مقال بعنوان: إلى الأخ أبو مازن حامل وثيقة السفر السورية؟
شهدت الفترة المنصرمة من هذا العام كم كبيرمن الاجتماعات والمؤتمرات الخاصة بتحسين ظروف اللاجئين والمؤسسات الدولية العاملة في إغاثتهم. إلا أن كل الجهد مُركّز على تخزين اللاجئين في مخيماتهم وتقديم خدمات تبقيهم على قيد الحياة تحتهم مياه الصرف الصحي وفوقهم أسلاك الكهرباء العنكبوتية، وهم لا ينتظرون حل شامل لقضيتهم بل يريدون شيء أبسط بكثير؟ تأشيرة – فيزا- عمل !!!
في لقاء جرئ مع اللواء أشرف ريفي وزير العدل اللبناني قال: مادام الوضع الاقتصادي مشلول في لبنان فلا أحد يستطيع منع سفن الهجرة الغير شرعية، أنهم يغامرون بأرواحهم من أجل ضمان مستقبل أفضل لأطفالهم وذويهم. ولم يكن يتحدث اللواء ريفي عن مهاجرين سوريين أو فلسطينيين بل لبنانيين، فكيف يمكن أن نتصور الوضع الاقتصادي للاجئين في لبنان وبنظرة أعمق في سوريا والعراق مرورا في الأردن وكذلك داخل الوطن الحبيب فلسطين. فليس خافيا على أحد أن معدل البطالة ارتفعت لمعدلات غير مسبوقة خلال الثلاث سنوات الماضية في فلسطين ودول الجوار الحاضنة للاجئين، وهناك ضرورة سياسية للعمل الجدي على فتح أسواق للموارد البشرية الفلسطينية وتسويقها ضمن خطة مدروسة تشمل دول الخليج العربي وإفريقيا والبحث عن أسواق جديدة للموارد البشرية الفلسطينية.
قبل أن نذكر معيقات هذه الفكرة لابد أولا من ذكر أهمية الفكرة المجربة في النضال الفلسطيني، حيث أن الدعم المالي الأولي للثورة جاء من الجاليات الفلسطينية في دول الخليج العربي وألمانيا، كما أن أغلب العائلات الفلسطينية قسّمت أنفسها لشطرين قسم تفرغ بالثورة والقسم الآخر تفرغ للعمل وإرسال المال للشطر الآخر المتفرغ معيله بالثورة، بل أن اللجان الشعبية للقرى والمدن في المهجر والخليج العربي كانت الداعم المالي الأساسي لانتفاضة الحجارة، والآن مازالت هذه اللجان الشعبية الداعم للعديد من المشاريع التنموية والبنى التحتية في الوطن ومخيمات الشتات. فالخروج للعمل بالخارج لا يعني مطلقاً إسقاط لحق العودة أو تناسي هموم الوطن وأهلنا بمخيمات الشتات.
أما بخصوص الدعم الدولي الإنساني والاقتصادي في الوطن ومخيمات الشتات فهو أكذوبة غبية حيث أن دورة المالية تبدأ وتنتهي في الدول المانحة، وهذه حالة شاملة لكل أوضاع اللاجئين في العالم وليست فلسطين استثناءا. فمن يصرف على المخيمات هم أهل المخيمات الذين يعملون في الخارج. ويقدر ديليب راثا رئيس الشراكة للمعرفة العالمية بشأن الهجرة والتنمية: أن نحو تسعة من كل عشرة أشخاص ينتقلون للعيش في دول أخرى يفعلون ذلك للبحث عن عمل، حيث يؤكد بأنهم لا يبحثون بالضرورة عن وظيفة مثالية، ولكن عن أي وسيلة تمكنهم من العيش ودعم عائلاتهم، ويضيف: الأشخاص يحتاجون للتنقل من مكان لآخر، ويجب علينا أن نكون سعداء بذلك، قام المهاجرون العام الماضي-2014م- بإرسال نحو 436 مليار دولار كتحويات لدعم عائلاتهم التي تركوها في مواطنهم الأصلية، فيما تم تقديم 135 مليار دولار فقط كمعونات، من يقوم حقاً بإنقاذ هذه العائلات هم الأشخاص الفقراء أنفسهم وليس المجتمع الدولي!
كما يقول الدلاي لاما: بعد مقتل ملك نيبال عام 2001م تم تهجير قسري لآلاف من لاجيئن التبت بل أن مخيماتهم مُسحت عن بكرة أبيها، ولم تنفعنا التنديدات الدولية ولا المساعدات الإنسانية بل أن أهل التبت العاملين بالدول الغربية قاموا ببناء مخيمات متطورة للمنكوبين في شمال الهند. علماً أن لاجئين التبت يعدو ثاني أقدم لاجئين في العصر الحديث بعد الفلسطينيين حيث بدأت نكبتهم عام 1959م.
والآن ما هي معيقات تنقل اللاجئ الفلسطيني لأسواق العمل الأقليمية والدولية؟
أولا: وثقية السفر أو جواز السفر الفلسطيني :
تاريخيا يعتبر جواز السفر الفلسطيني ثاني أقدم جواز سفر عربي ولا يمكن إعتبار الفلسطينيين عديمي الجنسية لإن فكرة اعتبار اللاجئين الفلسطينيين عديمي الجنسية تبقى مثارَ جدلٍ قانوني. إذ يحاجج بعض القانونيين بأن الجنسية الفلسطينية التي أُنشئت عام 1925 وفق المادة (7) من صك الانتداب على فلسطين لم تلغَ مع إلغاء الانتداب البريطاني، بل أن جامعة الدول العربية اعتبرتها لاغية وأصدرت عام 1955م وثائق سفر حفاظا على حق العودة؟ باستثناء الأردن التي منحت الفلسطينيين جواز سفر أردني إلزامي منذ عام 1949 ضمن قانون الوحدة بين شرق الأردن والضفة الغربية. أما وثيقة السفر التي صدرت في لبنان وسوريا والعراق ومصر فكانت مطابقة لقانون جواز سفر نانسين الذي مُنح للأقليات المنبوذة في أوروبا بعد الحرب الأوروبية – العالمية – الأولى، حيث أنها لا تُخوِل حاملها حقوق الجنسية وأحياناً لا تخوّل حاملها دخول البلد الذي أصدرها!
وضمن هذه الحيثيات تتخوف أسواق العمل من استقدام حملة الوثائق أو جواز السفر الفلسطيني لأنهم يخشون أن إقامتهم ستكون دائمة وترحيلهم يعد شبه مستحيل لعدم قبول العديد من دول العالم منح تأشيرة لحملة وثائق السفر الفلسطينية، كما أن جواز السفر الفلسطيني الصادر من السلطة الفلسطينية يعد خامس أسوأ جواز سفر بأسواق العمل الدولية.
أضف إلي ذلك أن قانون الطيران الدولي الجديد الخاص بمنع نقل أي راكب على أي خطوط طيران يحمل جواز سفر أو وثيقة سفر مكتوبة يدويا يعتبر ساري المفعول ابتداءا من 24 نوفمبر 2015م. أي أن هناك تهديد حقيقي ينتظر اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان وكذلك العراق. وقد صرّحت أكثر من دولة عربية وإفريقية أنهم لا يملكوا إلا التزام بقانون الاتحاد الدولي للطيران، أي هناك تهديد حقيقي ينتظر اللاجئين الفلسطينيين العاملين في الأسواق الأقليمية والدولية.
ثانيا: الإرهاب السياسي
الفلسطيني في أسواق العمل مهدد بفقدان عمله لأنه عديم الولاء فهو كثير التقلب الفكري والتحول السياسي، هذه تهمة مسبقة لأي فلسطيني حصل على وظيفة فأي نشاط سياسي له يعد بداية النهاية لفترة عقد عمله إلا إذا توافق نشاطه السياسي مع البلد المضيف. وفي ظل عدم الاستقرار السياسي في كل من سوريا ولبنان والعراق، فإن الفلسطيني متهم أنه إرهابي صرف، فإذا كانت الدولة المضيفة مع المعارضة تصنف الفلسطيني مع النظام والعكس صحيح، هذا الإرهاب السياسي قادم من ضعف تمثيل سفراء منظمة التحرير الفلسطينية لشعبهم وإقتصار تمثيلهم لرئيس السلطة فقط، فكم من الشكاوي التي طالت سفراء رفضوا مجرد إستقبال شكاوي أبناء الجاليات الفلسطينية خصوصاً في قضايا الولاء السياسي؟
ثالثاً: تسويق الكفاءات
تعد الأونروا وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1949م، وقد تكون قد قدّمت خدمات إغاثية للشعب الفلسطيني وساهمت في بناء الخدمات التعليمية والطبية والبنى التحتية، وهذا كله يندرج ضمن مفهوم إغاثة اللاجئين، لكنها لم تقم بتسويق اللاجئين للعمل بالأسواق الأقليمية والدولية، بل أنها لم تقدم أي دراسة عن إمكانية فتح باب العمل للاجئين في الدول المضيفة، وما تم الحصول عليه في سوريا والعراق كان بمبادرات عربية صرفة، ولكن هناك مبادرات عربية عكسية حيث تم معاقبة الفلسطينيين في مصر بعد عقد إتفاقية كامب ديفيد ومرة ثانية في عدد من الدول العربية أثناء غزو العراق للكويت، فلا يوجد حماية قانونية للعاملين الفلسطينيين تكفلها الأونروا أو أي هيئة أخرى تابعة للأمم المتحدة بل أنها تعتبر مسؤولية الشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية.
وتقول خبيرة اللاجئين الدولية جريسجرابرعن دور مؤسستها- مركز جامعة جون هوبكيز لدراسات اللاجئين والتصدي للكوارث- أنه ورغم أن مؤسستها تركز على الكوارث المنسية إلا أن كارثة الفلسطينيين ليست من ضمن الكوارث الي تركز عليها المؤسسة وذلك لأسباب تعود لارتباط كارثة اللاجئين الفلسطينيين بالتاريخ والسياسة المعقدين. ويعكس ما قالته “جريسجرابر” حقيقة اعتقاد العالم أن الأونروا والناشطين هم من يتكفلون بأمر اللاجئين الفلسطينيين”.
لكننا نذكر مبادرات منظمة التحرير الفلسطينية المتكررة في ضرورة تسهيل قبول اللاجئين الفلسطينيين في أسواق العمل الأقليمية والدولية. وهي الجهة الرسمية الوحيدة التي قامت بدراسة فرص العمل للاجئ الفلسطيني ومنها كانت تحدد نوعية المنح الجامعية التي تقدمها للاجئين وتشجع اللاجئين الفلسطينيين أن يتخصصوا بمجالات محددة. وفي الوقت الحالي فأننا نمر بمأزق اقتصادي في الوطن ومخيمات الشتات فلابد من وضع خطة لتسويق الكفاءات الفلسطينية في الأسواق الأقليمية والدولية.
لا يوجد إحصائيات دقيقة لحجم عوائد المغتربين بالنسبة لمزانية السلطة الفلسطينية نتيجة عدم استقرار كل العوامل إلا أنها دائما تُبْقي عوائد المغتربين للفلسطينيين في الوطن أعلى من ميزانية السلطة مهما ساءت ظروف فرص العمل، وهي كذلك بالنسبة لمخيمات لبنان. إلا أن العدوان المتكرر على غزة فلسطين وتشديد الحصار عليها سبب بارتفاع معدل البطالة بشكل مخيف فيها ولا يعتبر الوضع أفضل بكثير بالضفة الغربية والقدس الشرقية، ومن ناحية ثانية استضافت لبنان أعلى نسبة من اللاجئين حتى نهاية عام 2014 ، حيث وصل معدل اللاجئين فيها إلى نحو 232 لاجىء لكل 1,000 ساكن، مما رفع نسبة البطالة بشكل جنوني في عموم لبنان وخاصة المخيمات الفلسطينية.
قد تكون طاولة الرئيس الأخ أبومازن مليئة بالقضايا والمشكلات التي تبحث عن حلول، والأخ أبومازن حمل وثيقة سفر سورية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين لمدة عقود طويلة، ويعلم أن حملة هذه الوثائق الأقل حظا في الحصول على تأشيرة عمل في أسواق العمل الأقليمية والدولية، وأيضا حملت الوثائق اللبنانية والعراقية، خصوصاً في ظل قانون الاتحاد الدولي للطيران الجديد. كما أن وضع جواز السفر الفلسطيني أيضا لا يعطي حامله فرص تنافسية في الحصول على عقود عمل.
طُرِحت العديد من الأوراق البحثية بهذا الخصوص منها جواز سفر الأمم المتحدة وسيفيتاس وبانورما الكندي وليسيه باسيه الإسرائيلي وجواز السفر الفلسطيني من غير رقم وطني والعودة لجواز سفر الانتداب البريطاني والعديد من الصيغ القانونية التي تحفظ حق العودة وتسهّل عملية تنقل الفلسطيني في أسواق العمل. كل هذه الصيغ لا تعد مجدية دون خطة عميقة تفتح آفاق لتسهيل عملية دخول الفلسطيني إلي أسواق العمل الأقليمية والدولية.
يعلم الأخ الرئيس أننا نعمل بمجهودات فردية لاستقدام عدد من اللاجئين لبلاد المهجر، رغم أننا نعتنا بأسوأ ألقاب أقلها مجهضين حق العودة، لكن الحقيقة أن قدوم لاجئ للمهجر يعني أنه سيوفر دخل كريم لخمسة عائلات في مخيمات شتات أو الوطن وهذه حقيقة واقعية وملموسة، وكذلك يعمل أخواننا الفلسطينيون في الخليج العربي وأوروبا وكلها مبادرات صغيرة لا تستطيع تلبية حجم العوز الذي تمر به المنطقة وخاصة بعد أحداث سوريا واستعار الحكومة الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني. المطلوب من القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الأخ أبومازن عمل خطة لتسويق الكفاءات الفلسطينية مع تشكيل ملحقية اقتصادية في كل سفارة فلسطينية تقوم بمساعدة المغتربين بحل مشاكلهم القانونية وأهلية وثائق سفرهم وأيضاً ترويج الموارد البشرية الفلسطينية في القطاعات الخاصة والحكومية في الدول التي تعترف بفلسطين وتفتح لها سفارات أوهيئات دبلوماسية تمثيلية.
إن الأزمات الاقتصادية المتتالية للسلطة الوطنية وسلبية الدول المانحة في التعامل مع الاقتصاد الفلسطيني وأيضا الوضع الاقتصادي المزري في مخيمات الشتات يجعلنا نبحث عن حل فلسطيني فلسطيني، وتعلم القيادة الفلسطينية أن توظيف الفلسطينيين في أسواق العمل الأقليمية والدولية يعني وجود دخل ثابت للاقتصاد الوطني ويعزز القرار الفلسطيني المستقل، بل أنه يعطي القيادة الفلسطينية حرية أوسع في أي تحرك سياسي. أخي الرئيس أنت أبو الشعب الفلسطيني وفرّ لنا فيز عمل وسوف تحصل منا على أكثر مما تتوقع.
خالد أبو عدنان
ولدت لاجئاً وأحيا مهاجراً
18/11/2015









