خطورة القطيعة بين الأحزاب السياسية في دولة ما

شارك المقال:

خطورة القطيعة بين الأحزاب السياسية في دولة ما

بقلم خالد غنام

2/5/2023

شراسة حقيقية يعاني منها الانسان المعاصر تجعله يعزل نفسه عن المناكفات السياسية ليس لأنها عقيمة بل لأنها معقدة جدا وتحتاج لتفرغ كامل حتى نفهمها. وذكر مارك كوهين أن الشعب الغبي هو من يفهم سياسيه دون يصنع هو سياستهم.

هذا الاستبداد السياسي الذي حوّل مصدر القرار السياسي: مراكز الأبحاث في الجامعات والأجهزة الأمنية، بعدما كان مصدر القرار هو المناقشات النقابية وجلسات التنظير السياسي ومؤسسات الحياة السياسية من مجالس شعبية حتى قبة البرلمان.

لقد دخلت الأحزاب السياسية زمن الكوانتوم المعقد فبات حديث الساسة علميًا جافًا يتم تجميله بالكذب وتبجيله بالاقتباسات الدينية الروحانية وتسويقه إعلاميًا بتبيان المصلحة المادية المباشرة للفرد. أصبح السياسي يخاطب الأفراد عن مصالحهم بعدما كان يمثل المواطنين في بناء نهضة الأمة.

يقول الفيلسوف أُول ويفر: مهما حدث لابد أن يستمر النقاش وإلا تفتت الدولة هذا هو المنطق العلمي. أما بالسياسة العملية بالقرن الحالي فلا يوجد صبر ولا أنصاف حلول؛ إما السيطرة أو التمرد. إن النقاشات بين الأحزاب السياسية في إي قضية لم تعد تدم طويلا، لأنها غالبًا ما تصبح تيبولوجيات مضللة، إذا ما أعاد أعضاء الجماعة المعرفية ترتيب مواقفهم النظرية وفقا لخطوط انقسام جديدة.

يصبح كل ما تقوم به المعارضة المتمردة هو خيانة للوطن واستعباد للشعب، بالمقابل يتم تجميل كل قبيح داخل الحزب المسيطر.

لكن الخطورة في ذلك أن كل خصم سياسي يعزل نفسه عن الآخر مما يسبب تشرذم المجتمع وإنهاك الوحدة الفكرانية للأمة مع تفخيخ الحدود الوطنية الجامعة؛ يصبح قتل الناس بتهم الخيانة والعمالة سمة، فيتم زرع الرعب المجتمعي الذي يهدم المحبة الولائية والانتماء التفاخري لأعضاء الأحزاب السياسية وينزع شعبية الأحزاب السياسية ويحل محلها الخنوع لجبروت سطوتها الأمنية والعسكرية.

هنا علينا أن نتذكر أننا نشكل عوامل تفتيت حتمي للأحزاب السياسية حيث أن عزلتها تجعل تشكل مراكز القوى الداخلية أمر خطير حيث أن صراع سمة السياسة، فيتفتت الحزب السياسي بسبب غياب القيادة الجماعية الجماهيرية وتحول جزء من القيادة إلى سلطة سلطوية مدعومة من نخب فاسدة من رأس المال الاجتماعي، مما بعزل الحزب السياسي عن جماهيره، ويربط ما بين الفاسدين في رأس المال الاجتماعي ومن يدعمهم في الجزء الفاسد داخل قيادة الحزب السياسي المسيطر.

فالطبيعي أن السياسي يبحث عن عدو ينافسه ويجعله شماعة لفشله وفساده، فلا يجد إلا شركاءه داخل حزبه السياسي، فيبدأ بفضح سرهم وكسر سطوتهم بل وبيعهم لأعداء الوطن والخصوم السياسيين.

أما على الصعيد الخارجي فإنه يتم تصغير حجم الوطن حتى يصبح وزنه صفرياً، فنرى بقية دول العالم لا تعترف بالكينونة الوطنية للبلد، أن أغلبها يعتبر أن البلد انتهى وتحوّل لمجرد أرض مشاع تسيطر على أجزاء منه عصابات صعلوكية لا تحكم شعبًا بل تستعبده وتتناحر مع بعضها البعض. فيتم استغلال هذه العصابات الصعلوكية من قبل المجتمع الدولي، ويتم ابتزاز كل مقدرات الوطن والمواطنين بسبب فقدانهم الحصانة المانعة التي تبنيها المؤسسات السياسية السيادية للدولة في حال وجود حياة سياسية ديموقراطية.

إن هذا يحدث في نظم سياسية ديموقراطية لا تحكمها نظم ملكية قبلية أو انقلابات عسكرية، إلا أن المواطن العادي يحل كل عقوده مع الديموقراطية وكذلك مع الأحزاب السياسية ويبحث عن ملاذ آمن يقيه تبعيات الحرب بين الأحزاب السياسية. عندما يفقد الفرد إحساسه أنه مواطن، فإن كل عناصر الوطن تزلزل، بما فيها الأحزاب السياسية، فلا تصبح القوة الأمنية أو المالية ما يحكم الحزب المسيطر، بل مقدار شعبية الدعاية السياسية للأحزاب السياسية.

إن فقدان الثقة بالأحزاب السياسية في تلك المرحلة لا يعني أنها ستسمح بتشكل معارضة جديدة حتى تتحسن صحة الحياة الديموقراطية، بحجة أن خصومها السياسيين يخونوا الوطن، وأن الوطن يعيش ظروفا استثنائية يستحيل معها تداول السلطة بسبب تعنت المعارضة المتمردة. وهذا يدفع الأفراد ليسرقوا وطنهم تبريرًا لانعدام حصولهم على حقوقهم من الحكومة المفتتة. وكذلك يتحول الفرد لمنافق يداهن أي سياسي بوجهه ويشتمه أمام خصمه، بل ويكون الفرد مستعد لبيع أسرار بلاده لأعدائها بحجة أن البلاد منكوبة بسياسيها وهم من باعوا انفسهم للأعداء.

خطة النهائيات هي ما يبحث عنه الجميع؛ هزيمة الحزب المسيطر أو خنوع المعارضة المتمردة؟ بالحقيقة أن الحل الوحيد هو استعادة النقاش السياسي بين الأحزاب السياسية لحماية أنفسهم وتعزيز المصلحة الوطنية وتحصين وطنية الشعب. الغريب ان الاستنتاج الفلسفي هذا مستفز بقدر ما هي بديهية شروق الشمس بعد الفجر. نعم الحل مستفز جدا جدا لأنه بديهي وهو حقيقة علمية بل أكثر من ذلك هو واجب وطني وانساني مقدس.

 

http://www.alsbah.net/wordpress/2023/05/02/%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF-%D8%BA%D9%86%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%8A%D8%B9%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD/

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة