في اليوم الوطني الاسترالي أقدم ترجمتي لحكاية للقصاصة إدنا تانجينغو ( قبيلة تانجينغو كانت تعيش في قلب الصحراء الاسترالية) عن طفولتها المأساوية:
كان حديثنا عن شعب الولاية.. هم من هناك أتوا.. من بعد البحر.. كنا نتحدث عنهم كثيرا.. عن خطفهم للأطفال!
في محطة قطار جبل بينرين، عندما كنّا نسمع أن شعب الولاية أتوا، كنّا نهرب ونختبئ بين الشجيرات الصغيرة، كنّا كلنّا أطفال صغار، كان أهلنا يُخَبِئونا في الغابات الشوكية حيث لا يعيش أحد. بل أنهم كانوا يرموننا في بيتينجكا ( حفرة دائرية من الأعلى عميقة بشكل بيضاوي من الأسفل لها مدخل عن طريق نفق متعرج). نحن نتحدث عن الأيام العتيقة قبل أن يبنوا مستوطنة كوبر بيدي فوق أرضنا، نحن نتحدث عن أيام شعب الولاية، الذين كنّا نسميهم شعب القطار أيضا، أنها ذكريات الطفولة وأحاديث الرعب من أن يتم خطفنا ولا نعود نرى أهلنا. عندما كبرنا قالوا لنا هذه بلدكم كوبر بيدي ولا شيء اسمه تانجينغو!
في طفولتنا لم يكن هناك أطفال يلعبون في مستوطنة كوبر بيدي، وحتى الكبار كانوا يجلسون طوال اليوم، الكبار كانوا خارج الحفر يراقبون ونحن داخل الحفر وممنوع الكلام في كل مكان أنه زمن الصمت المرعب. كانوا يقذفونا داخل الحفر قبل شروق الشمس، كانوا يسمحون للأطفال السود البشعين بأن يبقوا خارج الحفرة، فشعب الولاية لا يحب المارو.
كان نضال الصمت، كنّا نتدرب عليه طويلا، ممنوع الكلام ممنوع الهمس وإلا سنخطف من شعب الولاية! إمي كانت تقول أن الكبار كانوا أيضاّ صامتين، لكنهم مشغولين بمراقبة كل حركة كل شيء أصبح يخيفنا شعب الولاية قتل السلام. كانت إمي تُحضّر لنا الطعام وتنتظر طويلا إشارات من جميع الكبار الذين يراقبون الطريق والآخرين الذين يُصلّون لسلامتنا، ثم تتقدم نحو حفرتنا. ترمي حبلها الخشن ذو الرائحة ساحرة، نفهم أن علينا الاستعداد فالطعام قادم، نرتب جلوسنا ونشد الحبل برفق مرتين، فتعلم إمي أننا مستعدون، ترفع أمي الحبل ثم تربط الطعام بالحبل وترسله لنا من جديد، كنت أقوم بتوزيعه على كل الأطفال وأطلب المزيد، كنّا نفضل الماء على الطعام، لكن شعب الولاية سرق الماء، فبات الماء لا يأتي إلا مرة كل أسبوع مع إيودا الذي يسرقه من حمامات محطة القطار!
كنّا ننام كثيرا في الحفر، فأكثر أنواع الصمت هو أن يستسلم جسدك لصمت روحك وتسكن رغباتك فلا تطلب إلا أن يكون لك مكان لتنام! كانت حفرتنا أكبر من باقي الحفر فهي عميقة ولها مدخلين من ثلاث أنفاق، كنت آخذ الأطفال دون الخامسة ليصرخوا داخل النفق المغلق، كان كل طفل يصرخ مرتين قبل أن تصبح الشمس عامودية ساعة ما يرحل أطفال الآلهة للغذاء.
عندما تغيب الشمس كنّا جميعاً نصرخ: مانتا مارو أي حل الظلام اسحبونا من الحفرة، وأحيانا كان الكبار يصرخوا: مانتا مارو استيقظوا من سباتكم ونحن نائمون لا نعرف أن الشمس قد رحلت إلي بلاد الحوت الأسود! عندما نخرج من الحفر كان أهلنا يعانقوننا طويلا وأمي تنفض الرمل عن جسدي وتقول: أنتِ برتقالية مثل الشمس أنتِ أجمل فوق الغيوم لا في حفرة في حضن إبليس، كان إبليس الشرير هو من يحمينا من شر أهل الولاية، لكننا لا نحبه هو أيضاً!
كان الظلام.. وقت الصراخ والكلام.. وقت اللعب.. وقت الركض.. وقت نملك الحياة.. كان بعض الكبار يهبطوا داخل الحفر لترميمها وتنظيفها، وعندما يخرجوا كانوا يُوبخوننا على كل شيء حتى على بُرازنا!
كنّا بالسابق نعيش قرب البحيرة التي يسمونها الآن فيلبسون، لم يكن هناك سياج حولها في السابق، لم يكن حولها بيوت أهل الولاية، كانت موطننا! الآن أهل الولاية سرقوا كل شيء إلا حفرنا المُختبئة في حضن إبليس اللعين الذي نكرهه لكنه ساعدنا أيضاً.
بعد الحرب توقف خطف الأطفال، لم نعد ننزل إلي الحفر، بل أننا كنّا نتنقل بالقطار أيضاً، كنّا نراهم حولنا، مثل السيدة فيليا البيضاء التي تشبه الأقحوان الناشف. كان أهلنا لما يرو فيليا يصرخون بنا: والا والا ريوا أباكاتيجي تجيتا والا أي أركضوا بعيداً عن فيليا ابنة إبليس، كان لا يهدأ الكبار حتى تغادر فيليا القطار!
كنّا نلعب طوال اليوم ونركض ونختبئ، كان الاختباء أفضل الألعاب فهي تدريب على الهرب إذا خُطفنا من أهل الولاية! كنّا لا نتوقف عن اللعب حتى ترحل الشمس لبلاد الحوت الأسود. كان أهلنا يبحثون عنّا إذا لم نعد قبل الغروب، كان الخوف من الخطف أكبر من الخوف من الموت!
في الصباح لما تشرق الشمس ( تجيتو باكالا) كانت صلاتنا أننا بعثنا من جديد وفي قت الضحى (مونغاوينكي) يجتمع أفراد العائلة لتناول الشاي، بعد تناول الشاي يبدأ يومنا ويبدأ اللعب وابتكار أفكار جديدة في فن الاختباء خوفاً من الخطف!
نغالتوتجارا جيتا كل الأشياء البسيطة كانت ممنوعة، لم نعد نملك أكثر من الخوف من الخطف، علينا أن نبقى معاً أن نركض معاً حتى عندما نلعب لعبة الاختباء كنّا نقسّم أنفسنا إلي مجموعات حتى أننا كنّا نركض معا إسم ركضنا الجماعي كونغكا بيلتي يعني الركض من السيدة العجوز فيليا البيضاء!
نعم، إذا تمكن أهل الولاية من اصطيادنا سيرسلونا إلي بيت رعب الأطفال، هناك في منطقة وولدي، لا أعرف أحدا لم يُخطف وأنا أيضاً خُطفت أكثر من مرة، أطولها شهرين وأقلها أسبوعين، لكنني كنت أتمكن من الهرب كل مرة، فالأطفال لا يعملون في قبيلتنا لكن أهل الولاية يريدهم أن يعملوا كل شيء حتى تكنيس الغبار من فوق الرمل!
جيتجي بولكارينغكولا كوتجي نجانانا بوكولارينجو هي أغنية العودة من الخطف أعود فرحة وأخبر الناس عن أبنائهم وماذا طلب مني أهل الولاية أن أعمل، أجمل شيء بالخطف أنني أستطيع أن استحم كل يوم، بل أنني كنت أشرب الماء وقتما أشاء.
عندما صرت شابة قالوا لنا نحن أحرار نملك أن نتحرك كيفما نرغب، بل أنهم سمحوا لنا أن نرى بحيرتنا التي كانت موطننا لكن ممنوع الاستحمام بها، وجلبوا طائر أسود اسمه أوزه هندية فهي الوحيدة التي تملك أن تسبح في بحيرتنا بل أنها بحيرتها الآن!
مولاكوتو! مولاكوتو! مولاكوتو! أنها الحقيقة لكنهم يرفضوا أن يعلموها لأولادنا وأولادهم ولا حتى لي أنا، لماذا كنّا نختبئ ولماذا نختبئ الآن وسنبقى نختبئ
خالد أبو عدنان
ولدت لاجئا وأحيا مهاجرا
26/1/2016









