مقال بعنوان: الزي الثوري في مرسم إيلينا
لا أذكر من مخيمات اللجوء إلا أشياء بسيطة وقد يعتبرها الكثيرون تافهة، لكنها تعني لي مخزن الذكريات وبراءة الفرح الفطري، كانت إبداعاتنا في تدبير أمورنا الصعبة بكلفة بسيطة تجعلنا نفرح أننا لم نُهزم بعد، بل أن الثورة من هنا بدأت، من أم تصنع لعبة لصغيرها من بقايا ثيابه، وطفلة تُزيّن شباكها مكسور بوردة، ورجل يبني بيته من حُطام الحرب، أنه فن الصمود ورفض الهزيمة. ورغم هجرتي الطويلة عن قريتي الصغيرة في اليونان إلا أنني مازالت أرى الفن بعين اللاجئة الفقيرة التي عليها تدبير أمورها بأقل التكاليف أو بدون تكاليف.
يأتي معرض إيلينا بيتسيليوني ليُعلن من جديد أن العمل الفني يتجاوز مفهوم الجمال ليصل لفلسفة تجميل الموجود بين أيدينا وتوعية أنفسنا أن لنا اختيارات متعددة لاستخدام ما نملك، إن كان قميص قديم أو لعبة معطّلة أو مجرد سحّاب تنورة مكسور. هذه الأشياء التي نرميها بالقمامة لا لشيء إلا عاداتنا الاستهلاكية التي تدفعنا إلي التخلّص من كل ما هو قديم مادام معنا ثمن بديل جديد. بصورة مشابهة لوصف ( ربى عنبتاوي/ بسطار) : هناك حيث تتساوى الأحذية كما تتساوى الأجساد، وتتحد النظرات صوب الأسفل، كان بسطاري يسير وسط عالم ملئ بالأحذية الناعمة والخشنة، المحلية والإيطالية، الرياضية والرسمية. كان يسير بينها جريئاً مندفعاً وإلي يمينه ويساره أحذية وعجلات سيارات وصخور وقاذورات الاستهلاك البشري.
فهي موضة الفقراء بشكلها السهل لكن إيلينا تتعمق في فهم المشكلة الحقيقية لمعنى حمى الجديد، كم هو مكلف أن ندمن على شراء آخر موضة تعرضها علينا الشركات الكبرى، بل أننا لا نملك المال الكافي لهذا الترف التافه، فالكثير من النساء لا يعلمن عدد أثوابهن في الأحياء الغنية بينما نجد أن النساء الفقيرات لا يملكن أكثر من ثوبين يقمن بترقيعهن وتجميلهن، ولوحاتي هي بقايا أثواب بل هي تجميل لفن الترقيع، في محاولة لفهم تجميل القديم في عيون النساء الفقيرات، رأيتهن في الهند وفنزويلا وغانا وأيضا في اليونان، كل منهن تملك فلسفة مختلفة في فن الترقيع. وهو فن الحاجة لاستمرار الفرح بثوب جديد، إنهن يبتكرن أفكار مبدعة في إصرارهن على التعمق بمفاهيم الجمال، وأيضا هن من الناحية العملية قادرات على التكيّف مع وضعهن المادي. وفي مقاربة مماثلة من ( حزامة حبايب/ حلم واقعي ..إلا قليلاً): دثّرتُ قدمي بجوارب صوفية سميكة قبل أن أغلفها بكيسي بلاستيك (من أكياس الخضار) ثم أودعتهما في بسطار عتيق تكاثرت مساماته وشقوقه فبات الماء يرشح بسهولة. ومع أن أكياس البلاستيك تسهم في زيادة رطوبة الحذاء من الداخل، وما ينجم عن ذلك بالتأكيد من رائحة نتنة إلا إنها تصدّ، إلي حد كبير، الماء البارد المتسرب إلي قدمي.
الفن هو ثورة عميقة الأهداف تطرح أشكال حالمة من أساليب التغيير لتنسج صور متعددة لمستقبل تتساوى به الانسانية، ولو أننا تتبعنا مسيرة أزهار القطن من حقول الفقراء بالهند إلي مصانع العمّال الكادحين بالفيتنام ثم تأتي لنا بشكل منتوجات تحمل إسم شركات كبرى بأسعار خيالية، لا نلبسها إلا شهر ثم تُصبح موضة قديمة! هل هذا تحضر أم استنزاف لثرواتنا واستهتار بكل من ساهموا بإنتاجه، وهل يملك الفقراء أن يلبسوا على الموضة أم لهم موضة خاصة بهم؟ ولعل الجواب يأتي صاعقاً في (منتهى العزة/ سيارة أبكت المخيم): لم تكن هذه أول مرة يتعلق بثوب أمه باكياً صارخاً بأعلى صوته لتوافق على شراء سيارة الشرطة المعروضة في واجهة المكتبة القريبة من بيتهم. ولم تكن آخر مرة تلك التي لم تستجب أمه لتوسلاته!
الموضة هي كلمة حديثة لا تعني شيء محدد بل هي تغليف للثقافة الفطرية بأسلوب مناقض لها، كما تخْتَصر الحضارة بمفهوم المدنية الأوروبية رغم أن 90% من سكان العالم لم يصلوا مرحلة المدنية العصرية، فمن يسكن المدن بالعالم الثالث ليسوا سوى مهاجرين من الأرياف والفيافي. كيف لشركة ما أن تحدد أن ألوان هذا الشتاء لابد أن تكون رمادية، وأن المعاطف الجلدية القصيرة هي الموضة؟ ماذا عن الصوف؟ وماذا عن ألوان الأخرى؟ وهل هي مساواة بين كل طبقات بتحديد الموضة بشكل ولون محدد؟ أم أن الهدف الأساسي استمرار إدماننا على التسوق ودفع ما في جيوبنا للشركات الكبرى. بصراحة لا نملك المال بل نملك أفكار مبدعة قادرة على ترقيع ثيابنا بأسلوب مميز، ملابس الفقراء المرقعة هي موضة فريدة من نوعها، بل أن الكثير من الشركات العالمية تسرق تصميماتها من الأرياف الفقيرة في العالم الثالث؟ وهذا ما يمنحنا الاعتزاز بالنفس وأننا متساويين مع أصحاب المدنية العصرية. وهذا ما توصلت له ( سميرة عزام/ الظل الكبير): كانت تساورها بعض شكوك حين وقفت أمام مرج من الألوان يموج في خزانتها. ولكنها فضّلت وهي تنتقي ثوباً تلبسه للمناسبة ألاّ تفكر إلاّ في حق الحياة المتساوية!
لوحات معرضي هي بقايا ثيابي وأحياناً بقايا ثياب صديقاتي بعضها عمره تجاوز الأربعين عاما وبعضها لم يعمّر أربعين يوماً، لكنها أفكار متناثرة على دموع الفرح في عيون الفقراء، هي قمامة مجموعة بالصمغ كما وصفها ذوي الأفق الضيّق، وهي بالنسبة لي مجموع حواريات مع نساء أعشقهن في اليونان والفيتنام والهند وفنزويلا وغانا، كنّا ندرس معاّ كيف يتجمل الزي القديم؟ كيف نتحرر من إعلانات الشركات الكبرى؟ كيف نصنع موضة تناسبنا؟ وأكثر من هذا فلوحاتي من الناحية الفنية تروي حكايات وأساطير كما في الأثواب التراثية في العديد من دول العالم الثالث. وهذا ينسجم مع ( د. حنان عشراوي/ النساء والأشياء): النساءُ يصنعن الأشياء. وإذ نحنُ نُضَفِّرُ شَعْرَ بَناتنا في الصباحِ. أَنتِ وأَنا، في عوالم مختلفةٍ. وكلٌّ مِنَّا تُغَمْغِمْ لِنَفْسِها. نَتَوَقّفْ فجأةً. لِتَسْمَعْ الواحدةُ تَرْنيمَةَ الأُخْرى.
إلي إيلينا عاشقة بحر غزة ومخيماتها التي رسمتها بألوان الأمل ونحتتها في ذاكرة الانسانية بأعمال نراها في حدائق وأسواق مدينة سدني، تلك الفدائية الاستثنائية في ثورتها التي تطلب منّا جميعاً أن نتحرر من وهم الموضة وفساد الإعلانات وننظر بعمق في معنى الجمال والتجميل، إيلينا التي ذكرتني بالعديد من الأديبات الفلسطينيات ومدى تداخل أفكارهن وانسجام ثورتهن في زمن تسميه إيلينا الصمود حتى يفهمنا ذوي المدنية العصرية.
خالد أبو عدنان
ولدت لاجئا وأحيا مهاجرا
19/12/2015









