قراءة نقدية لكتاب المغاربة في القدس

شارك المقال:

قراءة نقدية لكتاب المغاربة في القدس

بقلم خالد غنام – استراليا

 

صدر حديثاً كتاب المغاربة في القدس الشريف: “من بداية الغزو الصليبي وحتى نهاية الفترة المملوكية 492 – 922 هـ/ 1099 – 1516 م” تأليف د.عبد الرحمن محمد حامد العالم المغربي عن مؤسسة باب المغاربة الدولية بالتعاون مع تاسك للنشر والطباعة والتوزيع في الجزائر.

 

يغطي الكتاب جزءاً هاماً من تاريخ المغاربة في القدس وعموم  بلاد الشام، هذا التاريخ المبعثر في كتب تاريخ بيت المقدس. هذا وقد سبق للمؤلف د. عبد الرحمن المغربي أن أطلعني على مجموعة أبحاث كتبها لها صلة في موضوع الكتاب، كما أن أطروحة الدكتوراة التي قدمها لجامعة عين شمس كانت بعنوان: طائفة المغاربة في القدس الشريف من492 – 922هـ / 1099 – 1516م، والتي حازت فيها على مرتبة الشرف الأولى عام 2000.

 

يعتبر د. عبد الرحمن المغربي موسوعة التاريخية هامة في تحقيق الوثائق والمخطوطات وله إلمام واسع بالمواقع الآثارية الهامة في عموم فلسطين، وما يقدمه في ملاحق الكتاب من وثائق لا يشكل إلا جزءاً يسيراً من الوثائق التاريخية التي هي في أمس الحاجة لدراستها وإعادة تحقيقها في ظل تطور علم الآثار الذي كشف لنا الكثير من نواقص المعلومات التاريخية. ولعل هذا من أهم الأسباب التي دفعته ليكون أحد أهم مؤسسي الاتحاد العام للمؤرخين والآثاريين الفلسطينيين، الذي نسعى معاً لتسجيله ضمن الاتحادات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية من أجل وضع الخطط والأطر الدافع لعملنا في القول الدراسات التاريخية والآثارية.

 

د. عبد الرحمن المغربي باحث نشط لهم الكثير من الأبحاث العلمية المنشورة وكذلك العديد من التحقيقات الهامة للوثائق التاريخية، هذا وقد شارك في العديد من المؤتمرات والمنتديات المتخصصة في الجوانب التاريخية والآثارية في فلسطين والمنطقة العربية. وهو عضو بالمشروع الريادي الأرشيف الحضاري للقدس 2013م.

 

ومن أهم أعمال د. عبد الرحمن المغربي: كتاب عكا ومنطقتها في العصور الوسطى 497هـ/1104م – 583هـ/1187م، القدس في الوثائق والنقوش، القدس منذ حكم محمد علي باشا وحتى عام 1917 م. وأبحاث أخرى مثل: جهاد بني الأرتق ضد الصليبيين، أوقاف السلطان المغربي أبي الحسن علي بن عثمان المريني في القدس بين عامي 745-753ه/1344-1352م، دور المقاومة الشعبية المغربية في مواجهة الوجود الصليبي في مملكة بيت المقدس 492 – 583هـــ/1099–1187م. إضافة إلى الكثير من الأبحاث التي نشرت في المجلات العلمية المتخصصة.

 

عندما تدخل مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان أو الأردن تسمع أحياناً لغات أخرى غير العربية وتجدها متداولة في حارات المغاربة لغات بربرية وأمازيقية. أنهم مغاربة فلسطين الذين جاءوا لفلسطين منذ العصور الوسطى حتى خمسينيات القرن الماضي، جاءوا أفراداً ولم يأتوا بشكل قبائل كاملة؛ مما أسقط أسماء العائلات الأصلية وأبقى المنبت الأساسي مثل الفاسي والمراكشي والتي تحولت مع مرور الزمن إلى المُغربي. مغاربة فلسطين الذين تعود أصولهم للمغرب العربي الكبير: تونس، الجزائر، والمغرب، ليبيا. يشتركون بقضية أساسية أنهم يرفضون العودة إلى منابتهم الأصلية، حيث عرض الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة على اللاجئين الفلسطينيين من أصل تونسي العودة إلى تونس والحصول على المواطنة الكاملة، وكذلك فعل الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، وأيضاً الملك المغربي الراحل الحَسَن الثاني بِنْ مُحمد بِنْ يوسف العَلوي، والرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وكان الرسميون المغاربة يفاجأون برد واحد من قبل مغاربة فلسطين: نحن فلسطينيون ساعدوننا على تحرير فلسطين لأنها هي وطننا المحتل الذي لن نتخلى عنه.

 

ستجد الكثير من الدراسات التي تتحدث عن مغاربة فلسطين أو جزء منهم، ففي دراسات مماثلة لكتاب المغاربة في القدس الشريف: “من بداية الغزو الصليبي وحتى نهاية الفترة المملوكية 492 – 922 ه/ 1099 – 1516 م” تأليف د.عبد الرحمن محمد حامد العالم المغربي، نقرأ مثلاً: كتاب تاريخ الجزائريين في البيت المقدس وفلسطين إبراهيم المقدسي ذكر موجات هجرة الجزائريين المتتابعة إلى فلسطين منذ الحروب الصليبية إلى العصر الحديث، ودوافع تلك الهجرات وأسبابها، ومن تلك الأسباب: الجهاد في سبيل الله لتحرير بيت المقدس والمسجد الأقصى من الاحتلال الصليبي، وشد الرحال إلى المسجد الأقصى وزيارته، ومجاورة بيت المقدس، والهجرة لطلب العلم أو نشره في بيت المقدس، أو الفرار من الاستعمار الفرنسي.

 

وفي كتاب يافا من الغزو النابليوني إلى حملة إبراهيم باشا تأليف حسن إبراهيم سعيد ذكر أن ثاني أهم مصدر للهجرة الخارجية بعد مصر كانت الهجرات المغاربية، وكانوا يُعرّفون بشكل عام ب “مُغْربي”، أو حسب البلد التي جاءوا منها، فكان مهاجرون من مراكش، ومن تونس، وثمة حالات كان يُشار فيها إلى مسقط رأس المهاجر، مثل المغربي الفاسي، نسبة لمدينة فاس المغربية. وهذا حسب ما ورد في سجل المحكمة الشرعية في مدينة يافا (1799 – 1931).

 

أما د. عبد الرحمن المغربي فقد جعل أسباب الرحلات المغاربية أقدم من ذلك بعثوره على معلومات تفيد بأن استقرار المغاربة يسبق تلك الحقبة، وارتبط في رحلة أداء الحج وزيارة الأماكن المقدسة، استناداَ لما ورد في كتب التاريخ العتيقة ومدونات الرحالة المغاربة، وكانت مدينة القدس جزءاً هاماً من تلك الرحلات لزيارة المسجد الأقصى. تلى ذلك بداية الاستقرار المغاربة في العصر الأموي المتأخر.

 

ويهدف د. عبد الرحمن المغربي في هذا الكتاب إلى إلقاء الضوء على الوجود المغربي في مدينة القدس خلال العصور الإسلامية الوسطى، وتفاعلهم ضمن الطوائف الإسلامية الأخرى، وعلاقاتهم مع الطوائف غير الإسلامية في هذه المدينة والتي شكلت في مجموعها المشهد الذي يمتاز بالتعدد والتنوع والحيوية، والذي أضفى عليها بعداً روحياً كبيراً عند معظم بني البشر تقريباً، كما يهدف إلى لفت الأنظار إلى معاناة هذه الطائفة وصمودها بعد إقدام الاحتلال الإسرائيلي على هدم حارتها في القدس عام 1967م، وتشرد السكان المغاربة منها بالقوة بعد أن عاشوا فيها وأصبحوا جزءاً من مجتمعها منذ مئات السنين. كما هدفت إلى إبراز دورهم في المجتمع المقدسي الاجتماعي والعلمي والاقتصادي والثقافي والديني.

 

وقد جاء الكتاب في ثمانية فصول، تناول الفصل الأول: تحليل مصادر الدراسة، وخصوصا الوثائق غير المنشورة التي اعتمدت هذه الدراسة على جانب كبير منها. أما الفصل الثاني فقد تناول: القدس والمغرب دراسة في الزمان والمكان والعلاقات، حيث تناولت البعدين الزماني والمكاني والترابط بينهما، والظروف والعوامل التي مهدت لهجرة المغاربة واستقرارهم في هذه المدينة.

 

في حين تناول الفصل الثالث دور المغاربة في الدفاع عن مدينة القدس الشريف إثر تعرضها لغزو الصليبيين الفرنجة. حيث تم تفريغ هذه المدينة تقريباً من سكانها العرب المسلمين، وتصدي المغاربة خلال هذه الفترة على لهجمات المحتلين الفرنجة على المستويين الرسمي والشعبي.

 

وجرى التعرض في الفصل الرابع إلى الرحالة المغاربة إلى القدس الشريف، وتمت دراسة مكثفة لحياتهم ورحلاتهم وبرامجهم، وكتاباتهم في موضوع فضائل القدس الشريف، ويجب التنويه هنا إلى أن رحلة العديد من المغاربة كانت جزءاً من رحلتهم إلى الشرق الإسلامي، وخصوصاً لأداء فريضة الحج إلى الديار الحجازية المقدسة.

وتحدثت في الفصل الخامس عن طائفة المغاربة والأسباب التي دفعت الكثير منهم إلى المجاورة قرب المسجد الأقصى، والأوقاف التي حبسها عدد منهم لصالح الطائفة سواء في مدينة القدس أو ضواحيها، وفي مناطق أخرى في فلسطين.

 

في حين تم تخصيص الفصل السادس للحديث عن أوضاع المغاربة الإدارية في مدينة القدس الشريف، وأهم الوظائف التي استحدثت لتنظيم حياتهم في هذه المدينة، كما تم الحديث عن الأوضاع الاقتصادية التي عاشوها والأعمال التي عملوا بها في ضوء عدم كفاية الأوقاف لسد متطلبات حياتهم، إضافة إلى الحديث عن أوضاعهم الاجتماعية وعلاقتهم بالطوائف الأخرى، وتم الحديث أيضاً عن الحياة العلمية التي تميزت بغنى واضح ومميز تجلى في نبوغ العديد من المجاورين مجالات العلوم الدينية والإنسانية، مثل الفقه، والحديث، والتفسير، والتاريخ، والتصوف.

 

وفي الفصل السابع تم الحديث عن المنشآت المعمارية التي عاش فيها المغاربة في القدس الشريف، وخصوص ا حارة المغاربة الملاصقة للحرم القدسي الشريف من جهة الغرب، والتي لم يبق منها – للأسف – بسبب الاحتلال الإسرائيلي للمدينة عام 1967م، وهدمهم حارة المغاربة سوى زاوية المغاربة، وجامع المغاربة، وبعض المنشآت الصغيرة الأخرى

.

وجاء الفصل الأخير عبارة عن سجل مصغر لبعض وثائق طائفة المغاربة في القدس الشريف، توضيح ا لتاريخ هذه الطائفة، وعنوان ا لوجودهم الدائم في مدينة الصلاة.

 

كما احتوى الكتاب على مجموعة من صور ومخططات وملاحق توضح جوانب عديدة من حياة المغاربة في القدس الشريف خلال فترة الدراسة.

 

أتمنى أن يلاقي الكتاب الاهتمام الكافي من الجمهور والمختصين لما فيه فائدة علمية ومتعة فنية تلك التي تميز كتابات د. عبد الرحمن المغربي، الذي نتمنى له المزيد من التقدم والعطاء، وسنبقى من أشد مهتمين بالعمل معكم من أجل خدمة الشعب الفلسطيني.

تعليق 1

  1. سعيد الشبلي
    نوفمبر 18, 2025

    فعلا هو كتاب هام بإذن الله كتب ضمن الشروط الأكاديمية والتوثيق العلمي الرصين ليؤرخ ليس فقط لمرحلة مشرقة من تاريخ المغاربة الكرام لما قدموا للأمة جهادا وعلما وارتحلوا طالبين للعبادة وللعلم فرسانا وعبادا وعلماء ورحالة فانتفعوا ونفعوا؛ بل أيضا هو توثيق لجزء مهم من تاريخ بيت المقدس والأقصى الشريف وفلسطين عموما. “المغاربة” اسم عزيز نقش من نسغ الوحدة المغاربية الإسلامية التي صهرت شعوب المغرب الإسلامي في هوية واحدة واتجاه واحد هو اتجاه التوحد مع الأمة في مصائرها العظيمة وأهدافها النبيلة. شكرا للدكتور عبد الرحمن المغربي الذي سخر قلمه لاستعادة هوية عظيمة وكشف الغطاء عن اسم كريم يكاد يذوب اليوم تحت وطأة القطرية والتعصب والجهالة

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة