مقال بعنوان: الأخ أبو مازن وقانون المثلثات
الأخ أبو مازن الرئيس الفلسطيني المنتخب كما يصفه ألد خصومه وكذلك أعز مواليه؛ فهو الثابت فوق الرمال المتحركة في الحراك الفلسطيني الداخلي، وهو رجل فلسطين الرسمي في التعاملات الدولية مع الشعب الفلسطيني، أتجرأ لأكتب قراءة نقدية عن الرئيس، ومن يتوقع أن أشتم أو أخون فلا داعي أن يكمل قراءة هذا المقال، فهدفي أسمى من التجريح أو التقبيح بل هو نقد بناء يرمي لتقديم مقترحات لتصويب مسار السياسة الفلسطينية العليا.
تتجمع بيد الرئاسة الفلسطينية مفاتيح السيطرة الخمسة على الوضع الداخلي الفلسطيني والتي تشمل على الأمن والمالية وقرار حركة فتح وقرار منظمة التحرير الفلسطينية والقرار السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية. وفي هذا يكو الأخ أبو مازن رئيس عربي بامتياز يمتلك السلطات كافة بغياب المجلس التشريعي وانحسار السلطة القضائية بالأحوال المدنية دون قضايا الرأي العام، التي تشكل لها اللجان بناء على توصياته. كما أن سلطته الرئاسية تجعل مكتب التنسيق الأمني والعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية بما فيها المفاوضات جزء من مسؤوليته وتحت توجيهه المباشر. وأما بعلاقاته العربية التي فرزت كل من السعودية ومصر والأردن كمحو أساسي لابد أن يستشار بكل كبيرة وصغيرة بينما تأتي باقي الدول العربية والإسلامية في مرتبة المتضامن لمحوه أو الرافض له . مما يجعله ضمن المحور الأمريكي البريطاني بالمنطقة مع الحفاظ على علاقة جيدة مع روسيا والصين ودول الإتحاد الأوروبي.
هذا هو الأخ أبو مازن دون التقليل من الجهد الذي يقوم به، إلا أن شعبيته ضعيفة وجماهيريته غير مؤثرة بسبب التغيير الجذري الذي أحدثه على مؤسسة الرئاسة فهو لا يمكن أن يكون خليفة للشهيد الرمز أبو عمار لأسباب تتعلق باختلاف التحالفات وانتهاج سياسة واقعية جافة من العواطف، لكن هذه السياسات هي التي تجعل منه الأفضل من قبل مريديه.
وفي البداية نناقش القضية المركزية وهي ليبرالية الثورة: فمنذ تسلم الأخ الرئيس منصبه؛ قام بتقليص الدور المباشر لحركة فتح مقابل توسيع الجهد الشعبي والمنظمات الغير حكومية، وأصبحت مشاركة فتح عبر أعضاؤها لا عبر قيامها بالفعاليات كاملة، مما جعل انتفاضة الأقصى تنتهي فتحاويا ولكن دون أن تنتهي شعبيا في نقلة من إطار مركزية الفعاليات إلى خصخصتها بين المنظمات الغير حكومية واللجان الشعبية، مما قلل من زخمها الميداني و رفع من قدرتها الإعلامية، لكن على حساب حركة فتح التي أصبحت توصف أنها مهادنة، وأن المنظمات الغير حكومية هي من يناضل، وهي الناطق الإعلامي والمسؤول عن الفعاليات بل أنها تستحق التمويل والدعم السياسي ومساحات واسعة على الإعلام الدولي والعربي . إلا أن هذا نهجت بطريقه للتغيير لا بسبب سياسات جديدة للرئيس ولا تحول بطريقة عمل حركة فتح، ولكن للرفض الشعبي لمجمل أفكار المنظمات غير الحكومية ابتداء من طرحها قضايا التعايش السلمي مع الإسرائيليين المعتدلين ومروراً بتخوين أبناء حركة فتح ووصفهم بعملاء الاحتلال، ومن تجربة شعبية واسعة أصبح هناك وعي جزئي لولا حماية الرئيس لهذه المنظمات وتقديم لها الدعم اللوجستي لاستمرار عملها، ضمن قانون المثلثات الأول الرئيس يفاوض والقوى الشعبية تقاوم وفتح تساند.
وفي ملف ثاني هو الملف الأمني، بما يحمله من أفكار دايتون التي ترفع مستوى التنسيق الأمني لدرجة تجاوزت التنسيق الأمني بين أي كيانين في العالم؛ فهو مماثل للاتفاقية الاقتصادية التي تحكم بالتبعية الكاملة للسياسات الإسرائيلية، وتشرع التدخلات الإسرائيلية بكل جوانب الحياة الفلسطينية، وهذا يعني أن التنسيق مع إسرائيل تجاوز المؤسسة الرسمية الممثلة بمكتب الارتباط والتنسيق ليصل لكل مسؤول فلسطيني وأحيانا كل مطلوب أمني مما نسف هيبة الأجهزة الامنية كحامية للمجتمع الفلسطيني وقلص دورها لصفة المراقب والمتابع، يضاف لها منع حركة حماس من القيام بأي نشاط يوازي حجمها بالضفة الغربية، وتحجيم كل رأي مخالف وتقزيم العمل السياسي الحزبي، ومن جانب آخر فتح المجال للإعلام السياسي المضاد والتغني بالإعلام الحر، مما غير المتجهات الإعلامية لترويج لفكر حزب التحرير دون باقي الحركات الدينية، وتوسيع التنسيق بين الأحزاب الفلسطينية والأردنية على حساب الأحزاب اللبنانية والسورية والأحزاب العربية في اسرائيل، مما جعلنا نصل إلى قانون المثلثات الثاني الرئيس فوق المحاسبة والفصائل تحاسب ضمن قانون جنائي والنضال الحزبي مقتصر على الإعلام والبحوث!!!
أما الموضوع المالي، فهو غريب عجيب في قانون الرئاسة، فمن ناحية الحصول على الأموال فقد رفضت الرئاسة نظام السلال المالية المتذبذبة وقبلت مفهوم الرعاية الأمريكية والدول المانحة، بعيدا عن مخصصات منظمة التحرير الفلسطينية من الدول العربية التي تربط القرار المالي بالسياسي، الا أن الدول المانحة تعاملت بنفس المفهوم ولكن بشكل أكثر مرونة. أما بخصوص صرف الأموال فإن مؤسسة الرئاسة قلصت حجم تمويل أمور كانت أساسية عند الشهيد عرفات مثل مصاريف الكوادر الحركية والصحة والتعليم، بل أن معظم هذه الأموال صارت تحول لمؤسسات بعيدا عن مكتب الرئاسة تتعامل مع الناس بمبدأ بيروقراطي لا يعجب الكثيرين؛ كما أن التوجه العام أن أيام الشهيد عرفات كان هناك أشخاص فاسدين، أما الآن فهناك مؤسسات فاسدة ومحمية قانونا. وهذا قانون المثلثات الثالث الرئيس يقرر الصرف والتمويل والمؤسسات المالية تصرف بهوائية الضوابط وغوغائية التعامل مع احتياجات الناس دون مراعاة لمشاعر أو إحساس بالمسؤولية بالمقابل فان اللائمة الشعبية منصبة على الرئيس لا على المؤسسات الفاسدة.
في محور آخر مهم يخص القرار الفتحاوي؛ حيث أن الرئيس هو رئيس حركة فتح في منصب يتجاوز أمانة السر وتحت قرار اللجنة المركزية في توليفة المسؤولية مع السيطرة على القرار الفتحاوي، ومهما قيل عن حركة فتح و أطرها العليا، تبقى شفافة وواضحة للجميع ضمن علانية أسماء قياداتها و دورية اجتماعاتها، وهو من أهم إنجازات الأخ أبو مازن على الصعيد الفتحاوي، الا أن هذا الانجاز أصبح باهت، حيث أن الاجتماعات على كثرتها لا تقوم بحل المشكلات المتراكمة في الأطر الحركية، كما أن الصفات والألقاب لا تعني شيء فهناك جماعة محظية داخل الحركة تحظى بكل الامتيازات وهي لا تلتزم بالنظام الداخلي، ومنزهة من المحاسبة؛ في المقابل هناك قيادات بأطر عليا ليس لها صلاحيات ومخصصاتها المالية محدودة، ضمن مفهوم حسم الصراعات الداخلية وتحجيم كل المعارضين لسياسات الأخ أبو مازن، وهذا قانون المثلثات الرابع: الرئيس يمثل رأي الأغلبية الفتحاوية، والمناصب والالقاب لا تعني أي نفوذ بعيدا عن الرئيس منعا لتشكيل مراكز قوى مع منح مناصب جديدة {ذات صلاحيات وموازنات تفوق ما يمنح للقيادة المنتخبة} لذوي الرتب الأدنى أو لمن سقطوا في انتخابات المؤتمر الحركي العام السادس.
وفي محور منظمة التحرير الفلسطينية التي يترأسها الأخ أبو مازن فقد تم تقليص حجمها وفعل مؤسساتها عن طريق خفض مستواها الشعبي عن طريق تحويلها لمؤسسات تابعة لسلطة الوطنية مما أضعف من قدرتها النضالية وكفاءتها التنظيمية جمد هيكلها وحد من الديموقراطية فيها وهذا عن طريق تخفيض مخصصاتها المالية والحاقها بمؤسسات السلطة التي شرعت القوانين لضبط أداؤها مما كان له أثر سلبي على فعاليتها. وهنا يبرز قانون المثلثات الخامس؛ الرئيس الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية تشرع ذلك ومؤسسات منظمة التحرير مجرد أداة تنفيذ مما قلل من هيبة المؤسسات وغيب الدور الحقيقي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وفي محو صعب جدا؛ هو محو السلطة الوطنية الفلسطينية التي أضحت خارج نطاق حركة فتح ضمن قرار المؤتمر الحركي السادس العام؛ بمنع تعيين أي قيادي من الأطر الفتحاوية العليا في مناصب السلطة الفلسطينية، مما أضعف الاثنين معا وجعل مؤسسة الرئاسة الحاكم الوحيد للشعب الفلسطيني، حيث أن مسؤولي السلطة ينقصهم الزخم الجماهيري لقراراتهم وقيادات فتح ينقصهم تقديم خدمات مباشرة لمريدهم؛ مما خلق أجواء سلبية لدى الجمهور الفلسطيني، حيث تعقد المعاملات وتحجرت القرارات، وما عاد أحد قادر على تحريك الجامد في المعاناة اليومية سوى المنظمات الغير حكومية. مما وضع قانون المثلثات السادس الرئيس يوزع الأدوار والسلطة تنفذ جزء والمنظمات غير الحكومية تنفذ الجزء المتبقي وأما دور حركة فتح فهو أن تراقب وتقدم الاستشارات غير الملزمة.
قد يكون الوضع الداخلي الفلسطيني مشابه لأي دولة عربية مجاورة ولكنه بالتأكيد لا يساعد أبدا على توسيع النضال ضد الاحتلال بسبب الضوابط التي وضعها الرئيس؛ الا أنها تضمن استمرار الحد الأدنى من الحياة الطبيعية في مشرق عربي ملتهب وشرق أوسط لا يعرف الثبات السياسي.
أما على الصعيد التعامل مؤسسة الرئاسة مع الحكومة الاسرائيلية، فهي واضحة المعالم وصريحة الآفاق . فلا تعامل متذبذب ولا تصريحات متضاربة؛ فالرئيس سهل القراءة إسرائيليا، في ثبات أرهق المحللين السياسيين؛ فهو لا يغير رأيه حتى لو كان على حساب ما تبقى من شعبيته فلسطينا؛ ومن جانب آخر فمهما بلغت الاعتداءات الاسرائيلية فهو ثابت واستراتيجيته لا تتغير مع تغيير الواقع اليومي في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. وهذا يشكل قانون المثلثات السابع الرئيس متمسك بقراره والشعب الفلسطيني يقارع ممارسات الاحتلال والاحتلال يعاقب الشعب الفلسطيني.
وفي محور العلاقات العربية، ربط الرئيس القرار الفلسطيني بمثلث الاعتدال العربي السعودية و مصر و الأردن، مما قلص دور المناورة بين الاختلافات العربية العربية ومنع من إقامة أي تحالفات إقليمية أخرى مثل إيران أو تركيا أو حتى قطر مما أفسح المجال لحركة حماس من كسب حلفاء بالمجان في المحيط العربي والإقليمي دولا وأحزاب، كما أن تحالفات الرئيس الثابتة جعله شخصية سياسية حكومية ونزع عنه صفة قائد ثورة وقائد شعب يقارع الاحتلال، مما ألغى مفهوم الاسناد الشعبي القومي ونمى مفهوم التعامل مع فلسطين دولة كاملة السيادة بدعم من مثلث الاعتدال العربي الأمريكي. مما فرض قانون المثلثات الثامن فالرئيس الفلسطيني رئيس دولة عربية ذات سيادة وجزء من محور الاعتدال العربي؛ بينما تتوسع تحالفات حركة حماس مع دول المحيط الإقليمي والأحزاب العربية غير الحاكمة، مما أسقط القضية الفلسطينية من سلم القضايا المركزية للأمة العربية وحولها لمجرد مشكلة لدولة شقيقة بحاجة لبعض المساندة.
وفي محو العلاقات الدولية؛ فإن الرئيس الفلسطيني رسم سياسة ثابتة في الرأي العام العالمي، فهو رئيس معتدل قادر التعامل مع متغيرات الإدارة الأمريكية وسقف طموحاته أن تتفهم الإدارة الأمريكية ضرورة حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية استنادا للشرعية الدولية؛ ورغم أن العديد من المحاور السياسية تطرح نفسها لتبني حل القضية الفلسطينية من روسيا الي الإتحاد الاوروبي، ومهما حقق النضال الفلسطيني من مكاسب دبلوماسية في الاعتراف بالدولة الفلسطينية من جهة وإقفال السفارات الإسرائيلية من جهة أخرى، الا أن الرئاسة الفلسطينية تفضل الثبات على التنسيق مع الولايات المتحدة كراعي وحيد للعملية السلمية أو من تنتدبه الإدارة الأمريكية ممثل عنها مثل الشقيقة مصر. وإذا كان التحرك الدبلوماسي الفلسطيني على صعيد مؤسسات الأمم المتحدة مزعج للإدارة الأمريكية إلا أنها لا ترفضه بالمطلق مادامت مؤسسة الرئاسة نتعامل مع الإدارة الأمريكية كراعي للعملية السلمية، وهذا هو قانون المثلثات التاسع، فالرئيس الفلسطيني متمسك بالراعية الأمريكية للعملية السلمية، ويقوي أوراقه التفاوضية عن طريق العمل الدبلوماسي داخل المؤسسات الدولية و توسيع حجم الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية دون أن يكون هذا بشكل يزعج الإدارة الأمريكية، التي تسعى لخلق ظروف ملائمة لإعادة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لنقطة الصفر، وهو ما يرفضه الرئيس الفلسطيني الذي يوافق على تكملة المفاوضات وتثبيت ما تم الاتفاق عليه.
وفي ضوء ما سبق؛ نرى أن الأخ أبو مازن يمسك في زمام الأمور داخليا بقبضة حديدية لن تؤثر على قراراتها أي تغييرات في المؤسسات الفلسطينية {السلطة الوطنية، منظمة التحرير الفلسطينية، حركة فتح } الا إذا تم انتزاع بعض من صلاحياته ومنحها لصفات موازية خاصة داخل حركة فتح، كما أن تحكم الرئاسة بالقرارات المالية يجعل أصحاب المناصب القيادية بحاجة مستمرة لإرضاء الرئاسة على حساب توجهاتهم العملية وقرارتهم تشريعية، وفي جمع لكل السلطات السيادية في كل المؤسسات يعني أن القرار واحد ولا يوجد تعددية في الطرح فالكل واحد {منظمة التحرير الفلسطينية، السلطة الوطنية، حركة فتح} ولهم نفس التوجه.
أما على صعيد التحالفات فلا يوجد بالأفق السياسي أي تعديل على نوع العلاقات الفلسطينية العربية أو الإقليمية، مما يبقي الوضع الفلسطيني مربوط باستقرار دول الاعتدال العربي ويترك لحركة حماس المناورة بين الأحزاب والدول خارج مؤسسات الاعتدال العربي. وكذلك الأمر على الصعيد التعامل مع الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية.
ومن هنا؛ نرى أن أي تغيير جوهري بالقضية الفلسطينية مربوط في تغيير الثابت في مفاهيم الرئاسة الفلسطينية على جميع الأصعدة، وقد يبدو أن ثبات يعجب الكثيرين في حركة فتح أو قد يكون الثبات مثل الهدوء قبل العاصفة، وفتح عودت مناصريها على المرونة والحركة، الا أن القارئ للمحيط العربي يرى أن الثبات يضمن وجود واستمرار حركة فتح في زمن تتحرك فيه الخرائط وتهتز العروش. لا يمكن معرفة ماذا سيحدث خلال المرحلة القادمة، فحركة فتح مازالت ثورية وهناك مؤشرات كثيرة أنها مازالت حركة ثورية ولا تؤمن بإيدلوجية معينة مما يعني أنها تؤمن بتعايش الأفكار دون قبول فرض قانون الثبات للأبد وهذا ضد قانون المثلثات الديكارتية التي يعمل بها الأخ الرئيس أبو مازن.
خالد غنام أبو عدنان
ولدت لاجئاً وأحيا مهاجراً
10/12/2014








