الاسكندر المقدوني وتحرير الأسواق من خلال تفكيك الإمبراطورية الفارسية

شارك المقال:

الاسكندر المقدوني وتحرير الأسواق من خلال تفكيك الإمبراطورية الفارسية

بقلم خالد غنام

20/05/2026

«لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمَّ نُقصانُ … فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ

هِيَ الأُمورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ … مَن سَرَّهُ زَمَنٌ ساءَتهُ أَزمانُ»

 

عندما يصبح العدوان تحريرًا، وتصبح الديمقراطية استبدادًا، يكون العالم أمام زعيم أوحد، لكنه كاسر مكسور الجناح سقط في حظيرة الدجاج؛ فلا هم آمنون، ولا هو آكلهم، فكلهم غارقون في الخوف.

 

خلال العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولبنان، كان هناك عدد كبير من الندوات والمحاضرات العلمية التي تتحدث عن أهمية سقوط الحكم في إيران وتحولها إلى دويلات متناحرة، من أجل أن تتمكن الدول الغربية من قضمها.

 

القضية ليست استعمارية تقليدية، بل هي نهج الإدارات الأمريكية المتتالية بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية، حين قررت أن عصر الاستعمار التقليدي قد انتهى، وأن على دول أوروبا الغربية إنهاء استعمارها لبلاد الآخرين، من أجل إعادة تشكل الرأسمالية العالمية. وقد نجحت في تحقيق أهدافها، بجعل بلاد العالم تفخر بأنها تحررت عسكريًا، لكنها تقيّدت اقتصاديًا ثم سياسيًا، مما أعادها إلى حقبة استعمارية جديدة تُسمى بلاد الرأسمالية التابعة للمركز الرأسمالي العالمي في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

إلا أن الضخ الاقتصادي للمركز الرأسمالي العالمي لم يكن كافيًا، بسبب التخمة الاقتصادية التي تعاني منها الهياكل الاقتصادية الأمريكية، مما دفع الإدارة السياسية الأمريكية إلى شن حروب هدفها فرض إتاوات إضافية على بلاد العالم، وتقييدها باتفاقيات اقتصادية تجعلها تحمي المركز الاقتصادي العالمي في الولايات المتحدة الأمريكية على حساب اقتصادها الوطني.

 

في ظل ذلك، كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترى حاجة ماسة لتحويل الصين إلى مصنعها الخاص، من أجل كسر احتكار الدول الأوروبية لتقنيات الصناعة. وفعلاً انتهت فكرة احتكار التقنيات، بل أصبحت فوضوية بشكل لا يمكن التحكم به، كما خطط المفكرون الاقتصاديون الأمريكيون.

 

إن اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية يقوم أساسًا على الفوضى اللامركزية، مما يعني أنها تبحث دائمًا عن استثمارات جديدة خارج حدودها السياسية. فهي تريد الصين أن تبقى، دون أن تتحول إلى قوة عظمى، مثلما كانت الدول الأوروبية قبل الحرب العالمية الثانية، ومن أجل ذلك تعمل على تطوير قوى اقتصادية جديدة تنافس الصين، مثل الهند وجنوب إفريقيا والبرازيل.

 

ضمن ندوة بعنوان «الاقتصاد العالمي سيتعافى بعد انهيار الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، التي عُقدت عبر الأثير بإشراف معهد كوداس الكندي الأسبوع الماضي، عُرضت أوراق بحثية مهمة تتحدث، كذبًا، عن حاجة الإيرانيين إلى الديمقراطية وحرية الرأي وانفتاح الأسواق وحرية تغيير الدين وتبديل الجنس، وغيرها من المواضيع التي تتحدث عن الشعب الإيراني وكأنه يعيش خارج جغرافيا منطقته الحقيقية، حيث إن الأعراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية مختلفة تمامًا، ولا توجد أي دولة في منطقتنا قادرة على تكوين نظام حكم على الطريقة الغربية، حتى دولة الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن وصفها بأنها ديمقراطية غربية.

 

الدعوة إلى ضرورة استمرار الحرب على إيران جاءت من خلال أربع أوراق بحثية، كانت إحداها تتحدث عن الخطر الوجودي على دول الجوار، وتحديدًا دولة الاحتلال الإسرائيلي ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث إن دورهما الوظيفي القديم انتهى، وعليهما القيام بدور وظيفي جديد يتماشى مع مصالح المركز الاقتصادي الأمريكي.

 

أما الورقة الثانية، فكانت تتحدث عن تفجير مخطط طرق وموانئ طريق الحرير الجديد، من خلال تقطيع أوصاله في باكستان وإيران وتركيا، وأن تقارب تلك الدول على الصعيد الاقتصادي سيشكل خطرًا على الاقتصاد الأمريكي، الذي يريد أن تتعامل الدول مع بعضها البعض من خلال المنظومة الاقتصادية الأمريكية، وهذا ما تقوم به المؤسسات الاقتصادية الإيرانية.

 

كما تحدثت الورقة الثالثة عن مشروع تفكيك شبكة التجارة العالمية للطاقة، وتحديدًا النفط، وأن دولًا مثل إيران وروسيا والإمارات تبيع في السوق السوداء كميات ضخمة دون استخدام المنظومة الاقتصادية الأمريكية، مما تسبب في تراجع كبير في قوة المؤسسات الاقتصادية الأمريكية، وجعلها تفقد القدرة على النمو الاقتصادي.

 

في النهاية، كانت أغرب ورقة بحثية هي تلك التي تحدثت عن حروب الاسكندر المقدوني وداريوس الفارسي. وقد ذكرت الورقة أن الإمبراطورية الفارسية سيطرت على الاقتصاد العالمي، ولم تعد أي دولة قادرة على التبادل التجاري مع غيرها دون إذن الإمبراطورية الفارسية. ثم قام الإمبراطور داريوس بفرض ضرائب كبيرة على التجارة العالمية، ووضع مخرجًا لدول العالم بأن تشتري البضائع من بلاد فارس بضرائب مخففة، ومن أجل ذلك ثارت شعوب العالم ضد الإمبراطورية الفارسية بقيادة الاسكندر المقدوني.

 

شرح الباحث خطة الاسكندر المقدوني، التي بدأت بما يعرف اليوم بشرق أوروبا وتركيا، ثم هبط إلى مصر وفلسطين وخاض معركة صور العظيمة، وكلما انتصر في معركة كان أهل تلك البلاد يقدمون له الولاء لأنه أنقذهم من بطش الفرس.

 

بعد ذلك، يقول له الكاهن: لا تدخل بابل الآن، فالنصر سيكون لغريمك. وعلى الرغم من أن قبائل بابل جاءت إليه مبايعة للتخلص من الحكم الفارسي، فإن المنجمين قالوا: هذان ليسا نهري النصر، أي نهري دجلة والفرات، بل عليك أن تشق الصحراء جنوبها، فهناك نهران آخران، وهما نهرا أفنان وزاره في الجزيرة العربية، وهناك ستغلب داريوس. فأرسل سفنه عبر ذلك الطريق، وتعارك مع الفرس حتى انتصر عليهم في ماكيتا، جنوب جلفار، رأس الخيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكانت القوات العربية تقاتل تحت رايته، حتى إنهم كانوا يتسابقون إلى قتل الفرس.

 

لكن هزيمة الفرس لم تكتمل إلا حين قام القائد الفارسي أبسوس بقتل الإمبراطور الفارسي داريوس، قبل تقسيم بلاد فارس إلى ثمانية وعشرين إقليمًا، يكون على كل منها حاكم من بلاد الإغريق.

 

فورث الاسكندر المقدوني كل المستعمرات الفارسية في أوروبا وآسيا ومصر، وكان حكم الإغريق الهيلينيين لا يختلف عن حكم داريوس في المواضيع الاقتصادية، لكنهم فرضوا على تلك الشعوب الثقافة الهيلينية، فغيّروا لغتهم ودينهم وأزياءهم وطعامهم وزراعتهم، حتى فقدوا هويتهم وأصبحوا تابعين أوفياء للمركز الحضاري في بلاد الإغريق، وهذا ما يجب أن تفعله الإدارة الأمريكية إن أرادت أن تبقى الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأعظم في العالم.

 

في مداخلاتنا حول الفرضيات السياسية القادمة، سألنا عن دولة تخطط فعليًا لإسقاط المنظومة الاقتصادية الأمريكية، فلم نجد أي دولة في العالم لا تستخدم تلك المنظومة، حتى الدول المحظورة مثل روسيا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها من الدول التي تجد منفذًا ما للتعامل مع هذه المنظومة.

 

وفي استفسار عن الفائدة من تفكيك الدول العربية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، كانت الإجابات كلها واضحة، وهي أن إشعال الحروب الأهلية من أهم أركان تجارة بيع الأسلحة الأمريكية، مقابل الحصول على موارد طبيعية رخيصة من تلك القوى المتحاربة.

 

أما الاستفسار الثالث، فكان عن نهاية الحرب الأمريكية على إيران، فجاءت الإجابة صارمة بأن الحرب لا يمكن أن تنتهي دون إسقاط النظام الإيراني، والمقصود هنا المنظومة الاقتصادية الإيرانية التي تدور خارج فلك الاقتصاد الأمريكي. فإذا قبلت أي حكومة إيرانية بتغيير استراتيجيتها الاقتصادية، فإن الإدارة الأمريكية ستتعامل معها بإيجابية، وستبني لها مفاعلات نووية سلمية لتخدم المنظومة الاقتصادية الأمريكية بفعالية أكبر.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة