دراسة بعنوان: العنف السلمي في فكر حركة فتح
حركة فتح هي يسار اليميين ويمين اليسار المعادلة الأصعب في الممارسة الثورية ضمن ضعف العلاقة مع الحلفاء والتغيير المستمر لوسائل تحقيق الأهداف المرحلية وكذلك النصر النهائي. هذه الوضعية الفكرية لها أبعاد فلسفية عميقة بشرح البعد الإنساني للنظرية الثورية لحركة فتح والمرتكزات الفكرية التي بلورت فكرها ورسمت متجهاتها السياسية وتحالفاتها الإقليمية ضمن دراسة معمقة للفكر السياسي المعاصر في أوروبا أولا ثم المنطقة العربية ثانيا.
ففي العصر الحديث ظهر في أوروبا فكر السوق الحر الذي تبنى الحرية الشخصية والملكية الخاصة كإطار توافقي بين الإقطاعيين والأعيان وكبار قادة الجيش لتشكيل تحالف داخلي يضمن استمرار اللحمة المجتمعية دون تضارب المصالح، وهذه الأفكار التي تبلورت في بريطانيا مهدت الطريق لتبني فكرة تشكيل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية وكذلك الانتخابات الديموقراطية.
أما المنطلقات الحقيقية لفكر السوق الحر فهي تعتمد على القطبية القوية وتحارب التعددية الشعبية، فهناك مثلا سلطتين لكل شيء في السياسة والإعلام والدين والجيش وأيضا بالجامعات الأكاديمية، هذه القطيية أفرزت اليسار واليمين في السياسة العلمية ونقلتها من حيز طرق التفكير إلى أسس التحالف المصلحي، وأصبح الانتقال من تكتل يساري إلى آخر يميني يسمى براغماتية المنفعة، فلم يعد الرأي السياسي ذو مثالية الإيمان بالحقيقة والثبات على الحق والسعي للدفاع عنهما، بل هي المصلحة العامة والمنفعة الخاصة، وهذا التحول خلق أزمة أخلاقية جعلت كل شيء قابل للتفاوض ولا يوجد مبدأ مقدس بل أن كل قرار يأخذه الانسان يعتمد على الظروف المحيطة باتخاذ القرار لذا فكل شيء متحرك وقابل لتعديل.
ومن زاوية أخرى ظهرت أفكار الندرة الاقتصادية تأثرا بنظرية انقراض بعض الحيوانات والنباتات، مما خلق خوف حقيقي لدى الاقتصاديين الذين يسعوا إلى دفع الاقتصاد نحو التوسع والنمو مما يعني أن محدودية الموارد ستؤدي إلى انقراضها، لذا لابد من إيجاد موارد جديدة بشكل مستمر لكن من خارج الدائرة الاقتصادية الطبيعية وكذلك تنظيف الدائرة الاقتصادية الطبيعية من كل أنواع الآفات للحفاظ على حيويتها. هذه الأفكار الوردية لها أسماء خشنة وملطخة بالدماء فهي الإمبريالية الاستعمارية التوسعية في سلب خيرات الشعوب الفقيرة من أجل رفاهية المجتمعات الغنية من وجهة نظر أعداء فكر السوق الحر.
على الرغم أن الإيرلنديين هم أول ضحايا هذه النظرية فهم أول من تعرض لظلم سياسي واضطهاد ديني واستبداد عسكري؛ إلا أن كارل ماركس يعد المؤسس الحقيقي لفكرة رفض النظام السياسي القائم على فكر السوق الحر، فقد طرح بديل لذلك مفهوم الثورة الطبقية، فالغالبية العظمى من المجتمع هم من الفقراء لكن هناك قلة قليلة ذات نفوذ اقتصادي تسيطر على القرار السياسي للمجتمع، وهذا يعني أن الرفاهية لا تخص مجتمع الدول الغنية بل هي للطبقة الغنية في أي بلد من بلدان العالم بغض النظر عن التطور الاقتصادي للمجتمع بشكل عام. وبالتأكيد لم يتمكن ماركس من طرح فكرة عملية لتصويب مسار المجتمع سوى طرح فكرة الثورة المسلحة وسحب السلطة باستخدام قوة السلاح ضد الطبقة المتنفذة ضمن مفاهيم ديكتاورية البوليتاريا التي تسعى إلى إلغاء الملكية الفردية وتحويل كل الملكيات للمشاركة الجمعية ووضع القوانين الصارمة ضد نظرية الندرة الاقتصادية ضمن مفاهيم المواطن العالمي في الحياة الشيوعية في ظل الحكومة الاشتراكية الأممية.
إلا أن هذا الصراع الفكري خرج من الدائرة الاقتصادية الطبيعية في الدول الأوروبية لينتقل إلى باقي دول العالم، فأصبح كل مجتمع منقسم على نفسه وله ارتباط بالمركز الامبريالي للسوق الحر اليميني أو قيادة الثورة الاشتراكية اليسارية، وأصبحت هذه الدوائر تعيق استقلال القرار السياسي وتعمل على صناعة التبعية الاقتصادية والوصاية السياسية للدول الصغرى؛ مما ساهم في تأخر تطورها وصعوبة لحاقها باقتصاديات الدول الغنية.
إلا الحياة السياسية في أوروبا رفض استمرار القطبية السياسية بين الأحزاب السياسية التي تؤمن بفكر السوق الحر وكذلك قطبية حماية المجتمع في منافسة مستعرة بين الرأسماليين والشيوعيين، فالقطبية هي عبارة عن تجاذب الداخلي خلق أمراض الانغلاق الفكري وسحب هوامش حرية الاختلاف ومن جانب آخر وصلت حدة التنافر بين أقطاب المجتمع لحدود العداء والاستعداد للاقتتال الداخلي، عندما وصلت المجتمعات الأوروبية لهذه الحدود ظهر عقلاء الوسطية الفكرية التي تؤمن بتكاملية العلاقة بين مكونات المجتمع وأن لكل دولة هوية قومية ترتكز على الحفاظ على التوازن بين الاحتياجات الأساسية لطبقات الكادحة وأهمية التنمية المستمرة لرأسمال؛ وبدأ هذه الأفكار بتشكيل مفاهيم القيم المجتمعية وتأسيس علم الفلكلور وبعد ذلك تحديد مكونات الشخصية الوطنية بفروعها الأربعة: الأسطورة القومية، القائد الملهم، الفلاح الشعبي، والبرجوازي الوطني في تراكيب علم الاجتماع الحديث المستند إلى أسس الرأسمال المجتمعي.
هذه الوسطية العقلانية صنعت إنجاز تاريخي مهم وهو أن المجتمعات الأوروبية بدأت تسأل نفسها ما هي القومية وما الفرق بين الوطنية والقومية وبشكل أصعب تحديد الفروقات الطبقية للهوية المجتمعية في حدود الجغرافيا السياسية لدولة الحديثة، إن الدعوة للحفاظ على الهوية القومية جاء كردة فعل طبيعية ضد الأفكار العابرة للحدود من قبل قطبي المجتمع حيث تدعو الشيوعية الأممية إلى النضال الطبقي ومن جهة أخرى تدعو الرأسمالية إلى عالمية السوق الحر، مما جعل تشكل الحركة الديموقراطية الاجتماعية وكذلك الاشتراكية الديموقراطية في انسلاخ فطري وطبيعي لقطبي الحياة السياسية، وهي البداية الحقيقية لتدوال الأفكار دون هالة القداسة التي فرضها منظري الاشتراكية والرأسمالية على حد سواء، فالمجتمع لم ير أن الرأسمالية تشكل خطرا على تطوره الاجتماعي، كما أن إطروحات الرأسماليين لإزالة عقدة الخوف المجتمعي بأننا سوف نتعرض للانقراض وفقا لنظرية الندرة، غير مقنعة للغالبية الفقيرة التي ترى الخبز ولا تملك المال لتشتريه، إنها ظاهرة الرأسمالي الاشتراكي في ظل الاقتصاد المختلط.
كانت أولى مطالب الديموقراطية الاجتماعية رفض إزالة الحدود السياسية للعمل السياسي ضمن تبلور فكرة لكل وطن استقلال سياسي يضمن له حق تحديد شكل المواطنة داخله وشبكة العلاقة بين المواطن في وطنه ومصالحه في أوطان الآخرين، على أن تبقى السلطة السياسية لكل وطن مستقلة سياسيا؛ وهي البذور الأولى لمفهوم عدم التدخل بشؤون الداخلية للدول الأخرى وهي فكرة طرحتها الحركة الألمانية الديموقراطية الاجتماعية في عام ١٨٧٩. وفي نفس الفترة أيضا ظهرت جذور العنصرية الوطنية في تصعيد عنيف للحفاظ على الهوية القومية مما ساهم في إعادة تشكل المجتمع المتعدد الثقافات ضمن قبول حق الأقليات بالتمايز عن الأكثرية الحاكمة في المجتمع ضمن حملات الرأسمالية لحماية مصالحها خارج حدودها السياسية. إلا فكرة عدم التدخل في شؤون الداخلية لدول الأخرى قلل من تكاليف التحالف السياسي وجعل معدل الحروب ينخفض إلى أدنى مستوياته، بل أن هذا المبدأ يعتبر أول عامل مشترك بين يسار اليمين (الديموقراطية الاجتماعية) و يمين اليسار (الاشتراكية الديموقراطية) وبداية تشكل مفهوم العنف السلمي في الديموقراطيات الأوروبية.
ففي تفسيرات الشيوعيين فإن ثورة قادمة وستكون عمالية فلاحية، إلا الدعوات لتحقيق ذلك كانت أشبة بالهزل الكاذب، كما أن استخفاف الرأسماليين بمطالب الفقراء المعدمين خارج حدود السياسة الأوروبية الجغرافية، وهي التي شرحت إمكانية التغيير الهادئ لقرارات السياسية للطبقة المتنفذة في المجتمع، عن طريق تحريك الأفكار السياسية لتتناسب مع المتغيرات المجتمعية أكثر من تبنيها لفكر سياسي بشكل صارم وهذا الأفكار أسست لمفاهيم عملية اختصرها غوتيه بالعلمانية العملية التي ترفض مفهوم قلب نظام الحكم بشكل دموي لأنه سيسبب إلى فقدان رأسمال لدوره في التنمية المجتمعية بالمقابل لن يوفر الظروف الملائمة لانتصار الثورة، مما رفع من أهمية التنظير السياسي وبداية ظهور الإعلام الحزبي، هذا كله شكل اسس الحرية من مفهوم الديموقراطية الاجتماعية.
إن طرح فكرة تغيير الواقع الفساد بطرق سلمية لا يعني أنها ليست عنيفة وفق مبادئ الاشتراكية الديموقراطية التي ابتدعت المظاهرات السياسية المعارضة لقرار الحكومات، وتلى ذلك ما قامت به الديموقراطية الاجتماعية من استحداث علم المناظرات السياسية، في رفض كلي لمفهوم قداسة القرار السياسي للحكومة مما حق انتصار مجتمعي حقيقي في تطور الفكر العلماني الذي رفض الصبغة الدينية القرار السياسي في البداية وبعد نضال الأحزاب الوسطية تم إزالة البدلة العسكرية للقرار السياسية وسن قوانين تمنع الجيش من التدخل بالحياة السياسية الداخلية.
لذا كانت نظرة الرعيل المؤسس لحركة فتح واضحة في فهم المتجهات السياسية الإقليمية والدولية وجاء متناغمة مع روح العصر الذي وصل إلى قناعة تيتو ونهرو وعبد الناصر بضرورة ظهور وسطية سياسية عالمية تحت مسمى دول عدم الانحياز للمصفوفة الغربية أو الكتلة الشرقية؛ إلا حركة فتح ذهبت بالوسطية السياسية إلى أبعاد الديموقراطية الاجتماعية المعاصرة عندما رفضت شعار الوحدة العربية طريق التحرير مرتكزة على الأصول المؤسسة لوطنية القضية الفلسطينية دون إلغاء عمقها القومي وعدالتها الانسانية، فجاء فكرة جديدة ترفض فكرة انخراط الشباب الفلسطيني في الحياة السياسية الداخلية للدول العربية، كما أنها ترفض فكرة الثورة على الذات والانقلابات العسكرية، مما أعطى لحركة فتح امتداد عربي واسع من خلال انخراط الشباب العربي في صفوف حركة فتح وكذلك تلقت حركة فتح دعم مالي وإعلامي من الشعوب العربية فيما عرف لاحقا باسم الجبهة العربية المساندة للثورة الفلسطينية.
إلا أن العديد من الحكومات العربية والأحزاب العربية سعت لإحتواء حركة فتح ضمن خط سياسي عربي واحد ضد باقي الأحزاب السياسية، مما دفع قيادة حركة فتح بإصدار مبدأها الصاعق في انحياز حركة فتح لكل من يعمل من أجل فلسطين دون أن يكون هناك خط سياسي وحيد صحيح ولا يمكن أن تقبل الحركة تصنيفات البعض العربي بنعت البعض الآخر بالعميل للصهيونية واعتباره جزء من حلفاء الكيان الصهيوني في حوارات عنيفة مع النخب السياسية العربية خرجت قيادة حركة فتح بمبدأ القرار الفلسطيني المستقل دعم لفكرة فلسطين قضية العرب المركزية والثورة الفلسطينية رأس الحربى في معركة التحرير التي لن نصل إليها إلا بتضافر المجهود العسكري لكل الجيوش العربية وبدعم من كل الشعوب العربية ضمن فكرة فلسطين وطن لكل العرب وتحريرها واجب وطني قومي ديني وأممي أيضا، هي الوحدة المستحيلة في القاموس السياسي العربي لكنها مع حركة فتح وصلت لمرحلة الحقيقة العملية في مطلع السبعينات من القرن الماضي.
أما الوحدة الوطنية الفلسطينية التي طرحتها حركة فتح في بداية الستينيات من القرن المنصرم؛ لم تكن بالضرورة انتصار لفكرة الوسطية داخل أطر حركة فتح بقدر ما شكلت انتصار للجانب العملي في الثورة على التنظير السياسي الذي كان يسعى لتوسيع القاعدة الشعبية لفكرة فتح بضرورة التركيز على العمل العربي المشترك وجعل الأحزاب العربية أن تقبل أن تحرير فلسطين هي طريق الوحدة العربية لا العكس، إلا القطاع العملي في الأطر الحركية رأى أن العمل الفدائي المسلح سوف يحرك المساحة الجامدة التي تفصل بين الأحزاب العربية مما يجعلها تتقارب ضمن مفهوم كل البنادق موجهة ضد الجيش الصهيوني وأن المعركة ضد الصهيونية هو ما يوحد النضال العربي بكل أطيافه السياسية.
ففي ظل التنافس على من يحكم طرحت حركة فتح العمل المشترك ودفعت القوى الفلسطينية لضرورة الدفاع عن قرار الإجماع الفلسطيني في فهم أوسع لديموقراطية صناعة القرار، فعلى الرغم أن حركة فتح كانت ومازالت تحظى بأكثرية عدد الأصوات بالمؤسسات الفلسطينية التشريعية إلا أنها تبحث دائما عن قواسم الإجماع الوطني لجعل مسألة القرار الفلسطيني المستقل ذو وزن حقيقي للقيادة الفلسطينية التي استحقت عن جدارة مهمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بل أن القرار الفلسطيني يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يكون القرار السياسي بحاجة لدعم عربي ودولي فبعد تحصين الجبهة الداخلية يبدأ الهجوم الفلسطيني لإصدار قرارات عربية ودولية داعمة للقرار الفلسطيني وأجمل ما فعله الشهيد أبو يوسف النجار هو تكليف قيادات غير فتحاوية بالدفاع عن قرار الثورة؛ كما أن الشهيد كمال عدوان أبدع فكرة الثورة الفلسطينية من خلال تبني كل المستقلين في جريدة الثورة، في بداية مرحلة الوحدة الوطنية العملية من خلال تحويل منظمة التحرير الفلسطينية إلى بيت لكل فلسطيني ومؤسسات الثورة الفلسطينية هي لكل الشعب الفلسطيني وأنصار الثورة الفلسطينية، خصوصا بعد دخول التيار اليساري الماوي في صفوف حركة فتح وتبني فكرة حرب الشعب طويلة الأمد في تحول خطير لحركة فتح من الديموقراطية الاجتماعية إلى الاشتراكية الديموقراطية.
كان هذا تحول الصعب أحد أهم مبررات القائد القومي الراحل جمال عبد الناصر بضرورة فتح علاقات رسمية بين قيادة الاتحاد السوفيتي والرئيس الشهيد ياسر عرفات أبو عمار، إلا أن عرفات أصدر قرار بتشكيل معسكر الشيوخ وكلف الشيخ عبد الله عزام بوضع القوانين الداخلية له، وقبل الدعم العسكري السعودي للثورة الفلسطينية بعد معركة الكرامة، وهذه المناورات العرفاتية اكسبته صفة الرقم الصعب في بداية أزمة مبادرة روجرز في صيف ١٩٧٠ وهي الدافع الحقيقي في استقبال القيادة السوفياتية لأبوعمار ومن جهة أخرى تعد هي أيضا السبب الحقيقي في أحداث أيلول بين الجيش الأردني وقوات الفصائل الفلسطينية. إلا أن الدارسين لتلك المرحلة يجمعوا على أن أحداثها المفصلية صعنت القرار الفلسطيني المستقل الغير خاضع لوصاية أي من دول العربية دون أن يكون ذلك عداء لأي منها وأكثر من ذلك أن القيادة الفلسطينية هي ما يمثل الشعب الفلسطيني ولا يمكن أن يقرر أحدا نيابة عن الفلسطينيين ففشل روجرز وكسنجر وفورد وكل من حاول أن يلغى دور القيادة الفلسطينية في أي قرار السياسي يخص فلسطين.
هذا العنف السلمي الذي صوب المعادلة الأقليمية في الشرق الأوسط مما نقل الثقل الحقيقي للصراع العربي الإسرائيلي من كونه صراع حدود وقضية لاجئين إلى قضية وجود شعب فلسطين يطالب بحق تقرير المصير والسيادة على أرضه ضمن مفهوم الدولة الفلسطينية الديموقراطية، مجرد قبول هذه الفكرة في قمة الرباط للقيادة العربية دفع الكل العربي إلى أن يتعامل مع فلسطين باستقلال تمام عن الدول الحاضنة للنضال القومي ضد الصهيونية مما أفرز قبول إجباري للسيادة الفلسطينية على القرار الفلسطيني على الصعيد العربي القومي وهو الذي أهل منظمة التحرير الفلسطينية لتنال العضوية المراقبة في هيئة الأمم المتحدة ويتم سماع الصوت الفلسطيني على أهم منبر دولي وذلك عندما خطب ياسر عرفات خطبته الشهيرة المعنونة لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي؛ في إعلان واضح وهام أن الفدائي الفلسطيني يخرض غمار حرب تحرير وطنه وهو يقبل أن يتفاوض على الشكل النهائي لوطنه: وهذا يعد الخروج الثاني للنضال الفلسطيني من الصبغة الاشتراكية الشعبية الداعية للإرهاب الدولي وخطف الطائرات ثم الانتقال إلى الاشتراكية الديموقراطية في طرح الكفاح المسلح الخيار الحتمي والوحيد لتحرير فلسطين وبعدها الانتقال إلى الديموقراطية الاجتماعية في طرح كل الخيارات مفتوحة وسوف تقام الدولة الفلسطينية على أي شبر يتم دحر الاحتلال منه وفق شروحات البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
بالتأكيد أن تكاملية التي فعلت فعلها بالقضية الفلسطينية تستند إلى إيمان القيادة الفلسطينية بالوسطية السياسية، فقد رفضت المبدأ الشيوعي القائل بضرورة الاعتماد على الطاقات الفلسطينية للحفاظ على استقلالية القرار السياسي كما أنها رفضت أن يكون هناك جهة سياسية دولية أو إقليمية تلعب دور الراعي للثورة ولها حق الوصاية للنضال الفلسطيني، بالمقابل لعبت القيادة الفلسطينية على محاور الحلفاء وتلقت الدعم المالي والسياسي والإعلامي والمعنوي من جهات متعددة دون أن تفقد استقلال قرارها سياسي.
كما أن إهمال الحكومات العربية للمخيمات الفلسطينية جعلها تنتقل من مناطق فقيرة إلى مناطق منبوذة في مجتمعات عربية غير قادرة على إدارة ذاتها؛ فجاءت حركة فتح بفكرها اليساري الماوي فعملت على تأسيس الميليشيا الشعبية والفرق الكشفية وقوات الزهرات والأشبال في تحويل الغضب الشعبي الفلسطيني إلى قوة رفض الواقع وتجيير هذا الغضب لخدمة هدف الثورة في تحرير فلسطين من العدو الصهيوني، إلا أن هذه الأفكار أخذت تتلون بفكر الديموقراطية الاجتماعية من خلال طرح فكرة العمل في مؤسسات الثورة التي بدأت بالخدمات الطبية والإعلام ثم مشاغل صامد وغيرها من المؤسسات التي نقلت الثورة الفلسطينية من مجرد قوات مقاتلة إلى فكرة حكومة في المنفى مستخدمة العنف السلمي القاسي نسبيا على كل الدول العربية.
أما معضلة المواطن المنبوذ من وطنه فلقد رفضتها حركة فتح منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، فلا يمكن أن تسمح الثورة الفلسطينية بالاضرار في مصالح فلسطينيين يحملون جنسيات الدول العربية ولا حتى الجنسية الإسرائيلية، وهذا كله جاء بعد دراسة أسباب فشل الثورات الكردية المتتالية وكذلك دراسة تاريخ الصهيونية ومسؤوليتها عن اضطهاد اليهود في شرق أوروبا والهولوكوست بسبب استخدامها العنيف لمفهوم الولاء للحركة الصهيونية لا لمواطنة الدول التي يعيش فيها اليهودي، فجاء تجربة حركة فتح أقرب للفهم الماركسي للثورة في تجميد الخلافات الثانوية والتفرغ لتحقيق هدف الثورة وتأجيل باقي الخلافات إلى ما بعد انتصار الثورة، وهذا جعل انتشار الفكر الثوري في صفوف الفلسطينيين مرتفع لأنه لا يلزم أحد بضرورة التفرغ التام بالثورة، فقد يكون الثائر موظف صباحا ويخصص ساعتين يوميا للنضال من أجل فلسطين، كما أن النضال الفلسطيني يقبل النضال المركب ضمن خدمة الثورة الفلسطينية وخدمة إحدى الحكومات العربية في نفس الوقت؛ هذه القضايا التي قد تبدو عادية طبيعية بالوقت الحالي: كانت تعتبر من الجرائم السياسية التي تصل لدرجة العمالة وخيانة الثورة في التنظيمات اليسارية الشيوعية.
فحركة فتح رفضت فكرة للمواطن المنبوذ وخرجت بتعريف جديد أن المناضل الفلسطيني هو كل من يناضل من أجل إحقاق الحق الفلسطيني ويعمل على تحقيق النصر للثورة الفلسطينية بغض النظر عن أصله أو دينه أو فكره سياسي، وأكثر من ذلك تعتبر حركة فتح أول من قبل فكرة التطوع في العمل الثوري لفترات متقطعة أو لساعات محدودة، ضمن تبني الحركة لمفهوم الحرب الشعبية طويلة الأمد وأن الثورة الفلسطينية مشوارها طويل وبحاجة لمجهودات كل الطاقات الفلسطينية وبالتأكيد ضمن فهم أن المناضل الفلسطيني هو كل من يعمل من أجل انتصار الثورة الفلسطينية بغض النظر عن أصله أو دينه أو فكره السياسي.
هذه الأسس الحقيقية التي مهدت الطريق لقبول فكرة الثورة السلمية اللا عنفية في فلسطين والتي عرفت فلسفيا باسم الانتفاضة؛ بالتأكيد أننا نتحدث عن انتفاضة عام ١٩٨٧ التي أذهلت العالم بقدرتها على الاستمرارية ضمن فهم ممنهج ومبرمج للنضال السلمي اللا عنفي، على الرغم أن الجيش الإسرائيلي تمادى في عقاب كل فعل عنفي ضد الاحتلال بل أن مجرد الهتاف بالمظاهرات كان يعد عنفا يعاقب عليه القانون ضمن باقة قوانين الأحكام العسكرية العرفية الإسرائيلية وأكثر من هذا تم فرض الإقامة الجبرية على كل سكان الضفة الغربية في صيف ١٩٨٨ حين أعلن الجيش للإسرائيلي أن الخروج من محافظة إلى أخرى في الضفة الغربية بحاجة لتصريح من الحاكم العسكري؛ وفي تصعيد العنف القوانين العسكرية خرجت قرية بيت ساحور بفكرة العصيان المدني الشامل في رعب العنف السلمي السلبي الرافض لتعامل مع الاحتلال دون أن يقدر على دحر الاحتلال وهو أقسى أنواع التحدي السلمي؛ أما النضال السلمي الإيجابي فهو يشمل على المظاهرات والاعتصامات والأساليب الفنية والفكرية لرفض سلطة الاحتلال وأدواتها العسكرية والاقتصادية والقضائية، فقد تصاعد في بداية القرن الحالي يشمل البعد الدولي للقضية الفلسطينية، فأصبحت فكرة نشطاء السلام الدوليين والحملات الدولية المناصرة للشعب الفلسطيني وصولا لفكرة الجدار البشري العازل التي استخدمها النشطاء الغربيين للفصل بين قوات الاحتلال وأبناء الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة.
إن إعادة طرح القضية الفلسطينية على أنها جزء من النضال الانساني الدولي وضع السؤال الأصعب للقضية الفلسطينية: هل المطلوب دفع الظلم عن الشعب الفلسطيني؟ أم هل المطلوب دعم القيادة الفلسطينية لتحقيق الأهداف السياسية للشعب الفلسطيني؟ في عودة للوراء لفكرة السؤال التقليدي للأحزاب الأممية التي تتبنى فكرة الثورة الدائمة المطالبة برفض شرعية أي حكومة بالعالم مادامت لا تخضع لحكم ديكتارورية البوليتاريا والقوى المناصرة للعمال والفلاحين، وهو نفسه الرفض الذي تتبناه الأحزاب الدينية بضرورة وصاية المرجعيات الدينية للقرار السياسي ورفض القرار الحكومي الكافر، هذه المناهج السياسية قامت بتضخيم الفساد الإداري والمالي في السلطة الفلسطينية وقدرتها على العدالة الاجتماعية يين الشعب الفلسطيني، بل أن بعض القوى اليسارية المتطرفة اعتبرت السلطة الوطنية الفلسطينية جزء من الاحتلال الإسرائيلي المطلوب مقاومته كما يطرح علي أبو نعمة وعمر البرغرثي وسماح السبعاوي والعديد من كتاب موقع إلكترونيك انتفاضة في المهجر الأمريكي والكندي والاسترالي. إلا أن هذه الاتجاهات لا تعمل على الفعل الثوري الحقيقي في المناطق الفلسطينية المحتلة ولا تدعم إلا المؤسسات الأهلية الصغيرة لأنها ترفض التعامل مع أي حزب سياسي فلسطيني.
من جانب آخر ظهرت السياسات العمالية الحديثة في فكرها المتطور في دعم القيادة الفلسطينية وتبني فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وهجوم السلام الفلسطيني ودخول فلسطين في عضوية المنظمات الدولية، هذا الدعم من الأحزاب العمالية الغربية قادم من صراع فكري عنيف داخلها بين تبني فكر الديموقراطية الاجتماعية أو الليبرالية الاشتراكية؛ وفي كل التصنيفات الفكرية الحديثة يتم وضع حركة فتح ضمن فكر الأحزاب العمالية الغربية التي تتبنى منهج الديموقراطية الاجتماعية في تاريخها النضالي وبطريقة إدارتها للسلطة الفلسطينية، وهي منهجية قريبة جدا من الواقعية السياسية التي تفرض نفسها في العالم ضد جبروت الفكر الليبرالي الداعي إلى تحالف الأقوياء بأي ثمن للحفاظ على قوتهم، هي دعوة قديمة حديثة لسحق الفقراء من أجل الحفاظ على رفاهية مجتمعات الصفوة. لهذا أصبحت حركة فتح تطرح فكرا مقبولا في المجتمعات الغربية مما ساعد على زيادة متصاعدة باستمرار لدعم القيادة الفلسطينية في صفوف النخب الحزبية والإعلامية والأكاديمية بالمجتمعات الغربية، ولا تجد الأحزاب الليبرالية والجمهوريين المحافظين مبررات لرفض التعامل مع القيادة الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية سوى نعتها بأنها تدعم الإرهابيين حين تتبنى فكرة الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين قي سجون الاحتلال الإسرائيلي وتخصيص دعم مالي لذويهم، وكذلك عندما تتعاون القيادة الفلسطينية مع منظمات إرهابية مثل حركة حماس وجهاد الإسلامي وحتى حزب الله.
إن الفكر الليبرالي يقف عاجزا أمام واقعية الديموقراطية الاجتماعية في منطلقاتها الفكرية ومتجهاتها السياسية، وما يدعم استمرار الليبرالية في الدول الغربية هو ارتباطها بالرأسمال للمسيطر على الاقتصاد والإعلام، والغريب أن المواطن الغربي العادي يتفهم أن الأحزاب العمالية تطرح أفكار مفيدة بالمنظور البعيد المدى، إلا أن أنياب الليبرالية قادرة على عقاب أي مجتمع يحاول تحجيم قوة الرأسماليين في صناعة السياسات الغربية وهو تهديد حقيقي وظهر جليا بالأزمة الاقتصادية في للولايات المتحدة ثم بعض البلدان الغربية، ومن هنا يكون تقبل الفكر الليبرالي غير منطقي لكنه يدخل ضمن الإرهاب الفكري الذي تعيشه المجتمعات الغربية؛ ومن هنا يكون التدرج الفكري لحركة فتح في التعامل مع المتغيرات السياسية بالدول الغربية يستند إلى التبديل اللفظي للمصطلحات من مفاهيم الاشتراكية الديموقراطية نحو الديموقراطية الاجتماعية في فن تسويق العنف السلمي لفكر حركة فتح الذي تطور ليتماشى مع المدارس الفكرية المعاصرة في أطروحات سياسية شجاعة جعلها غير قابلة للرفض بل أن المبررات والحجج في رفضها يأتي من باب الخوف على مستقبل وحدة أهداف الرأسماليين في العالم.
خالد غنام أبو عدنان
ولدت لاجئاً وأحيا مهاجراً
3/12/2017









