قراءة في أزياء فيلم داوود

شارك المقال:

قراءة في أزياء فيلم داوود

1 ابريل 2026

بقلم خالد غنام

ليست الأزياء في الأفلام مجرد تفاصيل جمالية عابرة، بل هي لغة بصرية محمّلة بالمعاني، تُعيد تشكيل التاريخ وتُعيد تعريف “من هو البطل” و”من هو العدو”. في فيلم “داوود”، لا تُستخدم الملابس فقط لرواية قصة قديمة، بل لإعادة إنتاج سردية كاملة عن الأرض والهوية والصراع. بين الخيوط والألوان والزخارف، يمرّ خطاب أيديولوجي عميق، يُخفي أكثر مما يُظهر، ويُجمّل ما لا يمكن تبريره.

في هذه القراءة، نحاول تفكيك هذا الخطاب من خلال الأزياء: كيف صُنعت؟ ماذا تُخفي؟ ولمن تُنسب؟ وهل هي بالفعل تعبير عن تاريخ حقيقي، أم إعادة كتابة معاصرة بوسائل بصرية ناعمة؟

في ديسمبر ٢٠٢٥ تم عرض فيلم كرتوني يعرض بطريقة بشعة تاريخ العنف الفلسطيني، وأن الشعب اليهودي كان يعيش مظلوماً مع قبائل فلسطينية متوحشة. وهي رواية متداولة بشكل مستمر في المصادر التوراتية التي تجيز قتل الفلسطينيين لأنهم قبائل متوحشة لا تؤمن بالسلام.

وعلى الرغم أن النصوص التوراتية تعتبر الفلسطينيين عبارة عن أحد شعوب البحر المهاجرة التي استقرت في جنوب الساحل الفلسطيني في سواحل عسقلان وأسدود وغزة ورفح، إلا أن الفيلم يعتبر كل أعداء بني إسرائيل هم فلسطينيون، حتى قبائل العماليق في الخليل، وقبائل الكنعانيين في جبال القدس ونابلس، هم فلسطينيون، وحتى قبائل شرق الأردن في مؤاب هم فلسطينيون، في تسويق لحق اليهود بقتل الفلسطينيين وتبرير الإبادة الجماعية للفلسطينيين في الوقت الحالي.

في فيلم داوود، وهو فيلم كرتوني أمريكي يروي قصة صعود داوود ليصبح ملكاً على بني إسرائيل، ذكر مؤلفو الفيلم أنه مستوحى من سفري صموئيل الأول والثاني في التوراة. حيث يتم تصوير داوود على أنه شخص ضعيف لا يصلح للأعمال القتالية، فهو هزيل الجسم ضعيف الطول، أشقر الشعر ولون عينيه أزرق. الحقيقة أن جيوش القبائل الكنعانية كانت ترفض تجنيد ذوي الشعر الأشقر لأنهم كانوا يعتبرونهم من سلالة شيطانية، وفي المعتقد الكنعاني فإن ذوي العيون الزرقاء لا يصلحون للحراسة الليلية لأنهم ضعاف البصر؛ إلا أن الفيلم عرض داوود على أنه امتداد للرجل الأوروبي الأبيض، كما يروّج أصحاب نظرية أن العائلة المالكة في بريطانيا هي النسل الحقيقي الباقي من سلالة الملك داوود.

كانت أزياء كافة المقاتلين تتميز بأنها ذات صبغة حمراء أرجوانية، المعروفة باللون الفينيقي؛ حيث كان البحارة الإغريق يرتدون الملابس السوداء، والبحارة المصريون يرتدون الملابس البيضاء، أما البحارة الفينيقيون فكانوا يرتدون الملابس الحمراء الأرجوانية، فكان يُطلق عليهم اسم الذين يلبسون الملابس الحمراء، أي الفينيقيين، وهم سكنوا ساحل شرق البحر الأبيض المتوسط من منطقة يافا الفلسطينية إلى منطقة بيروت اللبنانية. وكانوا يصبغون ثيابهم من إفرازات حلزون إيل، حيث كان يُستخرج من غدد حلزون بحري صغير يُعرف باسم الموريكس (Murex).

ركز الفيلم على الأزياء العسكرية الكنعانية مدعياً بأنها الأزياء التقليدية لكافة المقاتلين، إن كانوا إسرائيليين أو فلسطينيين؛ لكن الأمر غير حقيقي، حيث إن الفلسطينيين تميزوا عن الكنعانيين بأن أزيائهم كانت تحتوي على قطع معدنية، وتُعتبر من أقدم أنواع ستر الصدر المدرعة التي كانت تحمي منطقة الصدر والظهر، وهي تجمع بين النسيج الكتاني وجلود الحيوانات وسبائك معدنية ثقيلة تكون كبيرة الحجم ومربوطة بعُقَد جلدية فوق العباءة. بينما كان الكنعانيون يرتدون ملابس قطنية مطرزة وملونة، ويرتدون فوقها عباءة جلدية خفيفة، وخوذة نحاسية يزينونها بالأحجار الكريمة وريش الطيور، وكانوا يحملون دروعاً دائرية كبيرة الحجم تُصنع من سبائك معدنية ويتم تزيينها برسومات مرتبطة بالإله إيل الحامي والراعي لحياة الكنعانيين. وكانت الدروع مبطنة بجلد الجاموس القاسي.

وفي قضية مثيرة للجدل طرحها الفيلم عن أم الملك داوود، واعتبر أن اسمها حنان بار رافا، لكنه ذكر اسمها الآخر نيتزيفت بات أدائيل، وذكر أنها تعلمت فنون نسج الصوف على طريقة أهل مؤاب شرق الأردن من الجدة الكريمة راعوث. تُعتبر راعوث المؤابية الجدة الكبرى للملك داوود، حيث تزوجت من بوعز في بيت لحم بعد وفاة زوجها الأول، وأنجبت منه “عوبيد” الذي أصبح والداً لـ “يسّى” والد داوود. وعرض الفيلم طرقاً مختلفة لغزل الأصواف، من النول اليدوي إلى المغزل الذي كانت تحمله بيدها، وهي تروي قصة “لكل نسيج قصة، ولكل إنسان قصة”، وهي فكرة مستلهمة من مزامير داوود الشهيرة. كما شاهدنا “المبرم” الذي استخدمته في رسم وردة كنعان وسنابل داجون ومثلثات بعل، وكلها معتقدات كنعانية وثنية قديمة، إلا أنها ما زالت من النماذج التي يتم تطريزها في صدر الأثواب الفلسطينية في منطقة يافا وبيت دجن وسلمة.

كما ظهر في الفيلم أن صباغة الأصواف كانت بألوان متعددة مثل الأصفر والبني والأحمر والأزرق وغيرها الكثير من الألوان، وهذا غير ثابت علمياً؛ حيث إن اللون الأزرق لم يكن مستساغاً لدى الكنعانيين، إذ ارتبط بالآلهة السفلية والشياطين، وكذلك اللون الأحمر فقد كان لون سكان الساحل من الفلسطينيين، أما اللون الأصفر فهو لون الحرير، ولم يكن يُقبل أن يكون الرداء أصفر إن لم يكن من نسيج الحرير. إلا أن الكنعانيين تميزوا بأصباغ الألوان الصوفية الخاصة الخضراء والبنفسجية والرمادية، أما باقي أنواع الزهور فقد كانت تُستخدم لصبغ المنسوجات الكتانية، وهي الأكثر انتشاراً بينهم. أما الملابس القطنية فكانت تُصبغ باللون النيلي أو الأبيض لارتباطها بالآلهة الفرعونية.

خصوصاً ظهور رسومات أشخاص على بعض المنسوجات في أغنية أم داوود، وكذلك رسومات لأهرامات مصر القديمة؛ فهذه لا تُعتبر من تراثيات المنسوجات الكنعانية أو الفلسطينية أو حتى الإسرائيلية، فهي من خيال صناع الفيلم وليس لها سند تاريخي. ففي التاريخ الفلسطيني لم يتم نسج لوحات فنية لأشخاص قبل الحقبة الرومانية في بداية القرن الميلادي الأول؛ حيث دخل التصوير الروماني الوثني إلى فلسطين من خلال رسومات الأباطرة الرومان وقادة الجيوش، ثم بعد ذلك رسومات دينية وثنية لها علاقة بآلهة روما القديمة، وبعد ذلك، أي في القرن الثالث الميلادي، بدأت تظهر الرسومات المسيحية الأولى للسيد المسيح وأمه مريم العذراء والقديسين، وكلها لوحات مقدسة تم تعليقها في الكنائس القديمة والمباني الحكومية الرومانية.

في ملاحظات أخرى عن زي داوود خلال الفيلم، كان يرتدي زي الراعي البدوي الفقير، وهو مغزول من صوف خشن به مسامات واسعة تدل على فقره، وعلى أنه يعيش في منطقة حارة، وهو ما لا يتناسب مع تصوير الفيلم لمناطق جبال خضراء ذات وفرة مائية كبيرة. كما أن الزخارف الخضراء على ثوبه تحمل ثلاث علامات من الديانة الكنعانية للإله بعل، حيث إن المثلثات المقلوبة تدل على موسم الإخصاب الزراعي، وهي مهمة لدى الفلاحين لكنها لا تخص أهل البادية ورعاة الأغنام. وأن اللون الأخضر هو لون الزهاد النباتيين في عصر التوراة القديم، ولم يكن داوود منهم. أما المعلومة الأخيرة فهي أن اللون الأخضر كان يخص العبيد عند الفلسطينيين، حيث كانوا يُمنعون من ارتداء الملابس الحمراء.

في النهاية، لا أعتبر هذا الفيلم جزءاً مباشراً من حملات دعائية لسرقة التراث الكنعاني أو الفلسطيني، لكنه يقدّم سردية تبريرية خطيرة، تُوحي بأن قتل الفلسطينيين مبرر تاريخياً، عبر تصويرهم كشعب متوحش لا يستطيع التحضر ولا يؤمن بالعيش المشترك أو السلام مع جيرانه، خصوصاً الإسرائيليين.

 

ملاحظة: لمشاهدة مشهد الفيلم المقصود افتح الرابط التالي https://www.facebook.com/share/v/19NMxLrJ7e/

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة