إدارة أصوات الجالية العربية في انتخابات الدول الغربية
بقلم خالد غنام – سيدني
17 نوفمبر 2024
إن العدوان الإسرائيلي الذي يمارس الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، يلاقي إدانة دولية واسعة، وتعاطف شعبي عالمي؛ مما شكل قوة ضغط لتغيير مواقف سياسية للعديد من الدول، بل أن هذا التعاطف الشعبي أثر في انتخابات عدة دول غربية خصوصاً في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فالشعوب تطالب بوقف إطلاق النار الفوري وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية واللبنانية. إلا أن المجتمعات الغربية مازالت تعيش مرحلة القطبية السياسية التنافسية رافضة لتشكل كتل انتخابية جديدة وازنة، مثل حزب الخضر أو الأحزاب الوسطية.
فكل المشهد السياسي فيها ينقسم إلى كتلتين هما الكتلة اليمينية: ممثلة بالأحزاب المحافظة والدينية والليبرالية الاقتصادية وآخرها الأحزاب ذات النزعة القومية المتشددة. أما الكتلة اليسارية: ممثلة بالأحزاب العمالية والديموقراطية والاشتراكية والشيوعية واتحادات النقابات العمالية والأحزاب القومية الثورية. فهاتين الكتلتين تتصارعان على حكم الدول الغربية منذ أكثر من مائة عام، ولا يوجد أي قوى السياسية جديدة قادرة على كسر هذه القطبية السياسية. وهذا لا يعني أن أي من الكتلتين متماسكة وموحدة من الداخل أو أن انتقال بعض الأحزاب الصغرى أو حتى بعض السياسيين من إحدى الكتلتين إلى الأخرى غير وارد، بالحقيقة أن هذه المسلكيات هي المحرك الرئيسي لأي زيادة غير طبيعية لإحدى الكتلتين على حساب الأخرى.
كما أن مفهوم الأثر الشعبي في الانتخابات يدفعنا لفهم التغير الجذري في مفاهيم الليبرالية الجديدة والسياسات العولمة. فلقد حدثت إزاحة سياسية عالمية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية القرن الماضي؛ فالكتل اليسارية بكل دول الغربية أجبرت على إزاحة أفكارها لتصبح وسطية وقريبة جداً من حزب الخضر، مما دفع الأحزاب اليمينية بأن تقوم بعمل إزاحة نحو أقصى اليمين، وهذا جعل الجمهور الناخب لا يرى الفروقات الطفيفة بين ما يسمى الكتلتين متصارعتين، وأن اختيار المرشحين أخذ طابع فردي أكثر منه حزبي، حيث أن البرامج السياسية تحمل أفكار يمينية متقاربة.
بقيت الأحزاب الاشتراكية الاجتماعية والاشتراكية الديموقراطية وحزب الخضر يرفعوا رايات الوسطية السياسية بتمسكهم بالثوابت العامة عن العدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق الأقليات وحماية البيئة ومساعدة اللاجئين والاحتجاج السلمي ضد الكتلتين الكبيرتين.
أما في أقصى اليسار فيتجمع هناك العديد من الأحزاب اليسارية العنيفة التي ترفض بغالبياتها المشاركة بالحياة السياسية وترى أن النظام السياسي فاسد ولابد من تغيير قواعد العملية السياسية التي تتحكم بها النخب الحاكمة والتي لا تعمل على إحداث تغيير ثوري يحقق العدالة الاجتماعية والرفاهية الاقتصادية.
وفي أقصى اليميين تتجمع أحزاب يمينية متطرفة تطرح سياسة انعزالية؛ فهم يؤمنون أن المجتمعات مثل السلحفاة بلا صدفة تحميها، وأن الفكر المتطرف هو الصدفة التي تحمي المجتمعات ضد الفكر الفاسد، فهم يطرحون تحصين المجتمع ضد اللغات الأجنبية وكذلك الأديان الأجنبية والمنتجات الأجنبية وحتى العمالة الأجنبية، ومن أجل هذا يكون خطابهم عدائي لكل ما هو مغاير لهم.
هذه هي الكرة السياسية بالدول الغربية بشكل كامل فهي كرة نصفها يسمى كتلة يمينية ونصفها الآخر يسمى كتلة يسارية يفصل بينهما خط رفيع يسمى الأحزاب الوسطية في قلب الكرة، وعلى نهاية الكرة الطرفية تتجمع الأحزاب المتطرفة اليسارية واليمينية. أما سبب تسميتها بالكرة السياسية فيعود إلى كثرة انتقال أعضاء الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى الأحزاب اليسارية المتطرفة والعكس صحيح، مما يعني أن التطرف اليميني الزائد يحول الشخص نحو التطرف اليساري الزائد والعكس صحيح.
بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 حدثت إزاحة جديدة للكتلة اليسارية باتجاه اليمين، مما جعلها تتخطى الوسطية السياسية باتجاه سياسات ليبرالية، مما دفع الكتلة اليمينية بتخطي الليبرالية الجديدة نحو الليبرالية العنيفة أو الليبرالية المقاتلة؛ حيث أنها افتعلت حروب كثيرة وفرضت عقوبات اقتصادية على دول محور الشر من أجل ضخ أموال للاقتصاد الوطني عن طريق الابتزاز: أي تطبيق سياسة سحب الغيوم من الدول المجاورة لسد نقص الماء المحلي دون مراعاة أن هذه الجرائم ستسبب انهيار عالمي للهيكلية السياسية الدولية بالمستقبل.
كما شهدت الكتلة اليسارية العمالية انشقاقات كثيرة جعلها تتباعد بالطرح السياسي، بل أخذت تشكل برامج السياسية متباينة، إلا أن القانون القطبية السياسية فرض عليها أن تبقى في تحالف إجباري داخل الكتلة اليسارية، وكذلك الأمر حدث داخل الكتلة اليمينية. هذه التحالفات الداخلية شكلت ما يسمى بكرة النمل: فعندما تهطل الأمطار يتجمع النمل على شكل كرة لكي ينجو من الغرق. هذه التحالفات تتشكل من أجل الفوز بالانتخابات. وإذا تحقق الفوز بالانتخابات يتم توزيع الغنائم بين الحلفاء ونادراً ما يحدث تهميش لأي طرف مهما صغر حجمه، فإي خسارة لأي جزء من التحالف ستكون مكسب إلى الحلف المضاد.
أما جبهة الاسناد للكتلة اليسارية العمالية فهي الأحزاب الوسطية وخصوصاً حزب الخضر فهي غالباً ما تعقد صفقات الانتخابية مع الكتلة اليسارية العمالية بدعم مرشحي بعضهما البعض على اعتبار أن الخيار الثاني للناخبين سيكون دعم الكتلة اليسارية العمالية. وفي الكثير من العمليات السياسية يتم تطرح برامج مشتركة بين حزب الخضر والكتلة اليسارية العمالية خصوصاَ إذا كان وزن الكتلة اليمينية قوي وقادر على هزيمتهم جميعاً.
بالنسبة للجالية العربية فهي بغالبيتها تعتبر جزء من الكتلة اليسارية العمالية وتشارك بها بفاعلية، مما جعل للجالية العربية تمثيل قوي في المجالس البلدية والنيابية على صعيد المجالس النيابية بالولايات أو حتى بمجلس النواب الاتحادي. وهذا هو الوضع الطبيعي لكل الجاليات المهاجرة أو تلك الجاليات التي تتباين دينياً أوعرقياَ أو لغوياً مع النسيج المجتمعي العام.
أما الآلية الطبيعة للمشاركة العربية السياسية فهي الانضمام إلى أحزاب الكتلة اليسارية العمالية وترشح في مناطق تواجد الجالية العربية، وهذا هو النمط السائد، كما أن بعض الشخصيات العربية الاعتبارية تترشح بشكل مستقل لكنها تبقى تدور بفلك الكتلة اليسارية العمالية.
وفي الظروف الجديدة التي تلت العدوان الإسرائيلي الحالي على الشعب الفلسطيني تشكلت كتل انتخابية عربية ضمن أحزاب سياسية صغيرة، تطرح أفكار دينية وسطية أو اقتصادية يسارية، إلا أنها لم تدخل الكتلة اليسارية العمالية لحد الآن، بل أنها تطرح نفسها كأحزاب وسطية قريبة من حزب الخضر إلا أن أفكارها هي أقرب ما تكون للأحزاب العمالية، مما جعلها تشكل حجر القبان في الانتخابات البريطانية والفرنسية بعدما حصلت على تعهدات لتحقيق بعض برامجها السياسية.
أما بالولايات المتحدة الأمريكية فالموضوع جاء بصورة مغايرة ومخالف لكل التوقعات حيث أن الكتلة العربية تعدت حدود المعقول ووضعت رأسها على مقصلة الكتلة اليمينية؛ بسبب غضبها من سياسات الحكومة الديموقراطية السابقة، لكن السؤال المطروح الآن: أي وعود يمكن أن يقدمها ترامب للكتل العربية: فهو يطرح سياسات يمينية متطرفة ضد اللاجئين والأقليات الدينية، وفي القضية الفلسطينية فهو الذي اعترف بضم القدس والجولان إلى إسرائيل وطرح صفقة القرن وعقد الاتفاقيات الابراهيمية.
إن الحقيقة السياسية تؤكد أن الجاليات المهاجرة لا يمكن أن تطرح فكر سياسي انعزالي يجعلها تتمايز عن النسيج المجتمعي العام بالدين أو العرق أو اللغة، بل أن الهدف الحقيقي للجاليات المهاجرة هو السعي لقبولهم بالمجتمع مع وجود بعض الخصوصية لهم ليتم تقبلهم ضمن مفهوم التعدد الثقافي. إلا أن التطور السياسي الطبيعي لهم أن تصبح مطالبهم جزء من البرامج السياسية للكتلة اليسارية العمالية تحديداً، وأن تأسس لشكل التحالف الذي ترغب به بموضوعية وفهم واقعي للحياة السياسية.
ألا أننا نسمع مصطلح معاقبة الكتلة اليسارية العمالية وهي الراية التي رفعتها الكتل العربية ضد الحزب الديموقراطي بالولايات المتحدة الأمريكية، وهم بالحقيقة عاقبوا أنفسهم حيث أن نسبة تمثيلهم في المجالس البلدية والنيابية تقلص، مما يجعل قوة ضغطهم تضعف خصوصاً أن الكتلة اليمينية لا تعتبرهم جزء منها. مما يجعلها ستدفع ثمن موقفها أكثر من مرة، فكلا الكتلتين لا يثقان بالصوت العربي لأنه صوت متأرجح لا يمكن الاعتماد عليه.
الانتخابات الاتحادية الاسترالية التي ستقام في منتصف العام القادم تطرح نفس التساؤل على الكتل السياسية العربية: هل ستتفاوض مع الكتلة العمالية اليسارية أم أنها ستتحالف مع الكتلة اليمينية؟ بالتأكيد أنها لن تحقق أي نتيجة مرضية إن بقية خارج الكتلتين.









