دراسة بعنوان: إدارة شؤون الموت الفلسطيني بين ميلاد الوطنية الفلسطينية وموت النكبة
يُصر الباحثون في التاريخ الفلسطيني الحديث على اعتبار عام 1948 هو عام النكبة، بل أنهم لا يعتبرون أن هناك أي حدث مهم في فترة الانتداب البريطاني يوازي يوميات النكبة. فمتى حدثت النكبة وكم استمرت وهل انتهت؟ هل هي فشل لثورة وطنية أم أنها إحدى أزمات القومية العربية؟ إن قراءة علمية لتاريخ تشكل الجماعة الفلسطينية بحاجة لإعادة كتابة تاريخ فلسطين في عهد الانتداب البريطاني على فلسطين، ندرس فيه الأسس التي شكلت الجماعة الفلسطينية وتركيبها الاجتماعي وهيكلية بنيانها الداخلي ومدى صلاحية هذا التشكل في مقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين.
في البداية لابد أن نقر أن فلسطين كانت جزءا من السلطنة العثمانية بقوانينها الإقطاعية وأعرافها المجتمعية، حيث كان 60% من أرض فلسطين ملكية خاصة لثلاثين عائلة إقطاعية، وباقي الأراضي المملوكة من الطبقات الصغيرة كانت تُدار وفق رغبة العائلات الإقطاعية أيضاً، وهذه العائلات كانت بحالة صراع فيما بينها على مناطق النفوذ، مما شكل تحالفات وعدوات بعضها مازال مستمراً لحد الآن.
هذا الوضع الاجتماعي شكّل مفهوم الجماعة الاجتماعية في فلسطين، فكانت مناطقية صغيرة مركزها الباشا الإقطاعي فعائلته ثم الفلاحين العاملين بأرضه، أي أنها جماعة الأسرة العشائرية ضمن مفاهيم علم النفس الاجتماعي، حيث أن ولاء الفلاحين للإقطاعي تستند لمفهومين أساسيين: الإكثار من الإنجاب لتوفير اليد العاملة الرخيصة الحالمة بأن عائلتها ستكبر وتصبح إقطاعية يوما بعد ارتفاع عددها وزيادة مدخولها، أما المفهوم الثاني فهو الثقافة الغذائية التي أفرزت تقسيم الغذاء إلى أكل باشاوات وأكل الرجال وأكل حريم، وكانت المنح الغذائية من الإقطاعي تحافظ على هذا التقسيم القسري للطعام، وللأسف أن الكثير من هذه القوانين الغذائية التراثية مازالت متداولة.
جاءت الثورة العربية الكبرى لتغير شيئا واحدا بمفهوم الجماعة الاجتماعية بالوطن العربي: أن السلطان لابد أن يكون عربيا لا تركيا، فكل مراسلات أمير العرب فيصل مع المناطق العربية كانت موجهة لمركز الجماعات العربية أي الإقطاعيين، بغية تحويل ولائهم للشريف العربي لا للسلطان التركي. بل أن مفاوضات باريس 1919 بين أمير العرب فيصل مع وايزمان الصهيوني بخصوص الأراضي الممكن تحويلها للصهاينة كانت تستند لرضى الإقطاعيين بقبول أرض بديلة أو تعويض مالي دون النظر لمصير الفلاحين كسكان أو السيادة السياسية لدولة، فلم يكن هناك فرق بين اللاذقية ويافا وصفد فكلها أراض عربية وملك الأمير العربي وأعوانه الإقطاعيين.
من جانب آخر اعتبر الأمير عبد الله أننا بحاجة لرعاية بريطانيا وحمايتها لأننا ضعفاء غير قادرين على إدارة شؤون دولتنا الحديثة، وآمن بضرورة قبول الشرط البريطاني بإقامة وطن قومي صهيوني في فلسطين دون أن يكون لهم حكم سيادي عليها، مما ساهم بتشكّل تكتل جديد يؤمن بالتعايش السلمي بين السكان العرب والمهاجرين الصهاينة ضمن ضمانات بريطانية لبقائه أميراً على جنوب سوريا (الأردن وفلسطين) والحفاظ على مصالح الإقطاعيين العرب في إمارته، بل أن المنح الأميرية للأرض الميري (أرض كانت ملكية خاصة للحكومة العثمانية) كانت تخص الإقطاعيين المواليين للأمير عبدالله ومشروعه السيادي بمساعدة الإقطاعيين.
الغريب أن الانتداب البريطاني شكّل هيئات تمثيلية للشعب الفلسطيني تحافظ على مفهوم الجماعة المجتمعية دون أن تكافئ أنصار الأمير عبد الله أو تعاقب أتباع أمير العرب فيصل، بل أنها سعت إلى توسيع الشرخ بين المجموعتين وهو ما شكّل تطورا مجتمعيا لمفهوم الجماعة المجتمعية في فلسطين، حيث أن الفريقين شكلا كتلتين متصارعتين داخليا وخارجيا مما جعل الإقطاعيين يشعرون بضعف نفوذهم وحاجتهم الماسة لدعم الأمراء الهاشميين. ومن جانب آخر بدأت طبقة الفلاحين تتقلص في ظل تصاعد الطلب على العمال في المدن لخدمة مشاريع الحكومة الانتدابية مما سبب بإعادة تشكيل مفهوم الولاء للإقطاعي المحلي وربطه بالإمبريالي الدولي.
وبهذا قال هربرت صاموئيل المندوب السامي البريطاني عام 1924: علينا في المستقبل القريب أن نركز على إنقاذ الروح الاقتصادية لفلسطين، إن النهوض الاقتصادي سيجلب معه مشكلاته، ذلك بأن الاضطرابات السياسية الخطرة لا تقع عادة حين تكون الأحوال في الحضيض: فهي تحدث حينما تبدأ الأحوال بالتحسن، ويجب أن يتيح لنا هذا التعميم عشرة أعوام من الهدوء لتحويل الإقطاع العربي في فلسطين إلى إمبريالي دولي أو العمل على نقله خارج فلسطين، إما بالاستثمار بأوروبا والعالم الجديد أو بطردهم للصحراء المجاورة.
فقد شكّل الوجهاء وكبار الملاك الزراعيين، منذ بداية الانتداب وحتى أواخر الثلاثينيات، ركيزة التحالفات البريطانية بهدف زيادة تبعية الفلاحين لتلك الفئة المعروفة باعتدالها، لكن إجراءات حكومة الانتداب الأمنية والصحية أدت إلى نتائج عكسية في الحياة اليومية وقادت إلى اهتزاز هيمنة الوجهاء وثقافتهم في المناطق الريفية. وقد سجل الصحافي الأمريكي فينست شيهان بعض أحداث العنف في القدس عام 1929 وقال إن النخب العصرية مسالمة وتكره الفلاحين العرب أكثر من اليهود، وقال إنه سمع أحد النخب يصرخ ببهو الفندق: ابقوا هنا بحق الله.. وإلا قتلكم هؤلاء الفلاحون الهمجيون.
كان هناك ضغط بريطاني لإخراج الفلاحين من قراهم بغية إدخالهم الدورة الاقتصادية في المدن، بعضها جاء ضمن قانون الطابو الذي نزع ملكية 30% من أراضي الفقراء، وبعضها الآخر جاء تشجيعيا من خلال رفع أجرة العمال وخفض سعر السلع الزراعية المحلية. فمثلا كان القمح محصولا أساسيا في فلسطين إلا أن حكومة الانتداب كانت تستورد كميات كبيرة منه وتبيعها بأسعار رخيصة، مما تسبب بكارثة زراعية على الفلاحين وصلت لحد أن 80% من القمح المباع في فلسطين سنة 1926 كان مستوردا، ثم جاء التحول الغذائي إلى الأرز بسبب ارتفاع سعر القمح عام 1930، وهو تغيير مازال يعاني منه المجتمع الفلسطيني حيث أنه غيّر أكثر من 70% من الثقافة الغذائية. وفي بداية 1932 بدأت المدن الفلسطينية بمرحلة الوجبات السريعة وثقافة السندويش وهي قمة الإهانة لمفهوم الخبز والقمح في علم الاجتماع، لأن الخبز يعني وجبة خفيفة غير مشبعة بينما الطبيخ الدسم مع صحن الأرز هو الأكل الصحي أو أكل الخواجات.
لقد شكّلت ثقافة الخواجات منعطفا تاريخيا غيّر شكل الجماعة المجتمعية في فلسطين وأعاد إنتاجها ضمن استلاب عقائدي، جعل العمال يتفتتون إلى مجرد أفراد تابعين لرجال الأعمال الغربيين دون التمييز بين مستوطن صهيوني ومستثمر أوروبي تابع لمؤسسات الانتداب البريطاني. يُعرّف الاستلاب العقائدي بأنه: إقناع النفس بدونيتها وفرض عليها أن تتكيف مع واقعها فهي ليست مهزومة، لكنها تعتقد أنها لا تستحق أن تتساوى مع الآخر لأنه أقوى منها، نتيجة لإيمانها بالسلوك الطقسي، الذي شرحه كونراد لورنز في الحديث عن العدوانية بين الحيوانات: ففي حالة القتال بين حيوانين من نفس الفصيلة، يقدم الحيوان الأضعف بعد أن تتضح له قوة خصمه، على سلوك طقسي يعبّر عن الرضوخ المستسلم، وهذا السلوك ذو طبيعة استرضائية، يؤدي إلى نتيجة مباشرة هي كبح عدوانية الحيوان الأقوى، مما يوقف القتال عند حدود غير مؤذية، وقد يؤدي أيضاً إلى بروز سلوك الصداقة بين الحيوانين وحلولها محل العدوان.
ومن أمثلة الاستلاب العقائدي هو الزي الموحد للعمال على أن يكون أوروبي المظهر، كما تم تحويل المنازل إلى نظام الشقق الصغيرة والغرف للعمال وبناء أحياء جديدة للميسورين الفلسطينيين على النمط الأوروبي مثل حي النزهة في يافا، في فصل تام بين التابع الإقطاعي والمتبوع العامل الفقير، بما حمل من إعادة إنتاج لمفهوم الجماعة المجتمعية في فلسطين لتطابق النمط الأوروبي. وهذه الاختلاف في الأحياء السكنية شمل كل مناحي الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وحتى أسلوب مقاومة المشروع الصهيوني. ولنا أن نلاحظ أن العصابات الصهيونية في حرب النكبة، هجّرت كل سكان الأحياء الراقية ودفعتهم لسكن بالأحياء الفقيرة مثل العجمي في يافا ووادي النساس في حيفا ضمن خطتها لإجبار الفلسطينيين على الاستلاب العقائدي للنظام الجديد.
قال الدلاي لاما عن سبب خروجه طوعاً من وطنه التبت: أيقنت أن الصينيين لم يحبوا أي شيء يتعلق بنا، نحن التبتيين، اعتادوا أن يأتوا إليّ كل يوم ويخبرونني أموراً كثيرة. اعتادوا أن ينتقدوا كل شيء، ابتداءً من عاداتنا وطعامنا وحتى أزيائنا. انتقدوا أزياء الرهبان، وقالوا إنها تهدر الكثير من الأقمشة، واقترحوا علينا أن نكتفي بارتداء السترات والسراويل فقط. انتقلوا بعد ذلك إلى انتقاد الدين عموما والبوذية بشكل خاص. لم يعاملنا جيشهم كصينيين ولا تبتيين بل أننا موجودون بالمكان الخطأ ولابد أن نرحل. قررت أن نصمد أنا وشعبي لكن الشعب خاف على حياتي، قالوا لي إنني إذا بقيت حياً فسيكون بإمكاني إحداث تأثير على مجرى الأحداث، وهذا ما حدث فعلاً لنا، حيث أن ثقافتنا التي طمست في وطننا تم إعادة إحيائها في مخيماتنا بالهند ونيبال، بل أن تبتيين يأتون من الوطن لتعلم ثقافتنا في مخيماتنا، نعم التبت ليست مجرد أرض مقدسة، بل شعبا صاحب رسالة مقدسة ويستحق أن يعيش على أرضه لأنه يرفض أن يموت.
بالقياس فإن خروج العديد من نخب رأس المال الاجتماعي التي هاجرت طوعاً في فترة الثلاثينات إلى القاهرة وبغداد وبيروت ثم عمان ودمشق في عقد الأربعينيات بحثاً عن أماكن أقل اضطراباً وأفضل للاستثمار، أما خروج الحاج أمين الحسيني أثناء ثورة 1936 فهو مشابه لخروج الدلاي لاما. فبعد موت أمير العرب فيصل عام 1933 عظم شأن الحاج أمين، وأصبح يمثل جماهير عربية تشمل المشرق العربي كله، بل أن هتافات “أمين أمين العرب” امتدت لتشمل بغداد وحلب وبيروت فشكّلت هاجسا للقيادات العربية أنه خليفة أمير العرب فيصل، إلا أنه سعى لأكثر من حشد الصفوف بل عمل جاهداً ليكون جزءا من قيادة دول المحور التي تعاملت معه كممثل للأمة العربية بمشرقها ومغربها.
إن أي قارئ منصف لتاريخ الحرب الأوروبية الثانية يلحظ دوراً حقيقياً لحليف قوي لدول المحور، والأدهى من ذلك أن انتصار الحلفاء لم يمكنهم من محاكمة الحاج أمين كمجرم حرب أو إبعاده عن تمثيل فلسطين، بل أنه أصبح شخصية بارزة على مستوى العالم الإسلامي وكان استقباله الرسمي يضاهي استقبال الملوك في بلاد العربية والإسلامية رغم النكبة وضم الأراضي الفلسطينية للمملكة الأردنية الهاشمية، وأن العديد من الباحثين يؤكدون أنه المحرّض على الاغتيال السياسي لرموز الكتلة النشاشيبية الموالية للأمير عبدالله والبعض يؤكد أنه المحرّض على قتل الأمير عبد الله نفسه.
قال تشي غيفارا: الطريق طويل ومليء بالصعاب فأحياناً يجب أن نتراجع، إذ نقع في مأزق، وأحياناً أخرى نفترق عن الجماهير، إذ نتقدم بسرعة كبيرة، في بعض المناسبات نسير ببطء شديد ونشعر بلهاث أولئك الذين يتعقبوننا قريباً جداً. ففي طموحنا كثوريين نسعى إلى السير بأسرع ما يمكن ونشق طريقنا، لكننا نعلم أننا نأخذ مادتنا من الجماهير وأن هذه الجماهير لن تستطيع التقدم بسرعة أكبر إلا إذا شجعناها بالاقتداء بنا.
هذا ما قام به الحاج أمين الحسيني خلال فترة قيادته للشعب الفلسطيني من منفاه الطوعي، فقد أرسل العديد من الكوادر لتدرب على التخطيط العسكري بل أنه أقنع هتلر بإرسال ضباط ألمان لتدريب الميداني في فلسطين وقد سجّل الانتداب البريطاني مقتل 200 ألماني من ضباط التخطيط العسكري والاستخبارات في فلسطين خلال فترة الأربعينيات، بل أنه حتى حرب النكبة سجّلت مقتل 45 ضابط ألماني من أتباع أمين الحسيني، وأن حجم تسليح للفلسطينيين فاق توقعات الدول العربية حيث أن شهداء الجيوش العربية كلها لم يتجاوز 3000 شهيدا بينما شهداء المقاتلين الفلسطينيين والمتطوعين من خارج فلسطين فقد وصل إلى 11 ألف شهيد.
قال الجنرال كلوب باشا قائد الجيش العربي الأردني في حرب النكبة: لولا جنون المقاتليين الفلسطينيين لما تحركت قواتنا خارج محيط مدينة القدس، لكننا كنا نعمل أغلب الوقت لفض الاشتباك بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لقد استغل الإسرائيليين تهور المقاتلين الفلسطينيين للسيطرة على أرض أكبر من نصيبهم في قرار التقسيم. كما أبلغ رئيس الوزاء الأردني توفيق أبوالهدى، نائب المندوب السامي إليك كيركبرايد في عمان بأنه: لا يرى خيارا في الحقيقة سوى التقسيم… طبعاً لن يوافق أي عربي علانية بمن فيهم أنا على التقسيم، ولكنهم سيقبلون به جميعاً إذا فرضته بريطانيا على الفلسطينيين وأسقطوا مشروع الحسيني.
في جميع الدراسات التاريخية يتم تحميل الحاج أمين الحسيني مسؤولية النكبة دون سواه من القيادات العربية، بل أن البعض يرى أن الخلاف بينه وبين الأمير عبد الله سبب ضياع فلسطين، وهنا تُقرأ الصورة بشكل غير منطقي، فالحسيني لم يكن ضد الثورة الهاشمية بل أن أمير العرب فيصل نفسه اعتبر مجهود الحسيني في إنجاح الثورة موازيا لكل مجهودات أعيان دمشق وحلب، وأن الحسيني عقد خلال فترة العشرينيات سبع مؤتمرات فلسطينية لمبايعة أمير العرب فيصل في حين أن باقي السوريين انتفضوا عليه بعد دخول القوات الفرنسية دمشق. أما المعضلة الباحثين بعدم استيعابهم أسس رأس المال الاجتماعي الفلسطيني، فالحسيني تبنى الفكر الوطني القطري بقيادة النخب الإقطاعية مع الإيمان بالوحدة العربية ضمن فهمه للكونفدرالية بين الأقطار العربية، والنقطة الثانية أن الحسيني وجد الدعم السعودي والمصري المتخوفين من مشروع الأمير عبدالله التوسعي، وأيضا أن الحسيني لم يسع لفتح خطوط الاتصال مع دول المحور، بل كانوا هم من سعى إلى ذلك فقد بدأ المبعوثون الطليان بالاتصال بالحسيني بعد موت أمير العرب فيصل مباشرة.
من هنا نرى أن الجماعة الاجتماعية في فلسطين تشكلت بعد الحرب الأوروبية الأولى وقامت بتمثيل فلسطين بالمؤتمرات العربية تحت قيادة أمير العرب فيصل، الذي سمح للنخب الفلسطينية بالذهاب للدول الأوروبية ومناقشة مطالبهم بعد فشل محادثاته مع البريطانيين فالفرنسيين ثم وايزمان ممثل الصهيونية. وفي فترة العشرينيات كان الانتداب البريطاني يتعامل مع ممثلين منتخبين عن الشعب الفلسطيني، وهذه النخب هي التي أسس الأحزاب السياسية في فترة الثلاثينيات، وكل هذه الأحزاب والنخب السياسية كانت تطرح فلسطين كقضية وطنية لها بعد قومي مساند. كما أنها استمرت بعد النكبة ولم يسقط مقعد فلسطين بجامعة الدول العربية بل أنها سجلت عضوا عاملا بمنظمة العالم الإسلامي ومنظمة عدم الانحياز وكان يمثلها الحاج أمين الحسيني حتى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينبة.
وهنا أسجل اعتراضي الكبير على دراسة صور الموت الفلسطيني للأستاذ إسماعيل ناشف حيث يقول: إن اختفاء الجماعة الفلسطينية بعد النكبة حتى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في منتصف الستينات سعيا لانتزاع إدارة الموت الفلسطيني من العدو الصهيوني. فقد تفتت المجتمع الفلسطيني لجماعات عدة، تعيش كل منها على هامش مجتمع آخر، تتعلق به ويقصيها بدوره عن مركزه. فالمجتمع الفلسطيني يمر منذ بدء تشكيله على النمط الحديث بعمليات مكثفة من التفكيك وإعادة التشكيل، قلما نرى مثلها في العصر الحديث.
هنا نذكر أن العمليات العسكرية لم تتوقف طيلة فترة الخمسينيات بل أن مصطلح فدائي ظهر بعد النكبة مباشرة وهو مصطلح كان يطلقه الحسيني على الفدائية بل أن المساعدات المالية التي كان يتلقاها الحسيني من دول الخليج كانت من أجل العمل الفدائي، وأساس الخلاف بين عبد الناصر والحسيني أن عبد الناصر طلب وقف العمل الفدائي، وكان هذا السبب الرئيس بانتقال الحسيني إلى الشام وبيروت، ثم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية لتكون بإمرة عبد الناصر. إننا نملك الكثير من التحفظات على أداء الحسيني من رفضه للعمل الجماعي وطبقية أعوانه وتصفية خصومه السياسيين وتذبذب تحالفاته إلا أنه حافظ على تماسك الجماعة الاجتماعية في طوق الوطنية القطرية وهو مركزها جماهيرياً ورسمياً وأيضاً ضمن صلاحياته من الجامعة العربية التي لم يتنازل عنها للشقيري إلا بعد ضمانات استمرار العمل الفدائي.
إن دارسة الجماعة الاجتماعية في فلسطين وتطورها لابد أن يكون جزءا من تطور الفكر الوطني القطري بالدول العربية التي مرت بذات ظروف المجتمع الفلسطيني. فكل المشرق العربي انتقل معاً من حكم الإقطاع المدعوم من السلطان التركي إلى أمير العرب فيصل ثم الثورات الفلاحية العمالية، وإن مجرد تسجيل أن الثورات السورية في فترة الثلاثينيات كانت عمالية فلاحية، فإن الثورة الفلسطينية 1936-1939 كانت عمالية فلاحية أيضاً، بل أن القيمة المضافة عند المجتمع الفلسطيني كانت باستخدامه لرموز فلاحية بامتياز مثل الكوفية كزي للثوار ومناقيش الزيت والزعتر، أما المبالغين بمسألة المعكرونة دليل ولاء لموسوليني فهي عبارة عن ثلاث مظاهرات في حيفا تم فيها رفع علم إيطاليا وأكل المعكرونة، وقضية تحريم شرب شاي بالحليب تشبه بالإنكليز فسببه أن إعدامات الثوار كان يسبقها حفلات شرب شاي بالحليب في مدينة الرملة، وهذه حوادث عبارة مقارنة بالهيكل العام للرموز الفلاحية والعمالية للثورة وخير دليل على ذلك توزيع الأغذية على محتاجين من قبل اللجان الشعبية المرتبطة بهيكل الثورة، فكان بالمدن عبارة عن حمص وفلافل وبالقرى جبنة بلدية وزيت وزعتر، وقد استمر توزيع هذه الأغذية طيلة الثلاث سنوات، ولم يذكر أي من مسجلي التاريخ الشفوي للثورة أي هتاف إلا لأمين الحسيني والاستقلال السياسي بكل النواحي والمدن الفلسطينية، مما يؤكد أنها ثورة شعبية وطنية بحتة بقيادة الحاج أمين الحسيني.
لم يسجل التراث الشعبي حدثا أقدم من استشهاد محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير- فهم باكورة الاستشهاد الوطني بامتياز. أما من سبقهم من شهداء فهم شهداء الثورة العربية. وتبع ذلك إعلان نابلس بضرورة حمل السلاح ومقاومة الانتداب والعصابات الصهيونية. بعد فشل كل التحركات السياسية خلال فترة العشرينيات وبداية استخدام العنف ضد الفلسطينيين. أي أن القيادة الفلسطينية سعت لقبول دور الضحية خلال تلك الفترة، وكان تحركها السياسي يستند على ضرورة رفع الظلم من باب إيمانها بعدالة قضيتها ومشروعية مطالبها وارتباط مصيرها بالمحيط العربي إلا أن البريطانيين تبرأوا من كل وعودهم، بل أن عنفهم ضد الفلسطينيين أخذ شكلاً تصاعدياً بعد إعلان إمارة شرق الأردن وبداية الحديث عن استبرار معاقبة الفلسطينيين الرافضين لتقاسم الأرض مع الصهاينة. يُعرف الاستبرار أنه تبرير العدوان على الغير من خلال تأثيمه، من خلال وضع كل اللوم عليه وتحميله مسؤولية المأزق العلائقي عندها يصبح هو المذنب وهو مصدر الخطر والتهديد على حالة السلم العلائقي. بل أن الطرف الأقوى يؤمن ببراءة ذاته وأنه ضحية لتهديد خصمه الضعيف الهمجي مما يجعله يستوحش بعدوانيته ضمن مفهوم الدفاع عن الذات.
مما دفع الفلسطينيين لتصعيد وتيرة العنف وتقديم الروح دفاعاً عن الحقوق الوطنية، وقد مجد الشعب المقاومة واعتبر الثوار هم من سيفرض التغيير الجذري، بل أن التغني بالقسام وإبراهيم الكبير والعديد من الشهداء الذين حملوا السلاح استجابة لأوامر الحسيني، جعل الشعب يتصور الثوار كأنهم أسطورة قادرة على تحقيق المستحيل. كما في رواية المزحة لميلان كونديرا حيث يقول: حين تطرح مسألة الانتقام، يتحول هذا الانتقام إلى وهم، إلى إيمان شخصي، إلي أسطورة تنبثق يوماً بعد يوم طالعة من شبكة صفاتها التي تظل هي هي نفسها في أسطورة الانتقام بعيدة المنال.
أما مسألة الانتحاري أو الاستشهادي فقد انتظرت حتى عام 1937 حين بدأت العمليات الاستشهادية في الثكنات العسكرية البريطانية. إلا أن أي دراسة صادقة لقضية الاستشهاديين سوف توضح أنها لم تكن فردية بل كانت ضمن عمل منظم يسعى لإلحاق الضرر بالعدو وتخفيف الضغط على الثوار، فهي مدروسة مرتبطة بالثورة وحتى الذين فشلوا بتنفيذها حوكموا لأنهم جزء من الثورة لم يكن لأي منهم مطالب شخصية بل أن مطالبهم كانت ضد الاستيطان وضد التقسيم وباقي مطالب الحسيني والقيادة الفلسطينية.
بالعودة لدراسة صور الموت الفلسطيني للأستاذ إسماعيل ناشف حيث يقول: لا يموت الإنسان بحسب هواه، وإنما طريقة الموت مرهونة – إلى حد بعيد – بشكل النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه. إن الموت منصة لاستشراف الحياة، حيث يكشف الناظر منه إليها عن أشكالها وطرائق عملها. إن النظام الاستعماري يحتكر الموت الفلسطيني لأنه يعني استمرار النظام ما دام الموت مستمرا. إن التهجير واللجوء جاءا نية لا تكتمل إلا بالعودة، أي أن ممارسة الموت الجماعي تاريخياً تحمل تشكيلة من الولادات الفلسطينية المختلفة. فحتمية المقاومة المسلحة تنبثق من عملية العودة الساعية إلى تقويض إدارة شؤون الموت الفلسطينية على يد النظام القائم على منطق العنف التشكيلي. وإن كثافة الموت كماً وكيفاً تؤدي – على نحو سببي – إلى كثافة التحرر أرضاً ومجتمعا.ً فقد اكتملت هزيمة المشروع الوحدي العربي بنكسة 1967 مما رسخ مفهوم القطرية الوطنية ببلاد العرب وأما الوطنية الفلسطينية فقد تحملت وحدها مسؤولية إزالة آثار النكبة والنكسة.
قد يكون لي فهم آخر لمفاهيم عديدة قالها الأستاذ إسماعيل مثل الموت وإدارة شؤونه والنظام بفرعيه الاستعماري والنظام المقاوم له. لكنني أوكد أن استنتاجه سيكون رائعاً إذا كان يتحدث عن فنزويلا أو جنوب افريقيا حيث تشكل النظام الاستعماري بالدفع للمركز الإمبريالي أي هدفه استغلال الموارد من أجل زيادة الانتاجية، فهناك كان النظام الاستعماري يروّض المجتمعات ليحولها إلى عبيد رضى يقبلون كل ما يريده النظام الاستعماري ومجرد التفكير بمقاومة النظام كان يؤدي للقتل بدم بارد، حيث قتل النظام الاستعماري أكثر من 300 مليون من سكان العالم الجديد وإفريقيا في زمن المد الاستعماري.
أما بخصوص النظام الاستعماري الإحلالي الصهيوني فهو حالة فريدة من نوعها، فهو يسعى لترحيل اليهود المؤمنين بعليا- أي العودة- إلى أرض الميعاد من الدايسبورا- الشتات اليهودي، ولم يكن مشروعهم سهلاً لولا اضطهاد اليهود في أوروبا خاصة روسيا القيصرية ثم ألمانيا النازية وبعدها اضطهادهم بالدول العربية. ففكرة النظام لا تعتمد على الإنتاجية الاقتصادية بل على القومية الأمنية هدفها حماية اليهود من الاضطهاد أو بمعنى آخر الموت. فالصهيونية عملت جاهدة لطردهم من نظامهم الاجتماعي الطبيعي إلى نظام تجربة القومية الأمنية التي تم بناؤها على أسس اشتراكية قاعدتها العمل العبري سرعان ما تحول إلى نظام معقد اقتصادياً أساسه الأمن القومي فسعت إسرائيل لما وراء الاكتفاء الذاتي أي توفير مخزون احتياطي يكفيها لمدة سنتين. أي أنها كما قال موجان سبورلوك: الخوف من العدو مركز ثقافة المجتمع وما ولاؤه للقيادة سوى طلبه للحماية وتعزيز الأمن.
أما النظام الاجتماعي العربي الفلسطيني فهو جزء من النسيج العربي بل أن هتاف فلسطين عربية لم يغب عن الشارع الفلسطيني طيلة المائة عام المنصرمة مع تناغم نفس المطلب في الجوار العربي، بل أن العرب الذين سقطوا دفاعاً عن فلسطين أعلى من ذهابهم لدفاع عن أي قطر عربي آخر. ومن جانب آخر فإن الثقافة المجتمعية في الجوار العربي هي ثقافة حاضنة للفلسطيني ضمن فكر الوحدوي الذي طرحته الأحزاب القومية والأممية والدينية في فترة ما بعد النكبة.
فإذا كان هناك ذوبان لبعض مكونات الشخصية الفلسطينية في تلك المرحلة، فهي لم تتحول إلى شخصية مصرية أو لبنانية بل أن كل الأقطار العربية كانت تمر بمرحلة تصاعدية جامعة اسمها نحن عرب. وهذا ما دفع الشباب الفلسطيني للانخراط بالعمل السياسي للأحزاب ذات بالبعد القومي. وبما أن النظام الاجتماعي أكبر من التنظيم السياسي فقد حافظت الشخصية الفلسطينية على خصوصيتها بل نشرت تراثها بالدول العربية فما عاد أحد في بلاد العرب من لا يعرف الكنافة النابلسية والمسخن والدبكة الفلسطينية واللهجات الفلسطينية والزجل الشعبي وأيضاً شعراء فلسطين ومثقفيها وكل مكونات النسيج الاجتماعي. فلا يوجد تفتت بنظامنا بل أن النكبة سحبت الأمة العربية نحو تبني القضية الفلسطينية وتحول العرب لفلسطينيين، وهو ما أطلقت عليه الثورة الفلسطينية الجبهة الشعبية العربية المساندة لثورة الفلسطينية.
أما قضية إدارة شؤون الموت ومن يسيطر عليها، يدفعنا مرة أخرى للتساؤل عن أهمية اغتراب المصطلح وكيف دخل قاموس علم النفس. في البداية ينبغي علينا تعريف الموت علميا: الموت نوعان الموت الفسيولوجي الجسمي أي أن أعضاء الجسم تتوقف عن العمل وتعود إلى تراكيبها الأصلية، والنوع الثاني وهو الموت السيكولوجي النفسي أي الذين يموتون من الداخل لأنهم يحملون للكراهية للآخرين. أما تعريف قلق الموت فقد عرّفه تمبلر: بأنه حالة انفعالية غير سارة يُعجل بها تأمل الفرد في ذاته، وأن درجة قلق الموت يحددها عاملان : حالة الصحة النفسية العامة وخبرات الحياة المتصلة بموضوع الموت. وعرّفه هولتر: بأنه استجابة انفعالية تتضمن مشاعر ذاتية من عدم السرور والانشغال المعتمد على تأمل أو توقع أي مظهر من المظاهر العديدة المرتبطة بالموت.
أما تعريف الموت بأديان المجتمعات الغربية، فقد ذكر “ول ديورانت” في كتابه قصة الحضارة: “أن اليهود قلَّما كانوا يشيرون إلى حياة أخرى بعد الموت، ولم يرد في دينهم شيء مِن الخلود، وكان ثوابهم وعقابهم مقصورَين على الحياة الدنيا. وقد آمنت بعض فِرق اليهودية بالحياة بعد الموت، والفريسيون هم الوحيدون الذين يعتقدون بالحياة بعد الموت للصالحين فقط من البشر. أما الكنيسة الشرقية فالموت له درجات الأولى الموت الروحي وهو الانفصال عن الله، فالموت الجسدي وهو انفصال الروح عن الجسد ثم الموت الأدبي وهو فقدان الصورة الإلهية.
أما أتباع الكنيسة البروستانتية فهم لا يؤمنون بالصلاة على الموتى، ولا يطلبون الرحمة لنفس الميت، ولا النواح عليه، كل ما يحدث أن يدخل جثمان الميت إلى الكنيسة، لتقرأ بعض الفصول وتُلقى العظة، لمجرد تعزية أسرة المتوفى، أو للاستفادة من الموت، ولكن لا يصلون مطلقًا من أجل الميت، ولا يطلبون مغفرة، ولا يسألون الله من أجل أبدية هذا الذي انتقل. وأغلب موضوعات علم النفس تستند إلى شروحات الكنيسة البروستانتية، حيث أنها تسعى لتأخير الموت قدر الإمكان سعياً للوصول لمرحلة الإنسان الذي لا يموت من خلال منع أسباب الموت، وهم من أدخل سؤال ما هي أسباب الوفاة وفرضتها على الدول والمؤسسات من أجل الحد من أسباب الوفاة.
وهناك تعريف عربي للموت ذكره ابن منظور في لسان العرب : الموت صفة وجودية خلقت ضدا للحياة ، وباصطلاح أهل الحق قمع هوى النفس فمن مات عن هواه فقد حيي بهداه. وللموت ألوان منها الموت الأبيض: أي الجوع؛ لأنه ينور الباطن ويبيض وجه القلب فمن ماتت بطنته حييت فطنته .والموت الأحمر أي مخالفة النفس، والموت الأخضر أي لبس المرقع من الخرق الملقاة التي لا قيمة لها لاخضرار عيشه بالقناعة، والموت الأسود أي هو احتمال أذى الخلق. أما تفسير بيتين الشعر: (و كيف يؤمل الإنسان رشداً * وما ينفك متبعاً هواه) (يظن بنفسه شرفاً وقدراً * كأن الله لم يخلق سواه) فشرح الموت الأحمر أي الموت بالسيف والموت الأسود أي الموت بالغَرَق أو الموت بالشَرَق والموت الأبيض أي موت الفجأة.
أود أن أذكر نقطة مهمة عن اختلاف مفهوم الموت، فعندما سئل فيدل كاسترو، هل أنت سعيد لاغتيال جون كنيدي؟ أجاب غاضبا: ما هذه العقلية؟ كيف تفكرون؟ هناك فارق بين حضارتينا بعد كل شيء. هل أنتم على هذه الشاكلة في أوروبا؟ بالنسبة لنا نحن الأمريكيين اللاتينيين فالموت موضوع مقدس، فهو لا يعني مجرد نهاية العداوات، بل هو يفرض أيضاً الأخلاق والكرامة والاحترام. حتى الصعاليك يتصرفون كملوك في مواجهة الموت.
من هنا لا نرى أن إدارة شؤون الموت الفلسطيني خاضعة للنظام الاستيطاني الصهيوني وفق منهجية علم الاستغراب، بل أن النظام الصهيوني يسعى لتفريغ الأرض من سكانها قدر المستطاع، لأسباب عديدة أهمها قوة النظام المجتمعي الفلسطيني أو ما يسمى بحس الوطني العالي للشعب الفلسطيني وكذلك العربي إزاء أرض فلسطين، فهي جزء من المقدّس بالمعتقد الأسطوري الجمعي وهو غير قابل للتبديل أو التحويل. أما السبب الثاني أن النظام الصهيوني لا يسعى لاستعباد الفلسطينيين، بل أنه يعتبرهم أنجاس لابد من إبعادهم عن التخالط الحر بالمجتمع الصهيوني، فهو لم يفرض لغته أو ثقافته أو دينه على الفلسطينيين كما فعل النظام الاستعماري الامبريالي في العالم الجديد على سبيل المثال. ومقارنة الإجراءات الصهيونية لتوطين يهود الدول العربية نرى أنها فرضت عليهم اللغة العبرية الأوروبية لا الشرقية وتم تبديل أسمائهم لأسماء أوروبية وتغيير أغلب شخصياتهم المجتمعية، وهذا لم يحدث للفلسطينيين، بل أن ضعف سلطة النظام الاستيطاني لم تمنع يهود المغرب الفقراء من العودة للمغرب دون تسجيلهم ضمن الهجرة العكسية (يريدا) لأن النظام مقتنع أنهم حتماً سيعودون لعليا ياسرائيل.
أما السبب الثالث هو قصر عمر الدولة العبرية وخوفها المستمر من التفتت بسبب الهجرة العكسية المعروفة بيريدا، وهي حركة فكرية قوية بدأها اليهود الألمان في منتصف الخمسينيات من القرن المنصرم، ففي الدول التي تعتمد على المهاجرين الجدد مثل أستراليا وكندا، فإن الجيل المهاجر يبقى يحمل اسم مهاجر أما نسله من الجيل الثاني فهو المواطن الحقيقي، وبمقارنة عدد المهاجرين والمواطنين وفعاليتهم بالهدف المركزي للنظام الاستيطاني أي الفكر القومي الأمني فإننا نرى أن المهاجرين الجدد هم الركيزة الأساسية للنظام بينما المواطنون الحقيقيون للنظام يعتبرون أن حياتهم الطبيعية يجب أن تكون بعيدة عن مناطق الخطر، فهي جاءت نتيجة نضال آبائهم من أجلهم وعلى المهاجرين الجدد توفير مناطق آمنة لأبنائهم. ومع الأخذ بالاعتبار أن هناك 20 ألف إسرائيلي يتركون إسرائيل سنوياً خلال العقدين الماضيين لإيمانهم بفكر اليريدا المتصاعد عند المواطنين الحقيقيين في النظام الاستيطاني الصهيوني.
وبالعودة لتعريف الموت فعند علماء النفس الغربيين تعريف خاص للموت بالمناطق المحتلة يأخذ دورة تصاعدية تبدأ بالضحية وكل من يموت بتلك المرحلة يكون محفزا لإعادة تشكيل الجماعة المجتمعية لتصل لمرحلة تنظيمية قادرة على صنع مقاومة. ومن يموت في مرحلة المقاومة فهم شهداء الوطن، وإن لم تنجح الثورة فإنها سوف تتفتت وتعود لمرحلة مظلمة يكون أساسها العمل الفردي وهي مرحلة الاستشهادي المصحوبة بتشكل حكومة محلية موالية للاستعمار تقوم بقمع مجتمعها وإنهاء مرحلة الاستشهادي ودخول مرحلة عبيد الرضى الذين يقبلون كل ما يطلبه منهم النظام الاستعماري. هذه الاستنتاجات جاء من دراسة النظام الاستعماري الامبريالي في العالم الجديد وإفريقيا.
لكن هذا لا ينطبق على الثورات الشرقية الحديثة في فيتنام والجزائر وحتى ليبيا، فحتى يوم استقلالها كان الموت يتداخل بين ضحية لم تقاوم وشهيد منظم بالثورة وانتحاري قام بعمل فردي، تسمى اصطلاحاً الحرب الشعبية طويلة الأمد التي تعتمد على كل طاقات الشعب الذي يتدافع لفداء الوطن المسلوب، والسبب أن النظام الاستعماري الحديث يسعى لسرقة ممتلكات الوطن دون مواطنيه أي أن نظرية استعباد الشعوب خرجت من قاموس الاستعمار منذ زمن طويل، بالمقابل لا يوجد نظام مغلق بالعلاقات الدولية الحديثة بل أن أي حكومة انتقالية تحت الاحتلال تواجه مصير باقي دول العالم الثالث المستقل جزئياً، أي التبعية الاقتصادية المربوطة بالتنسيق الأمني مع دول المركز الإمبريالي. وأمثلة هذه التبعية موجودة بدول تعد كبيرة وقوية مثل البرازيل والمكسيك وكوريا الشمالية.
قال الشهيد الرمز ياسر عرفات: يريدوني إما أسيراً أو إما قتيلاً وإما طريداً.. لا، أنا أقول لهم شهيداً.. شهيداً.. شهيداً.. هنا اختصار للمرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، فالخيارات إما القتل أو الطرد إلا أن الفلسطيني يأبى انتظار من يقرر مصيره، فهو يؤمن بضرورة حمل السلاح دفاعاً عن الوطن وعن ثبات الشعب الفلسطيني في أرضه، فقرار المقاومة لم يسقط ولم يكن الموت الفلسطيني يوماً بيد النظام الاستيطاني الصيهوني لأننا ما زالنا نقاوم وهو لا يريدنا إلا خارج أرضنا.
وإذا كان هدف النظام الاستيطاني الصهيوني هو أساساً تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها العرب كما ورد في وعد بلفور، وإن كل الشروحات البريطانية لوعد بلفور لم تنف ضرورة منح الحركة الصهيونية أرضا بلا شعب إلى شعب بلا أرض، وهناك دراسات عديدة للجولات المكوكية للقيادة الفلسطينية بعد الحرب الأوروبية الأولى لبريطانيا وفرنسا وعصبة الأمم لشرح مصير الشعب الفلسطيني إذا ما طُبق وعد بلفور، لكنها كلها وصلت لطريق مسدود على الصعيد الدبلوماسي، وبعدها بدأ النضال السلمي بمظاهرات عام 1919 وما تلاها بالمدن الفلسطينية معلنة رفضها لنكبة الشعب الفلسطيني وإصراره على مقاومتها ضمن بناء الجماعة الاجتماعية الفلسطينية على أسس الوطنية القطرية ذات البعد القومي العربي الوحدوي.
وحتى الآن ما زال النظام الاستيطاني الصهيوني يقضم مزيدا من الأرض الفلسطينية في نكبة ما زالت مستمرة لم تتوقف، وفق الفهم الفلسفي العميق لكلمة النكبة وارتباطها بتطبيق وعد بلفور، فمسألة الحدود المفتوحة القابلة للتوسع هو أساس الفكر الصهيوني، وهذا التوسع لا بد أن يكون على حساب تفريغ الأرض من سكانها، وهو لا يميز بين أرض محتلة عام 1967 أو عام 1948، فمشاريعه التوسعية لمصادرة الأراضي في بئر السبع توازي بخطورتها ما يحدث بالمناطق المتنازع عليها بيهودا وسامراء أو اسمها الأردني الضفة الغربية، فرغم المجهودات الدبلوماسية لوضع اسم فلسطين إلا أن الإعلام الدولي مازال يذكرها بالأراضي المتنازع عليها وحتى الإعلام العربي يذكرها باسمها الأردني قبل النكسة أي الضفة الغربية. فالنكبة ما زلنا نعيشها كل يوم وما زالت مستمرة وما زلنا نقاومها ونعمل على إيقاف تمددها السرطاني.
ومن جانب آخر فإن الأقطار العربية لم تُسقط حقها باسترداد فلسطين، بل أنها تعتبر استقلالها ناقص دون إعادة فلسطين لأهلها، مما دفعها للانجرار خلف التسلح سعياً لتوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني، وهذا كلفها الكثير من المجهود المجتمعي، مما سبب أزمات اقتصادية وسياسية متتالية سببت انتكاسات بعمليات التنمية وارتفاع ملحوظ بالدين العام بجميع بالدول العربية، مما أنتج تفكك اللحمة المجتمعية داخلها وانتشار الاستبداد السياسي وفتح أبواب الفتن وحروب الأخوة. فمنطقة الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم مضطربة بالحروب الأهلية الطويلة، ولا يستبعد الكثير من المحللين استمرارها لأجل طويل إلا إذا اتفق العرب على ضرورة إيقافها، كما أن المحللين يؤكدون أن إسرائيل ستصل سريعا إلى الحرب الأهلية الطويلة إذا حاولت إيقاف الهجرة العكسية خارجها اليريدا أو تباطأت بالدعاية لعليا لاستقطاب مهاجرين جدد، أي دورة كل يهودي أن يمر بمرحلة داخل إسرائيل ثم خارجها أو العكس صحيح أيضا.
أما نحن فنتعبرالمخيمات بالشتات العربي جزءا من الوطن لم يذوب بالوسط العربي المضيف بل هو تأكيد أن النكبة مستمرة ولا بد من مقاومتها بكل الوسائل الممكنة، فلا يوجد شيء يلزمنا بالعنف أو يمنعنها من استخدام العنف، إنما هي خيارات مفتوحة نستخدمها ضمن ظروفنا وفهمنا لمراحل النضال، فالخيار العسكري والعمل الفدائي لابد أن يصل لمرحلة النضال السلمي، وإذا كان النظام الاستيطاني يسعى لصدام المسلح فهذا نابع من نظرية الخوف المزمن الذي يعيشه بسبب عبثية نظرية القومية الأمنية ذات النظام المغلق المرفوضة في عصر العولمة. كما أن خيار النضال السلمي حقق نتائج جيدة رغم صعوبة تطبيقه، أما دعاة الكفاح المسلح فلا بد أن يوفروا متطلبات استمراريته وأولها الوفاق العربي وإقامة قاعدة ارتكاز له.
من جانب آخر يرى دعاة حل الدولة الواحدة أن حل السلطة الوطنية ضرورة لاستمرار النضال، لأن السلطة الوطنية تشكل نظاما مواليا للنظام الاستيطاني الصهيوني، وهو ما يجعل إدارة شؤون الموت الفلسطيني تحت سيطرة النظام الاستيطاني الصهيوني مما يدفع الشباب الفلسطيني للعمليات الاستشهادية رفضاً للوصول لمرحلة عبيد الرضى للحركة الصهيونية. وقد شرحنا بإسهاب أن النظام الاستيطاني لا يسعى للوصول لمرحلة عبيد الرضى، كما أن السلطة الوطنية غير تابعة للنظام الاستيطاني الصهيوني بل أنها تملك استقلالية متوسطة مقارنة بالعديد من الدول المستقلة، وأن ارتباطها بتبعية نسبية للنظام الاستيطاني الصهيوني لأننا لم نصل لمرحلة الاستقلال بعد، وأن حل السلطة لا يعني أن الاحتلال سيتحمل مسؤولياته بتوفير كل ما يلزم المجتمع الفلسطيني، فقبل تشكيل السلطة كانت المملكة الأردنية من يقوم بهذا الدور، وهي ما زالت تقوم بهذا الدور بمنطقة القدس الكبرى بتقديم كافة الخدمات التعليمية والصحية وكل جوانب الحياة.
إن اتفاقية أوسلو قسّمت الأرض الفلسطينية لثلاث مناطق هي ألف تُدار بواسطة السلطة الفلسطينية وباء وهي تُدار بهيئة مشتركة فلسطينية إسرائيلية وجيم وهي تُدار بواسطة الجيش الإسرائيلي، ورغم أن انتفاضة الأقصى غيّرت الكثير من مساحات الأقسام الثلاث تبعها الجدار العازل إلا أننا لا نرى أي تحمل لمسؤولية الاحتلال اتجاه السكان بالمناطق المحتلة المعروفة اصطلاحاً مناطق جيم. كما أن السلطة لا تملك أن تمنع أي نشاط مقاوم بمناطق جيم، وبنفس الدرجة في منطقة القدس ومنطقة الحرم الابراهيمي. ومن جانب آخر فإن الثورة الفلسطينية لم تكن يوماً ضد خيار الدولة الواحدة على أن تكون ديموقراطية تؤمن بالمساواة والعدالة الاجتماعية بين مواطنيها، أما نقطة الخلاف مع بعض من يطرحها هو أن الثورة الفلسطينية تشترط إنهاء آثار النكبة لقبول حل الدولة الواحدة أي حق العودة اللاجئين وتعويضهم عن استخدام أرضهم وممتلكاتهم.
إن ميلاد الوطنية الفلسطينية كان ضرورة ملحة لمقاومة وعد بلفور مسبب النكبة الوطنية وهي المحرك الفعلي لإدارة شؤون الموت الفلسطيني، ضمن فهمنا للحرب الشعبية طويلة الأمد التي تمنح كل فلسطيني حق المقاومة بالطريقة التي يراها مناسبة، فلم تكن ثورة 1936 كلها عملا عسكريا بل كان هناك نضال سلمي ودبلوماسي، كما العصر الذهبي للكفاح المسلح أثناء وجود الثورة الفلسطينية في لبنان أنتج كما هائلا من النضال السلمي الشعبي، إن الوطنية الفلسطينية تشكلت واكتمل نموها وهي توازي الوطنية القطرية في بلدان العربية وتتناغم معها بالأهداف والطموحات، فلا يمكن أن يذوب الفلسطينيون تحت أقدام الصهاينية، بل أنهم مازالوا يقاومون ويتحكمون بإدارة شؤون الموت الفلسطيني.
لقد كان المرحوم الدكتور إبراهيم أبو لغد شخصية فلسطينية ذات آفاق واسعة جعلته يصل للعالمية بعلومه، عاش الحياة الفلسطينية كاملة حيث بدأها بمدينة يافا التي عاش فيها طفولته وغادرها مهجّرا لبيروت مع قوافل اللاجئين ثم إلى نابلس وبعدها للولايات المتحدة الأميريكية التي لم يعد منها إلا عام 1992، حيث عاش بين نابلس ورام الله. ولما اقترب أجله توجه إلى مستشفى المقاصد بالقدس برفقة اثنين من أصدقائه، حمّلهم وصية صعبة يريد أن يدفن في يافا وفي حال منعت إسرائيل ذلك أن يُحرق جسده ويُذرّ رماده في مقبرة يافا. بعد وفاته أجلسه أصدقاؤه بالكرسي الخلفي للسيارة ووضعوا على عينيه نظارة، ثم ذهبوا إلى يافا وهناك بالمقبرة التي كانت ملعب طفولته دفن، تبقى يافا ملكاً لنا وحقاً لنا وإليها لا بد أن نعود أحياءً، أمواتاً، شهداءَ لا يهم، المهم أننا عقدنا العزم أنها لنا ونحن لها.
خالد أبو عدنان
ولدت لاجئاً وأحيا مهاجراً
2/7/2017
https://www.falestinona.com/flst/Art/69368#gsc.tab=0









