الروح الثورية

شارك المقال:

مقال بعنوان: الروح الثورية

أنت التغيير الذي تريده في العالم، حيادك مقتلك بادر وتحرك؛ أنت منكوب فتحرر: هذه هي رسالة الطلائع الثورية في بدايات تكوين حركات التحرر، تحريض الشعب المنكوب ليترجم رفضه لواقع الاحتلال بأسلوب إيجابي قادر على تثوير قضيته وإعلان بداية ثورة تغيير واقع الاحتلال لنيل الاستقلال.

إن نجاح أي حركة تحرر يعتمد أساسا على قدرتها لتعبئة الشعب المنكوب بفكرة الثورة وتكوين جمهور ثورة داخله؛ وجمهور الثورة  يشمل كل من آمن بفكرة ثورة وتفاعل معها وهي بطبيعة الحال لا تشمل كل الشعب المنكوب والذي بالغالب يكون سلبي اتجاه واقعه المؤلم وعدم يقينه بقدرة الطلائع الثورية على خلق واقع جديد؛ الا أن عادلة قضية الثورة تجعلها تتمدد بمساحات خارج حدود شعبها وأحيانا داخل قوة الاحتلال نفسها.

ومن أجل هذه الغاية تستخدم القيادة الثورية أساليب متنوعة لاستقطاب الشعب حول فكرة الثورة من أجل توسيع دائرة جماهير الثورة؛ ولعل التظاهر بالمسيرات الاحتجاجية أبسطها، وهذا الأسلوب الاستقطابي يعتبر من أنجح الأساليب فهو يتعامل مع الروح الثورية والطاقة الكامنة في الشعب المنكوب.

لكن كيف تعمل الروح الثورية؟ وكيف تستقطب جمهور جديد للثورة؟ لتوضيح ذلك لابد أن نفهم كلمة روح أولا :-

في الحضارة النطوفية والكبارية في تاريخ فلسطين القديم: فإن الإنسان له ثلاث أرواح وهي الروح السامية (soul) المسمى طاقة الرب (آلهة وثنية) في داخل الانسان حيث نفخ الرب في الطين من روحه وهذه الروح لا يملك الإنسان القدرة على التحكم بها فهي بيد الرب وهو يمنحها وهو بسحبها ويقول أرسطو هي سر الحياة الذي لا نملك التحكم به؛ أما الروح الثانية فهي المسمى شهيق (enforcement spirit) وهي روح وسطى نغذيها بأفكارنا وعواطفنا وهي تأخذ الفكرة جزء جزء من العقل والمجمل العام للفكرة من الفؤاد؛ وهذه الروح هي عبارة عن طاقة تدفعنا للعمل والتأمل والإنتاجية فهي الطاقة الإيجابية التي تدفعنا لإنجاز أمور غير اعتيادية لنفسنا البشرية رغم وعي عقلنا لها وإيمان فؤادنا بضرورتها فهي تحفزنا وتبث الثورة في حواسنا وملكاتنا الذهنية والبدنية. أما الروح الثالثة فهي المسمى الزفير  (protection spirit)وهي الطاقة السلبية فينا ويعتبرها البعض شيطانية إلا أن الآلهة الفلسطينية القديمة إيل كانت تعتبرها أساس غريزة البقاء وقال فيثاغورث: إن أتباع إيل يملكون طاقة إضافية تجعلهم يتكتلوا مثل النمل إذا ما واجهوا أخطار، وهذه الروح تسمى بالهالة في الطب الصيني فهي طاقة بيضاوية الشكل تحيط جسم الإنسان ووظيفتها حماية الإنسان من خلال توفير مجال وجودي يمنع الآخرين من احتلاله.

 

بالعودة لمفهوم الروح الثورية فهي عملية توحد هالات الجمهرة: بمعنى أن مجموعة من البشر المثورين من قبل الطلائع الثورية توحدوا بإيمانهم بفكرة معينة لدرجة أنهم وحدوا الطاقة المحيطة بأجسادهم مكونين هالة كبرى تملك قوة عشرة أضعاف حجم مجموع أفرادها فيصبح أفرادها مسيرين بفعل الطاقة الجمعية الهائلة مما يجعلهم قادرين على كسر كل حواجز الخوف والسلبية إلا أنهم يتصرفوا بعيدا عن العقلانية والتنظيم وأقرب للتمرد الهمجي بحلم التغيير السريع والسبب أن الطاقة التي يشعروا بها توقفهم من التفكير وتعطل حواسهم وغرائزهم ويشبهها غوستاف بالطاقة التدميرية التي لا يسيطر عليها أحد حتى منهم بداخلها.

ومن الأمثلة عليها مظاهرات الثورة الفرنسية ومظاهرات غاندي؛ فاستخدامها مرهون بالتعبئة الجيدة قبل المظاهرة والتدريب على التدرج بالثورة مع فهم الواقعي أن المظاهرة لا تنهي الاحتلال الا أنها جزء من عمل تراكمي يصنع الاستقلال. ونرى أن بعض الثورات آمنت بأن الروح الثورية ممكن ان تنتقل بالاتصال السامي بين الأرواح (المقصود الهالة) مثل الثورة البوليفية وهي مأخوذة من أسطورة كنعانية قديمة تتحدث عن توأمت الروح (المقصود الهالة) حيث يحدث اتصال سامي بينها فتصعد لتكون نجمة في السماء وتكون
شدة بريق النجمة تدلل على درجة سمو الاتصال السامي بين الأرواح المشكلة للنجمة الجديدة. وهناك ثورات آمنت بالروح الثورية من مبدأ التثاقب (تسائمت بلكنة الجليل) بين الأرواح (المقصود الهالة) المعذبة مثل ثورة تيمور الشرقية ونمور التاميل والخمير الحمر، أما فكرتها فهي أن الروح المعذبة أي الهالة تصعد للسماء الوسطى بحثا عن دواء وعندما تصادف روح معذبة آخرى بمعنى أن تصدف الأولى الثانية بنفس الوقت الذي تصدف فيه الثانية الأولى فإن طاقة كبرى تتكتل حول أجساد الثوار على الأرض مما يجعلهم قادرين على قهر المستحيل.

من هنا أرى أن استخدام المصطلح يتم بشكل خاطئ؛ وفي الغالب يتم الخلط بين أسطورة الروح الثورية وبين مؤشر النقاء الثوري: فالروح الثورية وصف بلاغي يقصد به امتلاك طاقة هائلة قادرة على تحقيق إنجازات غير واقعية؛ ورغم نجاحها بثورات عديدة الا أنها مؤقتة وآنية تنتهي بإنتهاء التجمهر،  فلا يوجد شخص يمتلك روح ثورية طوال الوقت؛ أما مؤشر النقاء الثوري فهو يتحدث عن مفهوم الثورة الدائمة واختلاف ضروراتها بين تروتسكي ولينين.

غير أن المؤشر متفق عليه وهو مقياس المسلكية الثورية للكوادر التنظيمية والطلائع الفدائية؛ وكلما تخلى الكادر عن الأنا واحتياجاتها لصالح الثورة ومتطلباتها كلما أرتقى بمؤشر النقاء الثوري؛ وقد علق هوغو شافيز على النقاء الثوري فقال هو عكس الثورة؛ ففي الجزر الثوري لابد أن نرتقي بمؤشر النقاء الثوري، وأما بالمد الثوري فلابد أن نتساوى في توزيع المجهود والأدوار. ومن جانب آخر رفضه مانديلا معتبرا أن الثائر إنسان سعيد وأن السعادة متعة اللذة؛ فإذا كانت الثورة لذة الخلاص من الاحتلال فلابد أن نتمتع بإنجازها. قد تكون المثالية مرض وهذه كلها أفكار مثالية ولكن أليست الواقعية مرض أخطر .

خالد غنام أبو عدنان
ولدت لاجئاً وأحيا مهاجراً

3/10/2014

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة