مقال بعنوان: النقاء الثوري في معركة التنين
(من تجربة ثورة جمهورية تيمور الشرقية)
نناضل من أجل حق تقرير المصير لوطننا لا لحركتنا فكلنا وطنيون ولا أريد أن أقتل أخي حتى لو قتلني، كلمات المناضل جوزيه راموس هورتا التي زلزلت تيمور الشرقية في صيف 1974 معلنة أنه سيقاوم حرب أهلية في بلده، الذي تفاجئ من نهاية الاستعمار البرتغالي الذي دام 500 سنة، ليس من خلال انتصارا ثوريا بل تغيير استراتيجي في البرتغال أدى إلي سحب قواتها وخلق فراغ السيادة بين أهل تيمور الشرقية والحكومة الاندونيسية.
وهنا لابد من وقفة تمهيدية لتحديد الزمان والمكان لأطهر معركة وحدة وطنية قُتل فيها عشرون ألف مناضل في أقل من ستة أشهر: جزيرة تيمور تعني منبع الشمس بلغة أهلها وهي من جزر ملوك الشرق التي سكنها الإنسان منذ أكثر من 40 ألف سنة وفق دراسات الآثار الشاهدة على ازدهار الزراعة والتجارة وصناعة السفن منذ العصور الموغلة بالقدم، هي مجموعة واسعة من أرخبيل جزر يضمن عدة دول أهمها إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة التي تعرضت لأطول وأشرس استعمار أوروبي سحق أديانها وحرق لغاتها وإعاد تشكيل الحياة وفقا لمصالحه الاستعمارية، كان نصيب جزيرة تيمور استعمار برتغالي بالشرق وآخر هولندي بالغرب لقرون عدة أجبر أهلها على إتباع المذهب الكاثوليكي في شرق والبروستانتي في الغرب أما الأديان السابقة فقد نساها الزمان ولم نعد نعرف إلا التين الملاك الذي يرسله الرب ليحرق الذنوب وينثر بركات الآلهة.
في ربيع 1974 قررت الحكومة البرتغالية سحب قواتها من تيمور الشرقية دون منحها الاستقلال مما شجّع الجار الكبير – اندونيسيا – إن يعمل جاهدا من أجل ضمها تحت سيادته بحجة أنها كانت جزء من اندونيسيا قبل الاحتلال البرتغالي، لكن التاريخ لا يذكر أي دولة كبرى في هذا الأرخبيل حيث أن كل مدينة كان يحكمها ملك ومنها جاء اسمها جزر ملوك الشرق، إلا أن الصراعات الدولية بين الغرب الامبريالي ممثل بالولايات المتحدة الأمريكية والشرق الصين الشعبية عكس مخاطر استقلال تيمور الشرقية، كما أن في تيمور الشرقية حزب أبوديتي اليميني الذي يؤمن بضرورة وحدة جزيرة تيمور تحت السيادة الاندونيسية، إلا أن هذا الحزب جماهيريته أقل من 10% من الشعب، أما غالبية الشعب فهي تؤيد حركة فريتيلين الوطنية بنسبة لم تقل عن 65% من الشعب وباقي الأصوات فهي للاتحاد الديموقراطي. في صيف 1974 خرجت مظاهرات صغيرة في بعض المدن التيمورية بتحريض من تنظيم أبوديتي تطالب الجيش الاندونيسي بضرورة حماية البلاد من الخطر الشيوعي القادم من الصين، ودعوات لإعادة تاريخ جزر ملوك الشرق، إلا أن هذه المظاهرات فشلت في إقناع التيموريين في قبول وصاية اندونيسيا عليهم، إلا أن المخابرات الاندونيسية أخذت تشق صفوف الاتحاد الديموقراطي من خلال عروض الحكم الذاتي لتيمور الشرقية بحكومة معينة من اندونيسيا تكون مناصفة بين حزبي أبوديتي والاتحاد الديموقراطي مع منع حركة فريتيلين من ممارسة الحياة السياسية لأنه على علاقة مع الصين الشيوعية التي تعادي اندونيسيا. وفعلا اقتنعت بعض قيادات الاتحاد الديموقراطي بضرورة استخدام القوة ضد حركة فريتيلين وسجن زعماؤها الانفصاليين!
أضاء البارود سكينة تيمور التي لم تستفق بعد من ليل الاستعمار البرتغالي، صاح جوزيه راموس هورتا: 500 عاما من العذاب والظلم الأوروبي لنا لم تساعدنا اندونيسيا بأي شيء، إذا كان وطننا بلدهم لماذا لم يقاتلوا البرتغال؟ لماذا لم يمدوننا بالسلاح؟ تحررنا صدفة هراء ما تقولون، فكل حبة رمل جبلت بدماء أجدادنا، لقد قتل نصف الشعب التيموري في حرب الاستعباد الأوروبي إلا أنني أفاخر شعوب العالم كله، أنه رغم كل المؤمرات والدسائس لم يدخل شعب تيمور في دوامة الحرب الأهلية لكنها قادمة، ومن يفكر أنني أبحث عن الزعامات فأقول أنني زعيم ثوري لا أريد مناصب سياسية إذا كان وطني حرا، أما إن دخل جيش الاحتلال الاندونيسي فسوف نقاتله كما قاتلنا البرتغال، أنا لست شيوعيا ولا بوذيا أنا كاثوليكي وطني وأعشق بلدي وفي فترة الاستعمار البرتغالي كنا نبحث عن سلاح لنقاتل الاحتلال، لم نجد غير الصين تدعمنا وتدربنا، لكنني أتحدى كل قيادات اندونيسيا إن كانت علاقاتنا مع الصين تعني عداءا لهم، رغم القتل الممنهج للشيوعيين في اندونيسيا ( 3 مليون قتيل في 1964-1968) بدعم الولايات المتحدة الأمريكية واستراليا لم نعادي جاكرتا فعدونا الاحتلال وكل احتلال لوطننا عدو لنا، آه يا أخوتي ما أبشع الظلم الذي سقط علينا، أذكركم بأحداث 1941 في خضم الحرب العالمية الثانية عندما هرب البرتغاليون من الجيش الياباني وأرسلت لنا استراليا قوة حماية مكونة من 1500 جندي ودعم لوجستي من الهولنديين في غرب الجزيرة، ماذا حدث؟ هل فقدتم الذاكرة؟ لقد قاتل رجال تيمور بشراسة دفاعا عن وطنهم ووفر الحماية للجنود الاسترال لقد قتل منا 50 ألف في أقل من ثلاثة أشهر، أنا ابن هذا الشعب أنا تيموري أنا وطني ابن تاريخ بلدي، أرسم لكم الاستقلال بدمي وبدم فريتيلين؟ آه من فريتيلين هذا الاسم الأوروبي المختصر لنا؟ نحن جيش حركة التحرير الوطني لتيمور الشرقية ولن يتختصروا جيشنا بحركة سياسية فنحن الشعب كل الشعب نناضل من أجل حق تقرير المصير لوطننا لا لحركتنا فكلنا وطنيون ولا أريد أن قتل أخي حتى لو قتلني، أشهد الشعب علينا أننا لن نوجه الرصاص الا على الجيش الاندونيسي أما أبناء التنظيمات الأخرى فلا وألف لا وأسهل علينا أن نقتل أنفسنا طوعا على أن نقتلكم.
الا أن الحرب الأهلية وقعت ودخل جيش الاحتلال الاندونيسي بمباركة دولية، خلال الحرب الأهلية لم تلتزم بعض مجموعات حركة فريتيلين بتعهد جوزيه راموس هورتا، فقتلت الكثير من أعضاء الاتحاد الديموقراطي، بل أن بعض القيادات طالبت بضرورة تطهير الجبهة الداخلية من الخونة وعملاء الاحتلال حتى نقنع الرأي العام العالمي أننا صوت واحد يطالب بالاستقلال، وهذه الدعوات لاقت تجاوبا من بعض أعضاء التحالف الديموقراطي ومعارضة من بعض أبناء حركة فريتيلين، إنها حرب الأخوة حيث أصبح القتل لغة الحوار وسقطت حكمة الوطن بين ظلمة الخيانة وظلال الانفصال فلم تعد دموع الأمهات تعني أحدا، فضاعت الأخوة وأقفلت الكنائس في صلاة البارود الذي يجرى في عروق شعب قرر أن يعاقب نفسه بينما قوات الاحتلال الاندونيسي تراقب من بعيد وساسة جاكرتا أعلنوا أن شعب تيمور الشرقية غير مؤهل لاستلام أي نوع سيادي من السلطة لكننا سوف نتحمل مسؤوليتنا بضمها وإعلانها الولاية 27 في اندونيسيا لكنها ستبقى خمس سنوات بإدارة عسكرية حتى يتم اجتثاث الشيوعيين المسلحين وتدريب الشعب على أساليب الحكم وإدارة الدولة.
عقد المكتب السياسي لحركة فريتيلين اجتماعا استثنائيا عقب إعلان جاكرتا هذا، تعانقوا كثيرا وتذكروا قتلاهم وكيف ساقهم الغضب لقتل بعضهم البعض، وقف جوزيه راموس هورتا وقال: لا أحب دموع الرجال فهي هزيمة وأنا خسرت الكثير من المعارك لكنني أرفض الهزيمة ولابد أن نرسم خطة طويلة الأمد لمقاومة الاحتلال الاندونيسي لنا، عندنا دستورنا كحركة تحرر وسوف نتعامل مع الاندونيسيين مثل البرتغاليين، وهذا سهل نظريا إذا اتفقنا على رفع درجة نقاؤنا الثوري، وهنا أقول الشعب غاضب منا لإننا قتلنا أخوة لنا وهناك قيادات أصدرت تعليمات فردية مخالفة لقراراتنا الجماعية وأيضا هناك الوحدة الوطنية مع الاتحاد الديموقراطي، إن محاسبة المخطئين هو التخلص من فساد أصاب نفوسنا وتطهير لغاية نضالنا، إنني أطالب بعملية تنين داخل حركة تحرر فهل هذا ممكن؟ لم تكن كلمات هورتا شيء سهل التحقيق أو قابل للشك فهو اختصر الحقيقة المرة، فلا يمكن إن نؤجل المحاسبة إلي ما بعد إنهاء الاحتلال لوطننا والسبب أن الثورة لن تنجح بدون التفاف شعبي يكون جمهور الثورة الذي يحمي مقاتليها، قال هورتا: إن التحالف الديموقراطي يعقد اجتماعا الآن وسوف يصدر قرارات تتعلق بمحاسبة المخطئين وأخرى تعزز الوحدة الوطنية، لكم أقول أنني قلق على موضوع خطير داخل حركتنا موضوع الاتصالات بين الأعضاء خارج المتفق عليه في نظام البريد التنظيمي، فهناك قيادات تعطي أوامر للأعضاء ضد قيادات في حركتنا نحن، وأيضا هناك أعضاء يتطاولون على قيادات لأنهم مدعومين من قيادات أخرى، في مثل هكذا ظروف أطالب بإلغاء بعض الصلاحيات للقيادات الوسطى، وسيكون المكتب السياسي مسؤول عن كل صغيرة وكبيرة بالبريد التنظيمي ولن نأخذ أي قرار فردي بل كل قرارتنا ستكون جماعية حتى لو تعلق الأمر بجلب الماء للثوار بالجبال.
قرر المكتب السياسي لحركة فريتيلين أن كل عضو بالحركة قتل إي إنسان أن يذهب لأهل القتيل ويخبرهم أنه قاتل ابنهم وهو تحت تصرفهم، وخرج أعضاء المكتب السياسي في شوارع العاصمة ديلي يرفعون أعلام الاتحاد الديموقراطي بيد وحركة فريتيلين بين أخرى ويصرخوا نحن وطنيون لسنا شيوعيون نحن وطنيون، وفي نفس الوقت حضر الاتحاد الديوقراطي رافعا أعلام جمهورية تيمور الشرقية وهو يصيحون ثورة ثورة حتى الاستقلال، يا دم التنين أحرق ذنوبنا ويا آلهة السماء إرشدينا لطريق الحرية. فخرج أهالي ديلي من كل حدب وصوب يصرخوا ثورة ثورة على الاحتلال.
خالد أبوعدنان
ولدت لاجئا وأحيا مهاجرا
8/5/2015









